الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَقَوْلُهُ تَعَالَى: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ تَقْدِيرُ الْآيَةِ: أَشْهُرُ الْحَجِّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، وَهِيَ: شَوَّالٌ، وَذُو الْقِعْدَةِ، وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَعَلَهُنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِلْحَجِّ، فَلَا يَصْلُحُ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنْ أَحْرَمَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ عُمْرَةً. وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى شَهْرَيْنِ وَبَعْضَ الثَّالِثِ أَشْهُرًا ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُوقِعُ لَفْظَ الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ ) يَعْنِي: عَائِشَةَ وَصَفْوَانَ، قَالَ: وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ يَعْنِي: دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ، وَقَالَ: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ، وَقَالَ الشَّاعِرُ: ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ وَقَوْلُهُ: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ أَيْ: مَنْ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْحَجَّ بِالْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ، فَلَا رَفَثَ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: لَا جِمَاعَ. وَلَا فُسُوقَ يَعْنِي: الْمَعَاصِيَ كُلَّهَا، وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ هُوَ أَنْ يُجَادِلَ صَاحِبَهُ وَيُمَارِيَهُ حَتَّى يُغْضِبَهُ، نُهِيَ الْمُحْرِمُ عَنْ هَذَا، وَذَكَرْنَا وَجْهَ انْتِصَابِ قَوْلِهِ: فَلَا رَفَثَ عِنْدَ قَوْلِهِ: لَا رَيْبَ فِيهِ . وَمَنْ قَرَأَ - بِالرَّفْعِ - شَبَّهَ "لَا" بِـ"لَيْسَ"كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرَانِهَا فَأَنَا ابْنُ قَيْسٍ لَا بَرَاحُ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي نَصْبِ وَلَا جِدَالَ وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْأَوَّلَيْنِ: النَّهْيُ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَرْفُثُوا وَلَا تَفْسُقُوا. وَمَعْنَى الثَّالِثِ: الْخَبَرُ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: لَا جِدَالَ فِي أَنَّ الْحَجَّ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَا: مَعْنَاهُ: وَلَا شَكَّ فِي الْحَجِّ أَنَّهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ، إِبْطَالًا لِلنَّسِيءِ الَّذِي كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَرَادُوا الْفَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، لِيَكُونَ مُخَالَفَةُ مَا بَيْنِهُمَا فِي اللَّفْظِ كَمُخَالَفَةِ مَا بَيْنِهُمَا فِي الْمَعْنَى. حَدَّثَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، إِمْلَاءً فِي مَسْجِدِ عَقِيلٍ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: "مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ فَرَجَعَ كَانَ كَمَنْ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ. وَقَوْلُهُ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَفِي هَذَا حَثٌّ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ، وَإِخْبَارٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِغَافِلٍ عَنْ فِعْلِهِمْ، فَهُوَ مُجَازِيهِمْ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى .. أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو الْمُزَكِّي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ كَانُوا يَحُجُّونَ بِغَيْرِ زَادٍ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ. ثُمَّ كَانُوا يَسْأَلُونَ النَّاسَ، وَرُبَّمَا ظَلَمُوهُمْ وَغَصَبُوهُمْ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَتَزَوَّدُوا فَقَالَ: وَتَزَوَّدُوا. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : يَعْنِي: الْكَعْكَ وَالسَّوِيقَ، فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى يَعْنِي: مَا تَكُفُّونَ بِهِ وُجُوهَكُمْ عَنْ سُؤَالٍ، وَأَنْفُسَكُمْ عَنِ الظُّلْمِ، فَهَذَا نَوْعُ تَقْوَى.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية