الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى تَوْحِيدِهِ فَقَالَ: خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ الْآيَةَ. خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ يَعْنِي أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ ، فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُخَاصِمٌ، مُبِينٌ ظَاهِرُ الْخُصُومَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَاصَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِنْكَارِ الْبَعْثِ . وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ نُطْفَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ يُخَاصِمُ وَيُنْكِرُ الْبَعْثَ، أَفَلَا يَسْتَدِلُّ بِأَوَّلِهِ عَلَى آخِرِهِ، وَأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى خَلْقِهِ أَوَّلًا، قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ. وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا يَعْنِي الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ، ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ: لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَمَامُ الْكَلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: لَكُمْ ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيَقُولُ: فِيهَا دِفْءٌ. وَهُوَ مَا يُسْتَدْفَأُ بِهِ مِنَ الْأَكْسِيَةِ وَالْأَبْنِيَةِ مِنْ أَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَصْوَافِهَا، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : الدِّفْءُ السُّخُونَةُ. وَقَالَ الْفَرَّاءُ : يُقَالُ: دَفِيتُ يَدْفَأُ دَفَاءً وَدَفَأً. قَوْلُهُ: وَمَنَافِعُ يَعْنِي النَّسْلَ وَالدَّرَّ وَالرُّكُوبَ، وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ يُرِيدُ مِنْ لُحُومِهَا. وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ زِينَةٌ، حِينَ تُرِيحُونَ تَرُدُّونَهَا إِلَى مَرَاحِهَا، وَهُوَ حَيْثُ تَأْوِي إِلَيْهِ لَيْلًا، وَحِينَ تَسْرَحُونَ تُرْسِلُونَهَا بِالْغَدَاةِ إِلَى مَرَاعِيهَا، يُقَالُ: سَرَّحَ الْقَوْمُ إِبِلَهُمْ سَرْحًا. قَالَ قَتَادَةُ : وَأَحْسَنُ مَا تَكُونُ إِذَا رَاحَتْ عِظَامًا ضُرُوعُهَا، طِوَالًا أَسْنِمَتُهَا. وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ جَمْعُ ثِقْلٍ، وَهُوَ مَتَاعُ الْمُسَافِرِ، إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْيَمَنِ ، وَإِلَى الشَّامِ وَإِلَى مِصْرَ . هَذَا قَوْلُهُ، وَالْمُرَادُ كُلُّ بَلَدٍ لَوْ تَكَلَّفْتُمْ بُلُوغَهُ عَلَى غَيْرِ الْإِبِلِ شَقَّ عَلَيْكُمْ، وَخَصَّ ابْنُ عَبَّاسٍ الْيَمَنَ وَالشَّامَ ; لِأَنَّ مَتَاجِرَ أَهْلِ مَكَّةَ كَانَتْ إِلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَالشِّقُّ الْمَشَقَّةُ، مَعْنَاهُ: إِلَّا بِجَهْدِ الْأَنْفُسِ، إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ بِكُمْ إِذْ مَنَّ عَلَيْكُمْ بِالنِّعَمِ الَّتِي فِيهَا هَذِهِ الْمَرَافِقُ. قَوْلُهُ: وَالْخَيْلَ أَيْ وَخَلَقَ الْخَيْلَ، وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً قَالَ الزَّجَّاجُ : نَصْبَهَا عَلَى أَنَّهَا مَفْعُولٌ لَهَا. وَالْمَعْنَى: وَخَلَقَهَا لِلزِّينَةِ، وَالْآيَةُ لَا تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَإِنْ ذَكَرَتْهُ مَعَ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ; لِأَنَّ الْقَصْدَ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِظْهَارُ الْمِنَّةِ، بِأَنْ خَلَقَ لَنَا مِنَ الْحَيَوَانِ مَا نَرْكَبُهُ وَنَتَجَمَّلُ بِهِ، وَلُحُومُ الْخَيْلِ حَلَالٌ بِالسُّنَّةِ: . أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الْحَافِظُ ، أَنَا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ ، نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ ، نَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَتْ: أَكَلْنَا لَحْمَ الْفَرَسِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ جَرِيرٍ ، عَنْ هِشَامٍ . أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ ، أَنَا أَبُو الْهَيْثَمِ الْمَرْوَزِيُّ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، نَا مُسَدَّدٌ ، نَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ جَابِرٍ ، قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَوْمَ خَيْبَرَ ، عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ، وَرَخَّصَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ " وَقَوْلُهُ: وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ نَهْرًا مِنْ نُورٍ مِثْلَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَالْبِحَارِ السَّبْعِ، يَدْخُلُ جِبْرِيلُ فِي كُلِّ بَحْرٍ، فَيَغْتَسِلُ، فَيَزْدَادُ نُورًا إِلَى نُورِهِ، وَجَمَالًا إِلَى جَمَالِهِ، ثُمَّ يَنْتَفِضُ فَيَخْلُقُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ كُلِّ نُقْطَةٍ تَقَعُ مِنْ رِيشِهِ كَذَا وَكَذَا أَلْفَ مَلَكٍ، يَدْخُلُ مِنْهُمْ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ، وَفِي الْكَعْبَةِ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ. وَقَالَ آخَرُونَ: يَعْنِي مَا أُعِدَّ فِي الْجَنَّةِ لِأَهْلِهَا، وَمَا أُعِدَّ فِي النَّارِ لِأَهْلِهَا.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية