الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
[ خَبَرُ إِشْبِيلِيَّةَ ] وَأَمَّا إِشْبِيلِيَّةُ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبَّادٍ اللَّخْمِيُّ ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ ذَلِكَ فِي دَوْلَةِ يَحْيَى بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَمُّودٍ قَبْلَ هَذَا . وَفِي هَذَا الْوَقْتِ ظَهَرَ أَمْرُ الْمُؤَيَّدِ هِشَامِ بْنِ الْحَاكِمِ ، وَكَانَ قَدِ اخْتَفَى وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ ، وَكَانَ ظُهُورُهُ بِمَالِقَةَ ، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى الْمَرِيَّةِ ، فَخَافَهُ صَاحِبُهَا زُهَيْرٌ الْعَامِرِيُّ فَأَخْرَجَهُ مِنْهَا فَقَصَدَ قَلْعَةَ رَبَاحٍ ، فَأَطَاعَهُ أَهْلُهَا ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ صَاحِبُهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ ذِي النُّونِ وَحَارَبَهُمْ ، فَضَعُفُوا عَنْ مُقَاوَمَتِهِ ، فَأَخْرَجُوهُ ، فَاسْتَدْعَاهُ الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ ( بْنُ إِسْمَاعِيلَ ) بْنِ عَبَّادٍ إِلَيْهِ بِإِشْبِيلِيَّةَ ، وَأَذَاعَ أَمْرَهُ ، وَقَامَ بِنَصْرِهِ ، وَكَانَ رُؤَسَاءُ الْأَنْدَلُسِ فِي طَاعَتِهِ ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ صَاحِبُ بَلَنْسِيَةَ وَنَوَاحِيهَا ، وَصَاحِبُ قُرْطُبَةَ ، وَصَاحِبُ دَانِيَةَ وَالْجَزَائِرِ ، وَصَاحِبُ طُرْطُوشَةَ ، وَأَقَرُّوا بِخِلَافَتِهِ وَخَطَبُوا لَهُ ، وَجُدِّدَتْ بَيْعَتُهُ بِقُرْطُبَةَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ . ثُمَّ إِنَّ ابْنَ عَبَّادٍ سَيَّرَ جَيْشًا إِلَى زُهَيْرٍ الْعَامِرِيِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْطُبْ لِلْمُؤَيَّدِ ، فَاسْتَنْجَدَ زُهَيْرٌ حَبُّوسَ بْنَ مَاكِسَنَ الصِّنْهَاجِيَّ صَاحِبَ غَرْنَاطَةَ ، فَسَارَ إِلَيْهِ بِجَيْشِهِ ، فَعَادَتْ عَسَاكِرُ ابْنِ عَبَّادٍ ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ قِتَالٌ ، وَأَقَامَ زُهَيْرٌ فِي بَيَّاسَةَ ، وَعَادَ حَبُّوسٌ إِلَى مَالِقَةَ ، فَمَاتَ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ بَادِيسُ ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَزُهَيْرٌ لِيَتَّفِقَا كَمَا كَانَ زُهَيْرٌ وَحَبُّوسٌ ، فَلَمْ تَسْتَقِرَّ بَيْنَهُمَا قَاعِدَةٌ ، وَاقْتَتَلَا ، فَقُتِلَ زُهَيْرٌ وَجَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَوَاخِرَ سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ [ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ] . ثُمَّ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ [ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ] الْتَقَى عَسْكَرُ ابْنِ عَبَّادٍ وَعَلَيْهِمُ ابْنُهُ إِسْمَاعِيلُ مَعَ بَادِيسَ بْنِ حَبُّوسٍ وَعَسْكَرِ إِدْرِيسَ الْعَلَوِيِّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عِنْدَ أَخْبَارِ الْعَلَوِيِّينَ فِيمَا تَقَدَّمَ ، إِلَّا أَنَّهُمُ اقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ، فَقُتِلَ إِسْمَاعِيلُ ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَهُ أَبُوهُ الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو عَمْرٍو عَبَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، وَلُقِّبَ بِالْمُعْتَضِدِ بِاللَّهِ فَضَبَطَ مَا وَلِيَ ، وَأَظْهَرَ مَوْتَ الْمُؤَيَّدِ . هَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي الْفَيَّاضِ فِي الْمُؤَيَّدِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ إِنَّ الْمُؤَيَّدَ لَمْ يَظْهَرْ خَبَرُهُ مُنْذُ عُدِمَ مِنْ قُرْطُبَةَ عَنْ دُخُولِ عَلِيِّ بْنِ حَمُّودٍ إِلَيْهَا ، وَقَتَلَهُ سُلَيْمَانُ ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا مِنْ تَمْوِيهَاتِ ابْنِ عَبَّادٍ وَحِيَلِهِ وَمَكْرِهِ ، وَأَعْجَبُ مِنِ اخْتِفَاءِ حَالِ الْمُؤَيَّدِ ، ثُمَّ تَصْدِيقِ النَّاسِ ابْنَ عَبَّادٍ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ حَيَاتِهِ ، أَنَّ إِنْسَانًا حَضَرِيًّا ظَهَرَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُؤَيَّدِ بِعِشْرِينَ سَنَةً وَادَّعَى أَنَّهُ ( الْمُؤَيَّدُ ، فَبُويِعَ ) بِالْخِلَافَةِ ، وَخُطِبَ لَهُ عَلَى مَنَابِرِ جَمِيعِ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ ، وَسُفِكَتِ الدِّمَاءُ بِسَبَبِهِ ، وَاجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ فِي أَمْرِهِ . وَلَمَّا أَظْهَرَ ابْنُ عَبَّادٍ مَوْتَ هِشَامٍ الْمُؤَيَّدِ ، وَاسْتَقَلَّ بِأَمْرِ إِشْبِيلِيَّةَ وَمَا انْضَافَ إِلَيْهَا ، بَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ ( مِنْ ذُبَحَةٍ لَحِقَتْهُ ) لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ ابْنِ الْقَاضِي أَبِي الْقَاسِمِ ، وَلُقِّبَ بِالْمُعْتَمِدِ عَلَى اللَّهِ ، فَاتَّسَعَ مُلْكُهُ ، وَشَمَخَ سُلْطَانُهُ ، وَمَلَكَ كَثِيرًا مِنَ الْأَنْدَلُسِ ، وَمَلَكَ قُرْطُبَةَ أَيْضًا ، وَوَلَّى عَلَيْهَا ابْنَهُ الظَّافِرَ بِاللَّهِ ، فَبَلَغَ خَبَرُ مُلْكِهِ لَهَا إِلَى يَحْيَى بْنِ ذِي النُّونِ ، صَاحِبِ طُلَيْطِلَةَ ، فَحَسَدَهُ عَلَيْهَا ، فَضَمِنَ لَهُ جَرِيرُ بْنُ عُكَّاشٍ أَنْ يَجْعَلَ مُلْكَهَا لَهُ ، وَسَارَ إِلَى قُرْطُبَةَ ، وَأَقَامَ بِهَا يَسْعَى فِي ذَلِكَ وَهُوَ يَنْتَهِزُ الْفُرْصَةَ . فَاتَّفَقَ أَنَّ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي جَاءَ مَطَرٌ عَظِيمٌ وَمَعَهُ رِيحٌ شَدِيدٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ، فَثَارَ جَرِيرٌ فِيمَنْ مَعَهُ ، وَوَصَلَ إِلَى قَصْرِ الْإِمَارَةِ ، فَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُمَانِعُهُ ، فَدَخَلَ صَاحِبُ الْبَابِ إِلَى الظَّافِرِ وَأَعْلَمَهُ ، فَخَرَجَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْعَبِيدِ وَالْحَرَسِ ، وَكَانَ صَغِيرَ السِّنِّ ، وَحَمَلَ عَلَيْهِمْ ، وَدَفَعَهُمْ عَنِ الْبَابِ ، ثُمَّ إِنَّهُ عَثَرَ فِي بَعْضِ كَرَّاتِهِ فَسَقَطَ ، فَوَثَبَ بَعْضُ مَنْ يُقَاتِلُهُ وَقَتَلَهُ ، وَلَمْ يَبْلُغِ الْخَبَرُ إِلَى الْأَجْنَادِ وَأَهْلِ الْبَلَدِ إِلَّا وَالْقَصْرُ قَدْ مُلِكَ ، وَتَلَاحَقَ بِجَرِيرٍ أَصْحَابُهُ وَأَشْيَاعُهُ ، وَتُرِكَ الظَّافِرُ مُلْقًى عَلَى الْأَرْضِ عُرْيَانًا ، فَمَرَّ عَلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ قُرْطُبَةَ ، فَأَبْصَرَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ ، فَنَزَعَ رِدَاءَهُ وَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ ، وَكَانَ أَبُوهُ إِذَا ذَكَرَهُ يَتَمَثَّلُ : وَلَمْ أَدْرِ مَنْ أَلْقَى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ سُلَّ عَنْ مَاجِدٍ مَحْضِ وَلَمْ يَزَلِ الْمُعْتَمِدُ يَسْعَى فِي أَخْذِهَا ، حَتَّى عَادَ مَلَكَهَا ، وَتَرَكَ وَلَدَهُ الْمَأْمُونَ فِيهَا ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى أَخَذَهَا جَيْشُ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ يُوسُفَ بْنِ تَاشِفِينَ ، وَقُتِلَ فِيهَا بَعْدَ حُرُوبٍ كَثِيرَةٍ يَأْتِي ذِكْرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ [ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ] . وَأُخِذَتْ إِشْبِيلِيَّةُ مِنْ أَبِيهِ الْمُعْتَمِدِ فِي السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَبَقِيَ مَحْبُوسًا فِي أَغْمَاتَ إِلَى أَنْ مَاتَ بِهَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَكَانَ هُوَ وَأَوْلَادُهُ جَمِيعُهُمُ الرَّشِيدُ ، وَالْمَأْمُونُ . وَالرَّاضِي ، وَالْمُعْتَمِدُ ، وَأَبُوهُ ، وَجَدُّهُ عُلَمَاءَ فُضَلَاءَ شُعَرَاءَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية