الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                مختصر الروضة وَلِلْجِنْسِيَّةِ مَرَاتِبٌ : فَأَعَمُّهَا فِي الْوَصْفِ : كَوْنُهُ وَصْفًا ، ثُمَّ مَنَاطًا ، ثُمَّ مَصْلَحَةً خَاصَّةً ، وَفِي الْحُكْمِ : كَوْنُهُ حُكْمًا ، ثُمَّ وَاجِبًا وَنَحْوَهُ ، ثُمَّ عِبَادَةً ، ثُمَّ صَلَاةً . وَتَأْثِيرُ الْأَخَصِّ فِي الْأَخَصِّ أَقْوَى ، وَتَأْثِيرُ الْأَعَمِّ فِي الْأَعَمِّ يُقَابِلُهُ ، وَالْأَخَصُّ فِي الْأَعَمِّ ، وَعَكْسُهُ وَاسِطَتَانِ . وَقِيلَ : الْمُلَائِمُ : مَا ذُكِرَ فِي الْغَرِيبِ ، وَالْغَرِيبُ : مَا لَمْ يَظْهَرْ تَأْثِيرُهُ ، وَلَا مُلَاءَمَتُهُ لِجِنْسِ تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ ، نَحْوَ : حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِكَوْنِهَا مُسْكِرًا ، وَتَرِثُ الْمَبْتُوتَةُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ مُعَارَضَةً لِلزَّوْجِ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ كَالْقَاتِلِ ، إِذْ لَمْ نَرَ الشَّرْعَ الْتَفَتَ إِلَى ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، بَلْ هُوَ مُجَرَّدُ مُنَاسِبٍ، اقْتَرَنَ الْحُكْمُ بِهِ . وَقَصَرَ قَوْمٌ الْقِيَاسَ عَلَى الْمُؤَثِّرِ ، لِاحْتِمَالِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي غَيْرِهِ تَعَبُّدًا ، أَوْ لِوَصْفٍ ثُمَّ لَمْ نَعْلَمْهُ ، أَوْ لِهَذَا الْوَصْفِ الْمُعَيَّنِ ، فَالتَّعْيِينُ بِهِ تَحَكُّمٌ . وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُتَّبِعَ الظَّنُّ وَهُوَ حَاصِلٌ بِاقْتِرَانِ الْمُنَاسِبِ ، وَلَمْ تَشْتَرِطِ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي أَقْيِسَتِهِمْ كَوْنُ الْعِلَّةِ مَنْصُوصَةً وَلَا إِجْمَاعِيَّةً . شرح مختصر الروضة قَوْلُهُ : " وَلِلْجِنْسِيَّةِ مَرَاتِبٌ " إِلَى آخِرِهِ . اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَصْفَ مُؤَثِّرٌ فِي الْحُكْمِ ، وَالْحُكْمَ ثَابِتٌ بِالْوَصْفِ ، وَمُسَمَّى الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ جِنْسٌ تَخْتَلِفُ أَنْوَاعُ مَدْلُولِهِ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ، كَاخْتِلَافِ أَنْوَاعِ مَدْلُولِ الْجِسْمِ وَالْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَجْنَاسِ كَمَا تَقَرَّرَ أَوَّلُ الْكِتَابِ ، وَلِهَذَا اخْتَلَفَ تَأْثِيرُ الْوَصْفِ فِي الْحُكْمِ تَارَةً بِالْجِنْسِ ، وَتَارَةً بِالنَّوْعِ; احْتَجْنَا إِلَى بَيَانِ مَرَاتِبِ جِنْسِ الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ وَمَعْرِفَةِ الْأَخَصِّ مِنْهَا مِنَ الْأَعَمِّ ، لِيَتَحَقَّقَ لَنَا مَعْرِفَةُ أَنْوَاعِ تَأْثِيرِ الْأَوْصَافِ فِي الْأَحْكَامِ . فَأَعَمُّ مَرَاتِبِ " الْوَصْفِ كَوْنُهُ وَصْفًا " لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَنَاطًا لِلْحُكْمِ ، أَوْ لَا يَكُونَ ، إِذْ بِتَقْدِيرٍ أَنْ يَكُونَ طَرْدِيًّا غَيْرَ مُنَاسِبٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُنَاطَ بِهِ حُكْمٌ ، فَكُلُّ مَنَاطٍ وَصْفٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ وَصْفٍ مَنَاطًا ، " ثُمَّ " كَوْنُهُ " مَنَاطًا " لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَصْلَحَةً أَوْ لَا ، فَكُلُّ مَصْلَحَةٍ مَنَاطٌ لِلْحُكْمِ ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنَاطٍ مَصْلَحَةً; لِجَوَازِ أَنْ يُنَاطَ الْحُكْمُ بِوَصْفٍ تَعَبُّدِيٍّ ، لَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ ، وَكَلَامُنَا فِي الْمَصْلَحَةِ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ ، أَمَّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، فَلَا يَخْلُو تَصَرُّفُ الشَّرْعِ عَنْ مَصْلَحَةٍ . " ثُمَّ " كَوْنُ الْوَصْفِ " مَصْلَحَةً " لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ مَصْلَحَةً عَامَّةً ، بِمَعْنَى أَنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ لِمُطْلَقِ النَّفْعِ ، وَقَدْ تَكُونُ " خَاصَّةً " بِمَعْنَى كَوْنِهَا مِنْ بَابِ الضَّرُورَاتِ وَالْحَاجَاتِ أَوِ التَّكْمِلَاتِ وَالتَّتِمَّاتِ ، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي الِاسْتِصْلَاحِ . وَأَمَّا الْحُكْمُ ، فَأَعَمُّ مَرَاتِبِهِ " كَوْنُهُ حُكْمًا " لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وُجُوبًا أَوْ تَحْرِيمًا أَوْ صِحَّةً أَوْ فَسَادًا . " ثُمَّ " كَوْنُهُ " وَاجِبًا وَنَحْوَهُ " أَيْ : مِنَ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ ، وَهِيَ الْوَاجِبُ وَالْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهُ وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُبَاحُ ، وَمَا يَلْحَقُ بِذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ كَمَا سَبَقَ ، إِذِ الْوَاجِبُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً اصْطِلَاحِيَّةً أَوْ غَيْرَهَا . " ثُمَّ " كَوْنُهُ " عِبَادَةً " لِأَنَّهَا أَعَمُّ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْعِبَادَاتِ ، " ثُمَّ " كَوْنُهُ " صَلَاةً " إِذْ كَلُّ صَلَاةٍ عِبَادَةٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ عِبَادَةٍ صَلَاةً . قَالَ الْقَرَافِيُّ : أَعَمُّ أَجْنَاسِ الْحُكْمِ كَوْنُهُ حُكْمًا ، وَأَخَصُّ مِنْهُ كَوْنُهُ طَلَبًا أَوْ تَخْيِيرًا ، وَأَخَصُّ مِنْهُ كَوْنُهُ تَحْرِيمًا أَوْ إِيجَابًا ، وَأَخَصُّ مِنْهُ كَوْنُهُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ أَوْ إِيجَابَ الصَّلَاةِ ، وَأَعَمُّ أَحْوَالِ الْوَصْفِ كَوْنُهُ وَصْفًا ، وَأَخَصُّ مِنْهُ كَوْنُهُ مُنَاسِبًا ، وَأَخَصُّ مِنَ الْمُنَاسِبِ كَوْنُهُ مُعْتَبَرًا ، وَأَخَصُّ مِنْهُ كَوْنُهُ مَشَقَّةً أَوْ مَصْلَحَةً أَوْ مَفْسَدَةً خَاصَّةً ، ثُمَّ أَخُصُّ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ فِي مَحَلِّ الضَّرُورَاتِ أَوِ الْحَاجَاتِ أَوِ التَّتِمَّاتِ . قَالَ : فَبِهَذَا الطَّرِيقِ تَظْهَرُ الْأَجْنَاسُ الْعَالِيَةُ وَالْمُتَوَسِّطَةُ ، وَالْأَنْوَاعُ السَّافِلَةُ لِلْأَحْكَامِ وَالْأَوْصَافِ مِنَ الْمُنَاسِبِ وَغَيْرِهِ ، فَالْإِسْكَارُ نَوْعٌ مِنَ الْمَفْسَدَةِ ، وَالْمَفْسَدَةُ جِنْسٌ لَهُ ، وَالْأُخُوَّةُ نَوْعٌ مِنَ الْأَوْصَافِ ، وَالتَّقْدِيمُ فِي الْمِيرَاثِ نَوْعٌ مِنَ الْأَحْكَامِ ، فَهِيَ تَأْثِيرُ نَوْعٍ فِي نَوْعٍ . قُلْتُ : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي تَقْسِيمِ مَرَاتِبِ الْحُكْمِ وَالْوَصْفِ أَحْسَنُ مِمَّا فِي " الْمُخْتَصَرِ " وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ وَاحِدًا ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبًا . قَوْلُهُ : " وَتَأْثِيرُ الْأَخَصِّ فِي الْأَخَصِّ " إِلَى آخِرِهِ ، أَيْ : لِمَا عُرِفَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ الْأَخَصَّ وَالْأَعَمَّ مِنَ الْأَوْصَافِ وَالْأَحْكَامِ; فَلْيَعْلَمْ أَنَّ تَأْثِيرَ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ يَتَفَاوَتُ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ ، فَتَأْثِيرُ " الْأَخَصِّ فِي الْأَخَصِّ أَقْوَى " أَنْوَاعِ التَّأْثِيرِ ، كَمَشَقَّةِ التَّكْرَارِ فِي سُقُوطِ الصَّلَاةِ ، وَالصِّغَرِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ ، " وَتَأْثِيرُ الْأَعَمِّ فِي الْأَعَمِّ " يُقَابِلُ ذَلِكَ ، فَهُوَ أَضْعَفُ أَنْوَاعِ التَّأْثِيرِ ، وَتَأْثِيرُ " الْأَخَصِّ فِي الْأَعَمِّ وَعَكْسُهُ " وَهُوَ تَأْثِيرُ الْأَعَمِّ فِي الْأَخَصِّ " وَاسِطَتَانِ " بَيْنَ ذَيْنِكَ الطَّرَفَيْنِ ، إِذْ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُوَّةٌ مِنْ جِهَةِ الْأَخَصِّيَّةِ ، وَضَعْفٌ مِنْ جِهَةِ الْأَعَمِّيَّةِ ، بِخِلَافِ الطَّرَفَيْنِ ، إِذِ الْأَوَّلُ تَمَحَّضَتْ فِيهِ الْأَخَصِّيَّةُ ، فَتَمَحَّضَتْ لَهُ الْقُوَّةُ ، وَالثَّانِي تَمَحَّضَتْ فِيهِ الْأَعَمِّيَّةُ ، فَتَمَحَّضَ لَهُ الضَّعْفُ . وَأَشَرْتُ بِعِبَارَةِ " الْمُخْتَصَرِ " إِلَى قَوْلِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الْمَكَانِ . فَمَا ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي الصَّلَاةِ الْوَاجِبَةِ أَخَصُّ مِمَّا ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي الْعِبَادَةِ ، وَمَا ظَهَرَ فِي الْعِبَادَةِ أَخَصُّ مِمَّا ظَهَرَ فِي الْوَاجِبِ ، وَمَا ظَهَرَ فِي الْوَاجِبِ أَخَصُّ مِمَّا ظَهَرَ فِي الْحُكْمِ . قُلْتُ : لِأَنَّ التَّأْثِيرَ فِي الْأَخَصِّ أَقْوَى مِنْ تَحْصِيلِ ظَنِّ حُصُولِ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ . قَوْلُهُ : " وَقِيلَ : الْمُلَائِمُ مَا ذُكِرَ فِي الْغَرِيبِ " إِلَى آخِرِهِ . هَذَا قَوْلٌ آخَرُ فِي الْمُلَائِمِ ، وَهُوَ أَنَّهُ " مَا ذُكِرَ فِي الْغَرِيبِ " وَهُوَ مَا ظَهَرَ تَأْثِيرُ جِنْسِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ ، لِأَنَّ الِالْتِفَاتَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ مِنَ الشَّارِعِ ، فَيَكُونُ مُلَائِمًا لِتَصَرُّفِهِ . أَمَّا " الْغَرِيبُ " ; فَهُوَ : " مَا لَمْ يَظْهَرْ تَأْثِيرُهُ وَلَا مُلَاءَمَتُهُ لِجِنْسِ تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ ، نَحْوَ " قَوْلِنَا : " حُرِّمَتِ الْخَمْرُ ، لِكَوْنِهَا مُسْكِرًا " فَيَلْحَقُ بِهِ كُلُّ مُسْكِرٍ ، بِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَرِدَ فِي ذَلِكَ نَصٌّ ، وَلَا إِجْمَاعٌ ، وَتَرِثُ الْمَبْتُوتَةُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ مُعَارَضَةً لِلزَّوْجِ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ ، كَالْقَاتِلِ " مَوْرُوثَهُ ، لِأَنَّا " لَمْ نَرَ الشَّرْعَ الْتَفَتَ إِلَى " مِثْلِ " ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ " يَشْهَدُ لَهُ بِالِاعْتِبَارِ ، " بَلْ هُوَ مُجَرَّدُ مُنَاسِبٍ " أَيْ : مُنَاسِبٌ مُجَرَّدٌ عَنِ الشَّهَادَةِ لَهُ بِالِاعْتِبَارِ . " اقْتَرَنَ الْحُكْمُ بِهِ " وَمُجَرَّدُ الِاقْتِرَانِ لَا يَكْفِي فِي ثُبُوتِ الْعِلِّيَّةِ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية