الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      تَفْسِيرُ سُورَةِ ص وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ قَوْلُهُ : ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ الْبَيَانُ ، أَقْسَمَ بِالْقُرْآنِ [ ذِي الذِّكْرِ ذِي الشَّرَفِ ، مِثْلَ قَوْلِهِ : لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ وَيُقَالُ : فِيهِ ذِكْرُ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ] بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ يَعْنِي : فِي حَمِيَّةٍ وَفِرَاقٍ لِلنَّبِيِّ; هَذَا تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ . قَالَ مُحَمَّدٌ : ذَكَرَ قُطْرُبٌ أَنَّ الْحَسَنَ كَانَ يَقْرَأُ (صَادٍ ) بِالْخَفْضِ مِنَ الْمُصَادَاةِ وَهِيَ الْمُعَارَضَةُ; الْمَعْنَى : صَادِ الْقُرْآنَ بِعَمَلِكَ; أَيْ : عَارِضْهُ بِهِ ، قَالَ : وَتَقُولُ الْعَرَبُ : صَادَيْتُكَ بِمَعْنَى عَارَضْتُكَ ، وَتَصَدَّيْتُ لَكَ; أَيْ : تَعَرَّضْتُ . [ (شِقَاقٍ) يُرِيدُ عَدَاوَةً وَمُبَاعَدَةً] . كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَبْلِ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ فَنَادَوْا بِالتَّوْبَةِ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ أَيْ : لَيْسَ حِينَ فِرَارٍ ، وَلَا حِينَ تُقْبَلُ التَّوْبَةُ فِيهِ ، [ وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ يُرِيدُ لَا حِينَ مَهْرَبٍ ، وَالنَّوْصُ : التَّأَخُّرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَالْبَوْصُ : التَّقَدُّمُ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : (أَمِنْ ذِكْرِ لَيْلَى إِذْ نَأَتْكَ تَنُوصُ وَتَقْصُرُ عَنْهَا خَطْوَةً وَتَبُوصُ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَيْسَ حِينَ نَزْوٍ وَلَا فِرَارٍ] . وَعَجِبُوا رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ : كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ أَخْبَرَ كَيْفَ أَهْلَكَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يَعْنِي : مُحَمَّدًا ، يُنْذِرُ مِنَ النَّارِ وَمِنْ عَذَابِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ يَعْنُونَ : مُحَمَّدًا أَجَعَلَ الْآلِهَةَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ مِنْهُمْ إِلَهًا وَاحِدًا أَيْ : قَدْ فَعَلَ حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ عَجَبٌ [عُجَابٌ وَعَجِيبٌ وَاحِدٌ ، مِثْلَ طِوَالٍ وَطَوِيلٍ ، وَعِرَاضٍ وَعَرِيضٍ ، وَكِبَارٍ وَكَبِيرٍ] . وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ الْآيَةَ وَذَلِكَ أَنَّ رَهْطًا مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ مَشَوْا إِلَى أَبِي طَالِبٍ; فَقَالُوا : أَنْتَ شَيْخُنَا وَكَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا ، وَقَدْ رَأَيْتَ مَا فَعَلَتْ هَذِهِ السِّفْهَةُ - يَعْنُونَ : الْمُؤْمِنِينَ - وَقَدْ أَتَيْنَاكَ لِتَقْضِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ أَخِيكَ! فَأَرْسَلَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : هَؤُلَاءِ قَوْمُكَ يَسْأَلُونَكَ السَّوَاءَ; فَلَا تَمِلْ كُلَّ الْمَيْلِ عَلَى قَوْمِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَاذَا تَسْأَلُونَنِي ؟ فَقَالُوا لَهُ : ارْفُضْنَا مِنْ ذِكْرِكَ وَارْفُضْ آلِهَتَنَا ، وَنَدَعَكَ وَإِلَهَكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَمُعْطِيَّ أَنْتُمْ كَلِمَةً وَاحِدَةً تَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ ؟ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : لِلَّهِ أَبُوكَ نَعَمْ ، وَعَشْرًا مَعَهَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : قُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ . فَنَفَرُوا مِنْهَا وَقَامُوا وَقَالُوا : أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ . وَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَقُولُونَ : [مَنْ عَلِمَ أَنَّ نَبِيًّا يَخْرُجُ فِي زَمَانِنَا هَذَا] أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ تَفْسِيرُ الْحَسَنِ يَقُولُوا : مَا كَانَ عِنْدَنَا [مِنْ هَذَا مِنْ عِلْمٍ أَنْ] يَخْرُجَ فِي زَمَانِنَا هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ أَيْ : كَذِبٌ اخْتَلَقَهُ مُحَمَّدٌ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ يَعْنُونَ : الْقُرْآنَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ مِنْ بَيْنِنَا أَيْ : لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ ، قَالَ اللَّهُ : بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي مِنَ الْقُرْآنِ بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ أَيْ : لَمْ يَأْتِهِمْ عَذَابِي بَعْدُ ، وَقَدْ أَخَّرَ عَذَابَ كُفَّارِ آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى النَّفْخَةِ الْأُولَى ، وَقَدْ أَهْلَكَ أَوَائِلَهُمْ بِالسَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية