الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ قَالَ أَبُو أُمَامَةَ التَّيْمِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ: إِنَّا قَوْمٌ نُكْرِي فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَإِنَّ قَوْمًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا حَجَّ لَنَا. قَالَ: أَلَسْتُمْ تُلَبُّونَ، أَلَسْتُمْ تَطُوفُونَ، أَلَسْتُمْ أَلَسْتُمْ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا سَأَلْتَ عَنْهُ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ حَتَّى نَزَلَتْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ كَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْحَجِّ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ، وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهَا ابْنُ عَبَّاسٍ. قَوْلُهُ: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ مَعْنَى الْإِفَاضَةِ فِي اللُّغَةِ: دَفْعُ الشَّيْءِ حَتَّى يَتَفَرَّقَ، وَمَعْنَى "أَفَضْتُمْ": دَفَعْتُمْ بِكَثْرَةٍ، يَعْنِي دَفَعَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ؛ لِأَنَّ النَّاسَ إِذَا انْصَرَفُوا مُزْدَحِمِينَ دَفَعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَ "عَرَفَاتٌ": اسْمٌ لِبُقْعَةٍ مَعْرُوفَةٍ، قَالَ عَطَاءٌ: إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُرِي إِبْرَاهِيمَ الْمَنَاسِكَ، فَيَقُولُ: عَرَفْتَ عَرَفْتَ، فَسُمِّيَتْ عَرَفَاتٍ. وَقَوْلُهُ: فَاذْكُرُوا اللَّهَ بِالدُّعَاءِ وَالتَّلْبِيَةِ، عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ يَعْنِي الْمُزْدَلِفَةَ، سُمِّيَتْ مَشْعَرًا لِأَنَّهُ مَعْلَمٌ لِلْحَجِّ، وَالصَّلَاةُ، وَالْمُقَامُ، وَالْمَبِيتُ بِهِ، وَالدُّعَاءُ عِنْدَهُ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ، وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ أَيِ: اذْكُرُوهُ ذِكْرًا مِثْلَ هِدَايَتِهِ إِيَّاكُمْ، أَيْ: يَكُونُ جَزَاءً لِهِدَايَتِهِ. وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ وَمَا كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِ هُدَاهُ إِلَّا ضَالِّينَ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: مِنْ قَبْلِهِ يَعْنِي: مِنْ قَبْلِ الْقُرْآنِ، ذَكَرَ اللَّهُ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ بِالْهُدَى وَالْقُرْآنِ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ذَكَرْنَا مَعْنَى الْإِفَاضَةِ. وَقَالَ عَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ: كَانَتِ الْحُمْسُ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ الْحَرَمِ إِلَى عَرَفَاتٍ، إِنَّمَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ وَسُكَّانُ حَرَمِهِ، فَلَا نَخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ وَلَسْنَا كَسَائِرِ النَّاسِ. فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَقِفُوا بِعَرَفَاتٍ كَمَا يَقِفُ سَائِرُ النَّاسِ حَتَّى تَكُونَ الْإِفَاضَةُ مَعَهُمْ مِنْهَا. وَ "النَّاسُ" فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُمُ الْعَرَبُ كُلُّهَا غَيْرَ الْحُمْسِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَكُلُّ ابْنِ أُخْتٍ وَحَلِيفٍ لَهُمْ لَا يُفِيضُونَ مِنَ النَّاسِ مِنْ عَرَفَاتٍ، إِنَّمَا يُفِيضُونَ مِنَ الْمِغْمَسِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ فَلَا نَخْرُجُ مِنْ حَرَمِهِ. فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يُفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ مِنْ عَرَفَاتٍ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُوَيْهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ بُهْلُولٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنِي ابْنُ الْكِنَانَةِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ لِأُمَّتِهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، فَأَكْثَرَ الدُّعَاءَ، فَأَجَابَهُ: قَدْ فَعَلْتُ، إِلَّا ظُلْمَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فَأَمَّا ذُنُوبُهُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَقَدْ غَفَرْتُهَا، فَقَالَ: يَا رَبِّ، أَنْتَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ تُثِيبَ هَذَا الْمَظْلُومَ خَيْرًا مِنْ مَظْلَمَتِهِ، وَتَغْفِرَ لِهَذَا الظَّالِمِ، فَلَمْ يُجِبْهُ تِلْكَ الْعَشِيَّةَ، فَلَمَّا كَانَ غَدَاةُ الْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ عَلَيْهِ الدُّعَاءَ، فَأَجَابَهُ: أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قَالَ: ثُمَّ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: تَبَسَّمْتَ فِي سَاعَةٍ لَمْ تَكُنْ تَتَبَسَّمُ فِيهَا، فَقَالَ: تَبَسَّمْتُ مِنْ عَدُوِّ اللَّهِ إِبْلِيسَ، إِنَّهُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ لِي فِي أُمَّتِي أَهْوَى يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، وَيَحْثُو التُّرَابِ عَلَى رَأْسِهِ".

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية