الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      ثُمَّ ذَكَرَ مَا لِلْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ مُعْجَبِينَ بِذَلِكَ ، نَاعِمِينَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ ، وَوَقَاهُ رَبُّهُمْ وَصَرَفَ عَنْهُمْ ، عَذَابَ الْجَحِيمِ . وَيُقَالُ لَهُمْ : كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا أَكْلًا وَشُرْبًا هَنِيئًا ، مَأْمُونَ الْعَاقِبَةِ مِنَ التُّخَمَةِ وَالسَّقَمِ ، قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، تَزْعُمُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ لَيُؤْتَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ فِي الْأَكْلِ ، وَالشُّرْبِ ، وَالْجِمَاعِ " . قَالَ : فَإِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ تَكُونُ لَهُ الْحَاجَةُ . فَقَالَ : " عِرْقٌ يَفِيضُ مِثْلَ رِيحِ الْمِسْكِ ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ ضَمُرَ لَهُ بَطْنُهُ " . ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ حَالَهُمْ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، فَقَالَ : مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ جَمْعُ سَرِيرٍ ، مَصْفُوفَةٌ مَوْضُوعَةٌ بَعْضُهَا إِلَى جَنْبِ بَعْضٍ ، وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ مُفَسَّرٌ فِي آخِرِ سُورَةِ الدُّخَانِ . قَوْلُهُ : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ يَعْنِي : أَوْلَادَهُمُ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ ؛ لِأَنَّ الْكِبَارَ يَتْبَعُونَ الْآبَاءَ بِإِيمَانٍ مِنْهُمْ ، وَالصِّغَارُ يَتْبَعُونَ الْآبَاءَ بِإِيمَانٍ مِنَ الْآبَاءِ ، وَالْوَلَدُ يُحْكَمُ لَهُ بِالْإِسْلَامِ تَبَعًا لِوَالِدِهِ ، أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ يُدْفَعُونَ إِلَيْهِمْ ، فَتَقَرُّ بِهِمْ أَعْيُنُهُمْ ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُمْ فِي الْعَمَلِ . أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُطَّوِعِيُّ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ عَلِيٍّ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ الرَّاذَانِيُّ ، نَا جِبَارَةُ بْنُ مُغَلِّسٍ ، نَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ الْمُؤْمِنِ حَتَّى يُلْحِقَهُمْ بِهِ ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهُ فِي الْعَمَلِ لِتَقَرَّ بِهِمْ عَيْنُهُ ثُمَّ قَرَأَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ فَضْلٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي النَّارِ ، ثُمَّ قَرَأَ : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ " الْآيَةَ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَمْ نَنْقُصِ الْآبَاءَ مِنَ الثَّوَابِ ، حِينَ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ . وَذَكَرْنَا تَفْسِيرَ الْأَلْتِ عِنْدَ قَوْلِهِ : لَا يَلِتْكُمْ ، وَالْفَرَّاءُ عَلَى فَتْحِ اللَّامِ فِي : أَلَتْنَاهُمْ ، وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ بِكَسْرِ اللَّامِ ، وَذَلِكَ لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَتَمَّ الْكَلَامُ ، ثُمَّ ذَكَرَ أَهْلَ النَّارِ ، فَقَالَ : كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ قَالَ مُقَاتِلٌ : كُلُّ امْرِئٍ كَافِرٍ ، بِمَا عَمِلَ مِنَ الشِّرْكِ ، مُرْتَهَنٌ فِي النَّارِ ، وَالْمُؤْمِنُ لَا يَكُونُ مُرْتَهَنًا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فَاسْتَثْنَى الْمُؤْمِنِينَ . ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَزِيدُهُمْ مِنَ الْخَيْرِ وَالنِّعْمَةِ ، فَقَالَ : وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : زِيَادَةٌ غَيْرُ الَّذِي كَانَ لَهُمْ . يَتَنَازَعُونَ يَتَعَاطَوْنَ ، وَيَتَنَاوَلُونَ ، فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ قَالَ الزَّجَّاجُ : لَا يَجْرِي بَيْنَهُمْ مَا يُلْغَى ، وَلَا مَا فِيهِ إِثْمٌ ، كَمَا يَجْرِي فِي الدُّنْيَا لِشُرْبِهِ الْخَمْرَ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : لَا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ ، فَيُلْغُوا وَيَرْفُثُوا ، كَمَا يَكُونُ مِنْ خَمْرِ الدُّنْيَا ، وَلَا يَكُونُ مِنْهُمْ مَا يُؤَثِّمُهُمْ . وَالتَّأْثِيمُ تَفْعِيلٌ مِنَ الْإِثْمِ ، يُقَالُ : أَثَّمَهُ ، إِذَا جَعَلَهُ ذَا إِثْمٍ ، وَالْمَعْنَى : أَنَّ تِلْكَ الْكَأْسَ لَا تَجْعَلُهُمْ آثِمِينَ . وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ بِالْخِدْمَةِ ، غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ فِي الْحُسْنِ ، وَالْبَيَاضِ ، لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ مَسْتُورٌ ، مَصُونٌ لَمْ تُسَمِّهِ الْأَيْدِي ، قَالَ قَتَادَةُ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا ، قَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، هَذَا الْخَادِمُ ، فَكَيْفَ الْمَخْدُومُ ؟ فَقَالَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، إِنْ فَضْلَ الْمَخْدُومِ عَلَى الْخَادِمِ ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرٍ الْكَوَاكِبِ " . وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَتَذَكَّرُونَ مَا كَانُوا فِيهِ فِي الدُّنْيَا ، مِنَ التَّعَبِ وَالْخَوْفِ . وَهُوَ قَوْلُهُ : إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا فِي دَارِ الدُّنْيَا ، مُشْفِقِينَ خَائِفِينَ مِنَ الْعَذَابِ . فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِالْمَغْفِرَةِ ، وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ يَعْنِي : عَذَابَ جَهَنَّمَ ، وَالسَّمُومُ : اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ جَهَنَّمَ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ ، وَمُقَاتِلٍ ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ : عَذَابُ النَّارِ . وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ : عَذَابُ السَّمُومِ : عَذَابُ سَمُومِ جَهَنَّمَ ، وَهُوَ مَا يُوجَدُ مِنْ لَفْحِهَا ، وَحَرِّهَا . إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ أَيْ : فِي الدُّنْيَا ، نَدْعُوهُ نُوَحِّدُهُ ، وَنَعْبُدُهُ ، إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ مَنْ فَتَحَ الْهَمْزَةَ كَانَ الْمَعْنَى : نَدْعُوهُ لِأَنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ، أَيْ : فَلِرَحْمَتِهِ نَدْعُوهُ ؛ لِأَنَّهُ يُجِيبُ مَنْ دَعَاهُ ، وَمَنْ كَسَرَ الْهَمْزَةَ قَطَعَ الْكَلَامَ مِمَّا قَبْلَهُ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية