الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              مِنْ أَنْفَعِ طُرُقِ الْعِلْمِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى غَايَةِ التَّحَقُّقِ بِهِ أَخْذُهُ عَنْ أَهْلِهِ الْمُتَحَقِّقِينَ بِهِ عَلَى الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا ، ثُمَّ عَلَّمَهُ ، وَبَصَّرَهُ ، وَهَدَاهُ طُرُقَ مَصْلَحَتِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ; غَيْرَ أَنَّ مَا عَلَّمَهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : ضَرْبٌ مِنْهَا ضَرُورِيٌّ ، دَاخِلٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ مِنْ أَيْنَ وَلَا كَيْفَ ، بَلْ هُوَ مَغْرُوزٌ فِيهِ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ ، كَالْتِقَامِهِ الثَّدْيَ ، وَمَصِّهِ لَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْبَطْنِ إِلَى الدُّنْيَا - هَذَا مِنَ الْمَحْسُوسَاتِ - وَكَعِلْمِهِ بِوُجُودِهِ ، وَأَنَّ النَّقِيضَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعْقُولَاتِ . وَضَرْبٌ مِنْهَا بِوَسَاطَةِ التَّعْلِيمِ ، شَعَرَ بِذَلِكَ أَوْ لَا ، كَوُجُوهِ التَّصَرُّفَاتِ الضَّرُورِيَّةِ ، نَحْوِ مُحَاكَاةِ الْأَصْوَاتِ ، وَالنُّطْقِ بِالْكَلِمَاتِ ، وَمَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ الْأَشْيَاءِ - فِي الْمَحْسُوسَاتِ ، وَكَالْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ الَّتِي لِلْعَقْلِ فِي تَحْصِيلِهَا مَجَالٌ وَنَظَرٌ - فِي الْمَعْقُولَاتِ . وَكَلَامُنَا مِنْ ذَلِكَ فِيمَا يَفْتَقِرُ إِلَى نَظَرٍ وَتَبَصُّرٍ ; فَلَا بُدَّ مِنْ مُعَلِّمٍ فِيهَا ، وَإِنْ كَانَ النَّاسُ قَدِ اخْتَلَفُوا هَلْ يُمْكِنُ حُصُولُ الْعِلْمِ دُونَ مُعَلِّمٍ أَمْ لَا ، فَالْإِمْكَانُ مُسَلَّمٌ ، وَلَكِنَّ الْوَاقِعَ فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ أَنَّ لَابُدَّ مِنَ الْمُعَلِّمِ ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ التَّفَاصِيلِ كَاخْتِلَافِ جُمْهُورِ الْأُمَّةِ وَالْإِمَامِيَّةِ - وَهُمُ الَّذِينَ يَشْتَرِطُونَ الْمَعْصُومَ - وَالْحَقُّ مَعَ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ الَّذِي لَا يَشْتَرِطُ الْعِصْمَةَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُمْ مُقِرُّونَ بِافْتِقَارِ الْجَاهِلِ إِلَى الْمُعَلِّمِ ، عِلْمًا كَانَ الْمُعَلَّمُ أَوْ عَمَلًا ، وَاتِّفَاقُ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْوُقُوعِ وَجَرَيَانُ الْعَادَةِ بِهِ - كَافٍ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ ، وَقَدْ قَالُوا إِنَّ الْعِلْمَ كَانَ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْكُتُبِ ، وَصَارَتْ مَفَاتِحُهُ بِأَيْدِي الرِّجَالِ ، وَهَذَا الْكَلَامُ يَقْضِي بِأَنْ لَا بُدَّ فِي تَحْصِيلِهِ مِنَ الرِّجَالِ ; إِذْ لَيْسَ وَرَاءَ هَاتَيْنِ الْمَرْتَبَتَيْنِ مَرْمًى عِنْدَهُمْ ، وَأَصْلُ هَذَا فِي الصَّحِيحِ : إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ الْحَدِيثَ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ; فَالرِّجَالُ هُمْ مَفَاتِحُهُ بِلَا شَكٍّ . فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا ; فَلَا يُؤْخَذُ إِلَّا مِمَّنْ تَحَقَّقَ بِهِ ، وَهَذَا أَيْضًا وَاضِحٌ فِي نَفْسِهِ ، وَهُوَ أَيْضًا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ ; إِذْ مِنْ شُرُوطِهِمْ فِي الْعَالِمِ بَأَيِّ عِلْمٍ اتَّفَقَ ؛ أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِأُصُولِهِ وَمَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعِلْمُ ، قَادِرًا عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ مَقْصُودِهِ فِيهِ ، عَارِفًا بِمَا يَلْزَمُ عَنْهُ ، قَائِمًا عَلَى دَفْعِ الشُّبَهِ الْوَارِدَةِ عَلَيْهِ فِيهِ ، فَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَا اشْتَرَطُوهُ ، وَعَرَضْنَا أَئِمَّةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ ; وَجَدْنَاهُمْ قَدِ اتَّصَفُوا بِهَا عَلَى الْكَمَالِ . غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ السَّلَامَةُ عَنِ الْخَطَأِ أَلْبَتَّةَ ، لِأَنَّ فُرُوعَ كُلِّ عِلْمٍ إِذَا انْتَشَرَتْ ، وَانْبَنَى بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ - اشْتَبَهَتْ ، وَرُبَّمَا تُصُوِّرَ تَفْرِيعُهَا عَلَى أُصُولٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي الْعِلْمِ الْوَاحِدِ ، فَأَشْكَلَتْ أَوْ خَفِيَ فِيهَا الرُّجُوعُ إِلَى بَعْضِ الْأُصُولِ ، فَأَهْمَلَهَا الْعَالِمُ مِنْ حَيْثُ خَفِيَتْ عَلَيْهِ ، وَهِيَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، أَوْ تَعَارَضَتْ وُجُوهُ الشَّبَهِ فَتَشَابَهَ الْأَمْرُ ، فَيَذْهَبُ عَلَى الْعَالِمِ الْأَرْجَحُ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ ; فَلَا يَقْدَحُ فِي كَوْنِهِ عَالِمًا ، وَلَا يَضُرُّ فِي كَوْنِهِ إِمَامًا مُقْتَدًى بِهِ ; فَإِنْ قَصَّرَ عَنِ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ نَقَصَ عَنْ رُتْبَةِ الْكَمَالِ بِمِقْدَارِ ذَلِكَ النُّقْصَانِ ; فَلَا يَسْتَحِقُّ الرُّتْبَةَ الْكَمَالِيَّةَ مَا لَمْ يُكَمِّلْ مَا نَقَصَ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية