الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ قَالَ الْكَلْبِيُّ : عَلَّمَ الْقُرْآنَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَّمَهُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ : مَعْنَى عَلَّمَ الْقُرْآنَ: يَسَّرَهُ لِأَنْ يُذْكَرَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ يَعْنِي: آدَمَ . عَلَّمَهُ الْبَيَانَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، وَيُقَالُ: الْإِنْسَانُ اسْمٌ لِلْجِنْسِ، وَمَعْنَاهُ: النَّاسُ جَمِيعًا، "عَلَّمَهُ الْبَيَانَ" النُّطْقَ، وَالْكِتَابَةَ، وَالْخَطَّ، وَالْفَهْمَ وَالْإِفْهَامَ، حَتَّى عَرَفَ مَا يَقُولُ، وَمَا يُقَالُ لَهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ ، وَمُرَّةَ ، وَابْنِ زَيْدٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَالسُّدِّيِّ . الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ يَجْرِيَانِ بِحِسَابٍ وَمَنَازِلَ لَا يَعْدُوَانِهِمَا، وَهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى عَدَدِ الشُّهُورِ وَالسِّنِينَ، وَالْأَوْقَاتِ. وَالنَّجْمُ يَعْنِي: نَبْتَ الْأَرْضِ مِمَّا لَيْسَ لَهُ سَاقٌ، وَالشَّجَرُ مَا كَانَ لَهُ سَاقٌ، يَبْقَى فِي الشِّتَاءِ، يَسْجُدَانِ يَعْنِي: سُجُودَ ظِلَالِهِمَا، كَقَوْلِهِ: يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ ، وَكَقَوْلِهِ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ إِلَى قَوْلِهِ: وَالنُّجُومُ. وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا فَوْقَ الْأَرْضِ، وَوَضَعَ الْمِيزَانَ يَعْنِي: آلَةَ الْوَزْنِ، لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى الْإِنْصَافِ وَالِانْتِصَافِ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ ، وَصَاحِبُ النَّظْمِ: الْمُرَادُ بِالْمِيزَانِ: الْعَدْلُ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ أَمَرَ بِالْعَدْلِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ أَيْ: لَا تُجَاوِزُوا الْعَدْلَ. وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ قَالَ عَطَاءٌ : لَا تَخُونُوا مَنْ وَزَنْتُمْ لَهُ، أَقِيمُوا لِسَانَ الْمِيزَانِ بِالْعَدْلِ. وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ تُنْقِصُوا، وَلَا تَبْخَسُوا الْوَزْنَ. وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ بَسَطَهَا عَلَى الْمَاءِ، لِجَمِيعِ الْخَلْقِ الَّذِينَ ثَبَّتَهُمْ فِيهَا. فِيهَا فَاكِهَةٌ يَعْنِي: مَا يُتَفَكَّهُ مِنْ أَلْوَانِ الثِّمَارِ، وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ الْأَوْعِيَةِ وَالْغُلُفِ، وَثَمَرُهَا يَكُونُ فِي غُلُفٍ مَا لَمْ يَنْشَقَّ. وَالْحَبُّ يُرِيدُ: جَمِيعَ الْحُبُوبِ، مِمَّا يُحْرَثُ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَغَيْرِهِمَا، ذُو الْعَصْفِ يَعْنِي: الْوَرَقَ، فَإِذَا يَبِسَ وَدِيسَ صَارَ تِبْنًا، وَقَالَ السُّدِّيُّ ، وَالْفَرَّاءُ : هُوَ بَقْلُ الزَّرْعِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَا يَنْبُتُ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ : يَبْدُو أَوَّلًا وَرَقًا وَهُوَ الْعَصْفُ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ سَاقٌ، ثُمَّ يُحْدِثُ اللَّهُ فِيهِ أَكْمَامًا، ثُمَّ يُحْدِثُ اللَّهُ فِي الْأَكْمَامِ حَبًّا. وَقَوْلُهُ: وَالرَّيْحَانُ يَعْنِي: الرِّزْقَ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ زَيْدٍ : هُوَ رَيْحَانُكُمُ الَّذِي يُشَمُّ. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ : وَالْحَبَّ ذَا الْعَصْفِ حَمَلَهُ عَلَى قَوْلِهِ: وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا الْمَعْنَى: وَخَلَقَ الْحَبَّ، وَالْوَجْهُ الرَّفْعُ نَسْقًا عَلَى قَوْلِهِ: فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ، وَالْحَبُّ أَيْ: وَفِيهَا الْحَبُّ وَالرَّيْحَانُ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِالْخَفْضِ حَمْلًا عَلَى "ذُو" كَأَنَّهُ قِيلَ: وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَذُو الرَّيْحَانِ، وَهُوَ رِزْقُ النَّاسِ، وَالْعَصْفُ رِزْقُ الدَّوَابِّ، فَذَكَرَ قُوتَ النَّاسِ وَالْأَنْعَامِ. ثُمَّ خَاطَبَ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، بِقَوْلِهِ: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فَبِأَيِّ نِعَمِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا مُنْعَمٌ عَلَيْكُمْ بِهَا، وَكُرِّرَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، تَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، وَتَأْكِيدًا فِي التَّذْكِيرِ بِهَا، عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي الْإِبْلَاغِ وَالْإِشْبَاعِ. أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ ، أَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْبَاغَنْدِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْفَيْضِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمٍ ، أَنَّ هِشَامَ بْنَ عَمَّارٍ حَدَّثَهُمْ، نَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، نَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَذْكُورِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ: قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُورَةَ الرَّحْمَنِ حَتَّى خَتَمَهَا، ثُمَّ قَالَ: "مَا لِي أَرَاكُمْ سُكُوتًا لَلْجِنُّ كَانُوا أَحْسَنَ مِنْكُمْ رَدًّا، مَا قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ مَرَّةٍ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ إِلَّا قَالُوا: وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ هِشَامٍ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية