الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ قَوْلُهُ: إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ قَالَ الزَّجَّاجُ: مَوْضِعُ إِذْ نَصْبٌ، وَالْمَعْنَى: اذْكُرْ إِذْ قَالَ مُوسَى. أَيِ: اذْكُرْ قِصَّتَهُ إِذْ قَالَ لِأَهْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: إِنِّي آنَسْتُ نَارًا أَبْصَرْتُهَا، سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ عَنِ الطَّرِيقِ، وَكَانَ قَدْ تَحَيَّرَ وَتَرَكَ الطَّرِيقَ، فَإِنْ لَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُخْبِرُنِي عَنِ الطَّرِيقِ آتِيكُمْ بِشُعْلَةِ نَارٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ: أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ وَالشِّهَابُ أَصْلُ خَشَبَةٍ فِيهَا نَارٌ سَاطِعٌ، وَتَفْسِيرُ الْقَبَسِ قَدْ سَبَقَ، وَقُرِئَ بِشِهَابِ قَبَسٍ -بِالتَّنْوِينِ وَالْإِضَافَةِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: مَنْ نَوَّنَ جَعَلَ قَبَسٍ مِنْ صِفَةِ الشِّهَابِ. وَمَنْ أَضَافَ، فَقَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ مِمَّا يُضَافُ إِلَى نَفْسِهِ إِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَسْمَاءُ، كَقَوْلِهِ: وَالدَّارُ الْآخِرَةُ. وَقَوْلُهُ: لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ لِكَيْ تَصْطَلُوا مِنَ الْبَرْدِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي شِدَّةِ الشِّتَاءِ، يُقَالُ: صَلِيَ بِالنَّارِ وَاصْطَلَى بِهَا إِذَا اسْتَدْفَأَ. فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ أَيْ: بُورِكَ عَلَى مَنْ فِي النَّارِ، أَوْ فِيمَنْ فِي النَّارِ، قَالَ الْفَرَّاءُ: الْعَرَبُ تَقُولُ: بَارَكَهُ اللَّهُ، وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَبَارَكَ فِيهِ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالتَّقْدِيرُ مَنْ فِي طَلَبِ النَّارِ، وَهُوَ مُوسَى، فَحُذِفَ الْمُضَافُ، وَهَذَا تَحِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِمُوسَى بِالْبِرْكَةِ، كَمَا حَيَّا إِبْرَاهِيمَ بِالْبِرْكَةِ عَلَى أَلْسِنَةِ الْمَلَائِكَةِ حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَمَذْهَبُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّارِ هُوَ النُّورُ، وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى رَأَى نُورًا عَظِيمًا فَظَنَّهُ نَارًا، لِذَلِكَ ذُكِرَ بِلَفْظِ النَّارِ، وَمَنْ فِي النَّارِ هُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ النُّورَ الَّذِي رَأَى مُوسَى كَانَ فِيهِ مَلَائِكَةٌ لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ. وَمَنْ حَوْلَهَا هُوَ مُوسَى؛ لِأَنَّهُ كَانَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى نَادَى مُوسَى لَمَّا تَوَجَّهَ إِلَى النَّارِ بِأَنَّهُ قَدْ بَارَكَ فِيهِ وَفِي الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ كَانُوا فِي ذَلِكَ النُّورِ الَّذِي رَآهُ. ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ، فَقَالَ: وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّهُ مُوسَى عَنْ نَفْسِهِ، وَتَعَرَّفَ إِلَيْهِ بِصِفَاتِهِ وَذَاتِهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَالْكِنَايَةُ فِي إِنَّهُ لِلشَّأْنِ وَالْأَمْرِ، أَيْ: إِنَّ الشَّأْنَ وَالْأَمْرَ أَنَّ الْمَعْبُودَ أَنَا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هَذِهِ الْهَاءُ عِمَادٌ، وَهُوَ اسْمٌ لَا يَظْهَرُ. ثُمَّ أَرَاهُ عَلَى قُدْرَتِهِ لِيُشَاهِدَ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ مَا لَمْ يُشَاهِدْهُ قَبْلُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ وَفِي الْآيَةِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ فَأَلْقَاهَا فَصَارَتْ حَيَّةً، فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ قَالَ الزَّجَّاجُ: صَارَتِ الْعَصَا تَتَحَرَّكُ كَمَا يَتَحَرَّكُ الْجَانُّ، وَهُوَ الْحَيَّةُ الْأَبْيَضُ، وَإِنَّمَا شَبَّهَهَا بِالْجَانِّ فِي خِفَّةِ حَرَكَتِهَا، وَشَبَّهَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بِالثُّعْبَانِ لِعِظَمِهَا، وَقَوْلُهُ: وَلَّى مُدْبِرًا أَيْ: مِنَ الْخَوْفِ مِنَ الْحَيَّةِ، وَلَمْ يُعَقِّبْ يَرْجِعْ، يُقَالُ: عَقَّبَ فُلَانٌ إِذَا رَجَعَ، وَكُلُّ رَاجِعٍ مُعَقِّبٌ. وَأَهْلُ التَّفْسِيرِ يَقُولُونَ: لَمْ يَقِفْ وَلَمْ يَلْتَفِتْ. فَقَالَ اللَّهُ: يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا يَخَافُ عِنْدِي مَنْ أَرْسَلْتُهُ بِرِسَالَتِي، وَالْمَعْنَى: لَا يُخِيفُ اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ، أَيْ: إِذَا أَمَّنَهُمْ لَا يَخَافُونَهُ، فَكَيْفَ تَخَافُ الْحَيَّةَ، نُهِيَ عَنِ الْخَوْفِ مِنَ الْحَيَّةِ، وَنُبِّهَ عَلَى أَمْنِ الْمُرْسَلِينَ عِنْدَ اللَّهِ، لِيَعْلَمَ أَنَّ مَنْ آمَنَهُ اللَّهُ مِنْ عَذَابِهِ بِالنُّبُوَّةِ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يَخَافَ الْحَيَّةَ. ثُمَّ قَالَ: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ يَعْنِي أَذْنَبَ وَظَلَمَ نَفْسَهُ بِالْمَعْصِيَةِ، ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا أَيْ: تَوْبَةً وَنَدَمًا، بَعْدَ سُوءِ عَمَلِهِ، وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مُوسَى، وَإِنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِقَتْلِ الْقِبْطِيِّ وَخَافَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ لِأَنَّهُ نَدِمَ عَلَى ذَنْبٍ وَتَابَ عَنْهُ حِينَ قَالَ: رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ وَهَذَا مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ، وَالْمَعْنَى: لَكِنَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ تَابَ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْأَنْبِيَاءُ وَالتَّائِبُونَ، وَقَوْمٌ يَقُولُونَ: إِلَّا هَاهُنَا بِمَعْنَى وَلَا كَأَنَّهُ، قَالَ: وَلَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، وَلَا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ. ثُمَّ أَرَاهُ آيَةً أُخْرَى، فَقَالَ: وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ الْجَيْبُ: حَيْثُ جَيْبٌ مِنَ الْقَمِيصِ، أَيْ قَطْعٌ مِنَ الْجَيْبِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتْ عَلَيْهِ جُبَّةٌ زَرْبَقَانِيَّةٌ مِنْ صُوفٍ، كُمَّاهَا إِلَى مَرْفِقَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا أَزْرَارٌ، وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَيْبِهَا فَأَخْرَجَهَا وَإِذَا هِيَ تَبْرُقُ مِثْلَ الْبَرْقِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ مِنْ غَيْرِ بَرَصٍ. فِي تِسْعِ آيَاتٍ وَقَدْ فَسَّرْنَاهَا فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ أَيْ: مَبْعُوثًا إِلَيْهِمْ أَوْ مُرْسَلًا، إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ خَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ. فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً بَيِّنَةً وَاضِحَةً، كَقَوْلِهِ: وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً وَقَدْ مَرَّ. قَالُوا هَذَا أَيْ: هَذَا الَّذِي نَرَاهُ عِيَانًا، سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِهَا أَنْكَرُوهَا وَلَمْ يُقِرُّوا بِأَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ بِسِحْرٍ، ظُلْمًا وَعُلُوًّا قَالَ الزَّجَّاجُ: التَّقْدِيرُ وَجَحَدُوا بِهَا ظُلْمًا وَعُلُوًّا. أَيْ شِرْكًا وَتَكَبُّرًا عَنْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدُ، كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ بِالْمَعَاصِي.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية