الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَقَوْلُهُ: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلَهُ: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، وَ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ لِيَتِيمٍ فَعَزَلَ طَعَامَهُ عَنْ طَعَامِهِ، وَشَرَابَهُ عَنْ شَرَابِهِ، وَجَعَلَ يَفْضُلُ الشَّيْءُ مِنْ طَعَامِهِ، فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسَدَ، وَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ يَعْنِي: الْإِصْلَاحُ لِأَمْوَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ أُجْرَةٍ وَلَا أَخْذِ عَوْنٍ مِنْهُمْ خَيْرٌ وَأَعْظَمُ أَجْرًا، وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ أَيْ: تُشَارِكُوهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ وَتُخَالِطُوهَا بِأَمْوَالِكُمْ فَتُصِيبُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ عِوَضًا مِنْ قِيَامِكُمْ بِأُمُورِهِمْ. قَالَ الضَّحَّاكُ: مُخَالَطَتُهُمْ: رُكُوبُ الدَّابَّةِ، وَخِدْمَةُ الْخَادِمِ، وَشُرْبُ اللَّبَنِ، هَذَا إِذَا قَامَ عَلَى مَالِ الْيَتِيمِ. وَقَوْلُهُ: فَإِخْوَانُكُمْ أَيْ: فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَالْإِخْوَانُ يُعِينُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيُصِيبُ بَعْضُهُمْ مِنْ مَالِ بَعْضٍ. وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ أَيْ: لِأَمْوَالِهِمْ، مِنَ الْمُصْلِحِ لَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي مَالِ الْيَتَامَى وَلَا تَجْعَلُوا مُخَالَطَتَكُمْ إِيَّاهُمْ ذَرِيعَةً إِلَى إِفْسَادِ أَمْوَالِهِمْ وَأَكْلِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ. وَقَوْلُهُ: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ مَعْنَى الْإِعْنَاتِ: الْحَمْلُ عَلَى الْمَشَقَّةِ الَّتِي لَا تُطَاقُ، يُقَالُ: أَعَنْتَ فُلَانٌ فُلَانًا. أَيْ: أَوْقَعَهُ فِيمَا لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَ مَا أَصَبْتُمْ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى مُوبِقًا. وَقَالَ آخَرُونَ: وَ?َوْ شَاءَ اللَّهُ لَكَلَّفَكُمْ مَا يَشْتَدُّ عَلَيْكُمْ، وَأَثَّمَكُمْ فِي مُخَالَطَتِهِمْ، وَمَعْنَاهُ: التَّذْكِيرُ بِالنِّعْمَةِ فِي التَّوْسِعَةِ. إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ فِي مُلْكِهِ، حَكِيمٌ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ نَزَلَتْ فِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ، كَانَتْ لَهُ خَلِيلَةٌ مُشْرِكَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهَا: "عَنَاقُ". فَلَمَّا أَسْلَمَ قَالَتْ لَهُ: تَزَوَّجْ بِي. فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: أَيَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَهَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ، وَحَرَّمَ نِكَاحَ الْمُشْرِكَاتِ. ثُمَّ اسْتَثْنَى الْحَرَائِرَ الْكِتَابِيَّاتِ بِالْآيَةِ فِي الْمَائِدَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ . وَقَوْلُهُ: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ "الْأَمَةُ": الْمَمْلُوكَةُ. قَالَ السُّدِّيُّ: كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَغَضِبَ عَلَيْهَا وَلَطَمَهَا، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: "وَمَا هِيَ يَا عَبْدَ اللَّهِ؟" فَقَالَ: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُهُ. فَقَالَ: "هَذِهِ مُؤْمِنَةٌ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا لَأَعْتِقَنَّهَا وَلَأَتَزَوَّجَنَّ بِهَا. فَفَعَلَ، فَطَعَنَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَرَضُوا عَلَيْهِ حُرَّةً مُشْرِكَةً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ: وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ يَعْنِي: الْمُشْرِكَةَ بِمَالِهَا وَجَمَالِهَا. وَقَوْلُهُ: وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُ الْمُسْلِمَةِ مِنَ الْمُشْرِكِ بِحَالٍ، وَقَوْلُهُ: أُولَئِكَ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ، يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ أَيْ: إِلَى الْأَعْمَالِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّارِ. وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ يَقُولُ: إِلَى التَّوْبَةِ وَالتَّوْحِيدِ وَالْعَمَلِ الْمُوجِبِ لَهُمَا. بِإِذْنِهِ أَيْ: بِأَمْرِهِ، يَعْنِي أَنَّهُ بِأَوَامِرِهِ يَدْعُوكُمْ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية