الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
63 ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ذِكْرُ وَقْعَةِ الْحَرَّةِ كَانَ أَوَّلُ وَقْعَةِ الْحَرَّةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ خَلْعِ يَزِيدَ ، فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةُ أَخْرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَامِلَ يَزِيدَ وَحَصَرُوا بَنِي أُمَيَّةَ ( بَعْدَ بَيْعَتِهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ ، فَاجْتَمَعَ بَنُو أُمَيَّةَ ) وَمَوَالِيهِمْ وَمَنْ يَرَى رَأْيَهُمْ فِي أَلْفِ رَجُلٍ حَتَّى نَزَلُوا دَارَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، فَكَتَبُوا إِلَى يَزِيدَ يَسْتَغِيثُونَ بِهِ ، فَقَدِمَ الرَّسُولُ إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ وَقَدْ وَضَعَ قَدَمَيْهِ فِي طَشْتٍ فِيهِ مَاءٌ لِنَقْرَسٍ كَانَ بِهِمَا ، فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ تَمَثَّلَ : لَقَدْ بَدَّلُوا الْحِلْمَ الَّذِي فِي سَجِيَّتِي فَبَدَّلْتُ قَوْمِي غِلْظَةً بِلِيَانِ ثُمَّ قَالَ : أَمَا يَكُونُ بَنُو أُمَيَّةَ أَلْفَ رَجُلٍ ؟ فَقَالَ الرَّسُولُ : بَلَى وَاللَّهِ وَأَكْثَرُ . قَالَ : فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يُقَاتِلُوا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ ! فَبَعَثَ إِلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْهِمْ فِي النَّاسِ ، فَقَالَ : قَدْ كُنْتُ ضَبَطْتُ لَكَ الْأُمُورَ وَالْبِلَادَ ، فَأَمَّا الْآنَ إِذْ صَارَتْ دِمَاءُ قُرَيْشٍ تُهْرَقُ بِالصَّعِيدِ فَلَا أُحِبُّ أَنْ أَتَوَلَّى ذَلِكَ . وَبَعَثَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ يَأْمُرُهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمُحَاصَرَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا جَمَعْتَهُمَا لِلْفَاسِقِ ، قَتْلَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ وَغَزْوَ الْكَعْبَةِ . ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَعْتَذِرُ . فَبَعَثَ إِلَى مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ الْمُرِّيِّ ، وَهُوَ الَّذِي سُمِّيَ مُسْرِفًا ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَرِيضٌ ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ ، فَقَالَ : أَمَا يَكُونُ بَنُو أُمَيَّةَ أَلْفَ رَجُلٍ ؟ فَقَالَ الرَّسُولُ : بَلَى . قَالَ : فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يُقَاتِلُوا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ ! لَيْسَ هَؤُلَاءِ بِأَهْلٍ أَنْ يُنْصَرُوا فَإِنَّهُمُ الْأَذِلَّاءُ ، دَعْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يُجْهِدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جِهَادِ عَدُوِّهِمْ وَيَتَبَيَّنَ لَكَ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى طَاعَتِكَ وَمَنْ يَسْتَسْلِمُ . قَالَ : وَيْحَكَ ! إِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ ، فَاخْرُجْ بِالنَّاسِ . وَقِيلَ : إِنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِيَزِيدَ : إِنَّ لَكَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَوْمًا ، فَإِنْ فَعَلُوا فَارْمِهِمْ بِمُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ قَدْ عَرَفْتُ نَصِيحَتَهُ . فَلَمَّا خَلَعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَمَرَ مُسْلِمًا بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ ، فَنَادَى فِي النَّاسِ بِالتَّجَهُّزِ إِلَى الْحِجَازِ وَأَنْ يَأْخُذُوا عَطَاءَهُمْ وَمَعُونَةً مِائَةَ دِينَارٍ ، فَانْتُدِبَ لِذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا ، وَخَرَجَ يَزِيدُ يَعْرِضُهُمْ وَهُوَ مُتَقَلِّدٌ سَيْفًا مُتَنَكِّبٌ قَوْسًا عَرَبِيَّةً ، وَهُوَ يَقُولُ : أَبْلِغْ أَبَا بَكْرٍ إِذَا اللَّيْلُ سَرَى وَهَبَطَ الْقَوْمُ عَلَى وَادِي الْقُرَى أَجَمْعَ سَكْرَانَ مِنَ الْقَوْمِ تَرَى أَمْ جَمْعَ يَقْظَانَ نَفَى عَنْهُ الْكَرَى يَا عَجَبًا مِنْ مُلْحِدٍ يَا عَجَبَا مُخَادِعٍ بِالدِّينِ يَعْفُو بِالْعَرَى وَسَارَ الْجَيْشُ وَعَلَيْهِمْ مُسْلِمٌ ، فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ : إِنْ حَدَثَ بِكَ حَدَثٌ فَاسْتَخْلِفِ الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ السَّكُونِيَّ ، وَقَالَ لَهُ : ادْعُ الْقَوْمَ ثَلَاثًا ، فَإِنْ أَجَابُوكَ وَإِلَّا فَقَاتِلْهُمْ ، فَإِذَا ظَهَرْتَ عَلَيْهِمْ فَانْهَبْهَا ثَلَاثًا ، فَكُلُّ مَا فِيهَا مِنْ مَالٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ طَعَامٍ فَهُوَ لِلْجُنْدِ ، فَإِذَا مَضَتِ الثَّلَاثُ فَاكْفُفْ عَنِ النَّاسِ ، وَانْظُرْ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ فَاكْفُفْ عَنْهُ وَاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ مَعَ النَّاسِ ، وَإِنَّهُ قَدْ أَتَانِي كِتَابُهُ . وَقَدْ كَانَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ كَلَّمَ ابْنَ عُمَرَ لَمَّا أَخْرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَامِلَ يَزِيدَ وَبَنِي أُمَيَّةَ فِي أَنْ يُغَيِّبَ أَهْلَهُ عِنْدَهُ ، فَلَمْ يَفْعَلْ ، فَكَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ ، فَقَالَ : إِنَّ لِي حُرَمًا وَحُرَمِي تَكُونُ مَعَ حُرَمِكَ . فَقَالَ : أَفْعَلُ ، فَبَعَثَ بِامْرَأَتِهِ ، وَهِيَ عَائِشَةُ ابْنَةُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ، وَحُرَمُهُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ بِحُرَمِهِ وَحُرَمِ مَرْوَانَ إِلَى يَنْبُعَ ، وَقِيلَ : بَلْ أَرْسَلَ حُرَمَ مَرْوَانَ وَأَرْسَلَ مَعَهُمُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيٍّ إِلَى الطَّائِفِ . وَلَمَّا سَمِعَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ أَنَّ يَزِيدَ قَدْ سَيَّرَ الْجُنُودَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ : لَيْتَ السَّمَاءَ وَقَعَتْ عَلَى الْأَرْضِ ، إِعْظَامًا لِذَلِكَ . ثُمَّ إِنَّهُ ابْتُلِيَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَنْ وَجَّهَ الْحَجَّاجَ فَحَصَرَ مَكَّةَ وَرَمَى الْكَعْبَةَ بِالْمَنْجَنِيقِ وَقَتَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ . وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَإِنَّهُ أَقْبَلَ بِالْجَيْشِ فَبَلَغَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ خَبَرَهُمْ ، فَاشْتَدَّ حِصَارُهُمْ لِبَنِي أُمَيَّةَ بِدَارِ مَرْوَانَ ، وَقَالُوا : وَاللَّهِ لَا نَكُفُّ عَنْكُمْ حَتَّى نَسْتَنْزِلَكُمْ وَنَضْرِبَ أَعْنَاقَكُمْ أَوْ تُعْطُونَا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ أَنْ لَا تَبْغُونَا غَائِلَةً ، وَلَا تَدُلُّوا لَنَا عَلَى عَوْرَةٍ ، وَلَا تُظَاهِرُوا عَلَيْنَا عَدُوًّا ، فَنَكُفَّ عَنْكُمْ وَنُخْرِجَكُمْ عَنَّا فَعَاهَدُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَأَخْرَجُوهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ . وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَدْ جَعَلُوا فِي كُلِّ مَنْهَلٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الشَّامِ زِقًّا مِنْ قَطْرَانٍ وَعُوَّرٍ ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْتَقُوا بِدَلْوٍ حَتَّى وَرَدُوا الْمَدِينَةَ . فَلَمَّا أَخْرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بَنِي أُمَيَّةَ سَارُوا بِأَثْقَالِهِمْ حَتَّى لَقُوا مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ بِوَادِي الْقُرَى فَدَعَا بِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَوَّلِ النَّاسِ فَقَالَ لَهُ : خَبِّرْنِي مَا وَرَاءَكَ وَأَشِرْ عَلَيَّ ، فَقَالَ : لَا أَسْتَطِيعُ ، قَدْ أُخِذَ عَلَيْنَا الْعُهُودُ وَالْمَوَاثِيقُ أَنْ لَا نَدُلَّ عَلَى عَوْرَةٍ وَلَا نُظَاهِرَ عَدُوَّنَا . فَانْتَهَرَهُ وَقَالَ : وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّكَ ابْنَ عُثْمَانَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ ، وَايْمُ اللَّهِ ( لَا أُقِيلُهَا قُرَشِيًّا ) بَعْدَكَ ! فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ ، فَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ لِابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ : ادْخُلْ قَبْلِي لَعَلَّهُ يَجْتَزِئُ بِكَ عَنِّي . فَدَخَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ فَقَالَ : هَاتِ مَا عِنْدَكَ . فَقَالَ : نَعَمْ ، أَرَى أَنْ تَسِيرَ بِمَنْ مَعَكَ ، فَإِذَا انْتَهَيْتَ إِلَى ذِي نَخْلَةٍ نَزَلْتَ ، فَاسْتَظَلَّ النَّاسُ فِي ظِلِّهِ فَأَكَلُوا مِنْ صَقْرِهِ ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ مِنَ الْغَدِ مَضَيْتَ وَتَرَكْتَ الْمَدِينَةَ ذَاتَ الْيَسَارِ ثُمَّ دُرْتَ بِهَا حَتَّى تَأْتِيَهُمْ مِنْ قِبَلِ الْحَرَّةِ مُشَرِّقًا ثُمَّ تَسْتَقْبِلُ الْقَوْمَ ، فَإِذَا اسْتَقْبَلْتَهُمْ وَقَدْ أَشْرَقَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ طَلَعْتَ بَيْنَ أَكْتَافِ أَصْحَابِكَ فَلَا تُؤْذِيهِمْ وَيُصِيبُهُمْ أَذَاهَا وَيَرَوْنَ مِنِ ائْتِلَافِ بَيْضِكُمْ وَأَسِنَّةِ رِمَاحِكُمْ وَسُيُوفِكُمْ وَدُرُوعِكُمْ مَا لَا تَرَوْنَهُ أَنْتُمْ مَا دَامُوا مُغَرِّبِينَ ، ثُمَّ قَاتِلْهُمْ وَاسْتَعِنِ اللَّهَ عَلَيْهِمْ . فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ : لِلَّهِ أَبُوكَ أَيَّ امْرِئٍ وَلَدَ ! ثُمَّ إِنَّ مَرْوَانَ دَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ : إِيهِ ! فَقَالَ : أَلَيْسَ قَدْ دَخَلَ عَلَيْكَ عَبْدُ الْمَلِكِ ؟ قَالَ : بَلَى ، وَأَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ الْمَلِكِ ! قَلَّ مَا كَلَّمْتُ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ رَجُلًا بِهِ شَبِيهًا . فَقَالَ مَرْوَانُ : إِذَا لَقِيتَ عَبْدَ الْمَلِكِ فَقَدْ لَقِيتَنِي . ثُمَّ ( إِنَّهُ صَارَ فِي كُلِّ مَكَانٍ يَصْنَعُ ) مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ الْمَلِكِ ، فَجَاءَهُمْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ، ثُمَّ دَعَاهُمْ مُسْلِمٌ فَقَالَ : إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَزْعُمُ أَنَّكُمُ الْأَصْلُ ، وَإِنِّي أَكْرَهُ إِرَاقَةَ دِمَائِكُمْ ، وَإِنِّي أُؤَجِّلُكُمْ ثَلَاثًا ، فَمَنِ ارْعَوَى وَرَاجَعَ الْحَقَّ قَبِلْنَا مِنْهُ وَانْصَرَفْتُ عَنْكُمْ وَسِرْتُ إِلَى هَذَا الْمَحَلِّ الَّذِي بِمَكَّةَ ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ كُنَّا قَدْ أَعْذَرْنَا إِلَيْكُمْ . فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ قَالَ : يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ مَا تَصْنَعُونَ ، أَتُسَالِمُونَ أَمْ تُحَارِبُونَ ؟ فَقَالُوا : بَلْ نُحَارِبُ . فَقَالَ لَهُمْ : لَا تَفْعَلُوا بَلِ ادْخُلُوا فِي الطَّاعَةِ وَنَجْعَلُ جِدَّنَا وَشَوْكَتَنَا عَلَى أَهْلِ هَذَا الْمُلْحِدِ الَّذِي قَدْ جَمَعَ إِلَيْهِ الْمُرَّاقَ وَالْفُسَّاقَ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ ، يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ . فَقَالُوا لَهُ : يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ لَوْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَجُوزُوا إِلَيْهِ مَا تَرَكْنَاكُمْ ، نَحْنُ نَدَعُكُمْ أَنْ تَأْتُوا بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامَ فَتُخِيفُوا أَهْلَهُ وَتُلْحِدُوا فِيهِ وَتَسْتَحِلُّوا حُرْمَتَهُ ؟ ! لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ . وَكَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَدِ اتَّخَذُوا خَنْدَقًا وَعَلَيْهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ ، وَكَانَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ عَبْدِ عَوْفٍ ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ عَلَى رُبُعٍ آخَرَ ، وَهُمْ قُرَيْشٌ فِي جَانِبِ الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ ، وَهُوَ مِنَ الصَّحَابَةِ ، عَلَى رُبُعٍ آخَرَ ، وَهُمُ الْمُهَاجِرُونَ ، وَكَانَ أَمِيرُ جَمَاعَتِهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ الْغَسِيلِ الْأَنْصَارِيَّ فِي أَعْظَمِ تِلْكَ الْأَرْبَاعِ ، وَهُمُ الْأَنْصَارُ . وَصَمَدَ مُسْلِمٌ فِيمَنْ مَعَهُ ، فَأَقْبَلَ مِنْ نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ حَتَّى ضَرَبَ فُسْطَاطَهُ عَلَى طَرِيقِ الْكُوفَةِ ، وَكَانَ مَرِيضًا ، فَأَمَرَ فَوُضِعَ لَهُ كُرْسِيٌّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَقَالَ يَا أَهْلَ الشَّامِ قَاتِلُوا عَنْ أَمِيرِكُمْ وَادْعُوا . فَأَخَذُوا لَا يَقْصِدُونَ رُبُعًا مِنْ تِلْكَ الْأَرْبَاعِ إِلَّا هَزَمُوهُ ، ثُمَّ وَجَّهَ الْخَيْلَ نَحْوَ ابْنِ الْغَسِيلِ ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمُ ابْنُ الْغَسِيلِ فِيمَنْ مَعَهُ فَكَشَفَهُمْ ، فَانْتَهَوْا إِلَى مُسْلِمٍ ، فَنَهَضَ فِي وُجُوهِهِمْ بِالرِّجَالِ وَصَاحَ بِهِمْ ، فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا . ثُمَّ إِنَّ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَاءَ إِلَى ابْنِ الْغَسِيلِ فَقَاتَلَ مَعَهُ فِي نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ فَارِسًا قِتَالًا حَسَنًا ، ثُمَّ قَالَ لِابْنِ الْغَسِيلِ : مَنْ كَانَ مَعَكَ فَارِسًا فَلْيَأْتِنِي فَلْيَقِفْ مَعِي ، فَإِذَا حَمَلْتُ فَلْيَحْمِلُوا ، فَوَاللَّهِ لَا أَنْتَهِي حَتَّى أَبْلَغَ مُسْلِمًا فَأَقْتُلَهُ أَوْ أُقْتَلَ دُونَهُ . فَفَعَلَ ذَلِكَ وَجَمَعَ الْخَيْلَ إِلَيْهِ ، فَحَمَلَ بِهِمُ الْفَضْلُ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ فَانْكَشَفُوا ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : احْمِلُوا أُخْرَى جُعِلْتُ فَدَاكُمْ ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ عَايَنْتُ أَمِيرَهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُ أَوْ أُقْتَلَ دُونَهُ . إِنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الصَّبْرِ إِلَّا النَّصْرُ ! ثُمَّ حَمَلَ وَحَمَلَ أَصْحَابُهُ ، فَانْفَرَجْتُ خَيْلُ الشَّامِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ وَمَعَهُ نَحْوُ خَمْسِمِائَةِ رَاجِلٍ جُثَاةٌ عَلَى الرُّكَبِ مُشَرِّعِي الْأَسِنَّةِ نَحْوَ الْقَوْمِ ، وَمَضَى الْفَضْلُ كَمَا هُوَ نَحْوَ رَايَةِ مُسْلِمٍ فَضَرَبَ رَأْسَ صَاحِبِهَا ، فَقَطَّ الْمِغْفَرَ وَفَلَقَ هَامَتَهُ وَخَرَّ مَيِّتًا ، وَقَالَ : خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ! وَظَنَّ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ، فَقَالَ : قَتَلْتُ طَاغِيَةَ الْقَوْمِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ! فَقَالَ : أَخْطَأَتِ اسْتُكَ الْحُفْرَةَ ! وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ غُلَامًا رُومِيًّا وَكَانَ شُجَاعًا ، فَأَخَذَ مُسْلِمٌ رَايَتَهُ وَحَرَّضَ أَهْلَ الشَّامِ وَقَالَ : شُدُّوا مَعَ هَذِهِ الرَّايَةِ . فَمَشَى بِرَايَتِهِ وَشَدَّتْ تِلْكَ الرِّجَالُ أَمَامَ الرَّايَةِ ، فَصُرِعَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ ، فَقُتِلَ وَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَطْنَابِ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ إِلَّا نَحْوٌ مِنْ عَشْرَةِ أَذْرُعٍ ، وَقُتِلَ مَعَهُ زَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ . وَأَقْبَلَتْ خَيْلُ مُسْلِمٍ وَرَجَّالَتُهُ نَحْوَ ابْنِ الْغَسِيلِ ، وَهُوَ يُحَرِّضُ أَصْحَابَهُ وَيَذُمُّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ ، وَيُقَدِّمُ الْخَيْلَ إِلَى ابْنِ الْغَسِيلِ وَأَصْحَابِهِ ، فَلَمْ تَقْدَمْ عَلَيْهِمْ لِلرِّمَاحِ الَّتِي بِأَيْدِهِمْ وَالسُّيُوفِ ، وَكَانَتْ تَتَفَرَّقُ عَنْهُمْ ، فَنَادَى مُسْلِمٌ الْحُصَيْنَ بْنَ نُمَيْرٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِضَاهٍ الْأَشْعَرِيَّ وَأَمَرَهُمَا أَنْ يَنْزِلَا فِي جُنْدِهِمَا ، فَفَعَلَا وَتَقَدَّمَا إِلَيْهِمْ ، فَقَالَ ابْنُ الْغَسِيلِ لِأَصْحَابِهِ : إِنَّ عَدُوَّكُمْ قَدْ أَصَابَ وَجْهَ الْقِتَالِ الَّذِي كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلَكُمْ بِهِ ، وَإِنِّي قَدْ ظَنَنْتُ أَلَّا يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً حَتَّى يَفْصِلَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ إِمَّا لَكُمْ وَإِمَّا عَلَيْكُمْ ، أَمَا إِنَّكُمْ أَهْلُ النُّصْرَةِ وَدَارُ الْهِجْرَةِ وَمَا أَظُنُّ أَنَّ رَبَّكُمْ أَصْبَحَ عَنْ أَهْلِ بَلَدٍ مِنْ بُلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ بِأَرْضَى مِنْهُ عَنْكُمْ ، وَلَا عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ مِنْ بُلْدَانِ الْعَرَبِ بِأَسْخَطَ مِنْهُ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ، وَإِنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْكُمْ مِيتَةً هُوَ مَيِّتٌ بِهَا لَا مَحَالَةَ ، وَوَاللَّهِ مَا مِنْ مِيتَةٍ أَفْضَلُ مِنْ مَيْتَةِ الشَّهَادَةِ ، وَقَدْ سَاقَهَا اللَّهُ إِلَيْكُمْ فَاغْتِنَمُوهَا . ثُمَّ دَنَا بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَأَخَذَ أَهْلُ الشَّامِ يَرْمُونَهُمْ بِالنَّبْلِ ، فَقَالَ ابْنُ الْغَسِيلِ لِأَصْحَابِهِ : عَلَامَ تُسْتَهْدَفُونَ لَهُمْ ! مَنْ أَرَادَ التَّعْجِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ هَذِهِ الرَّايَةَ . فَقَالَ إِلَيْهِ كُلُّ مُسْتَمِيتٍ فَنَهَضَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ رُؤِيَ لِأَهْلِ هَذَا الْقِتَالِ ، وَأَخَذَ ابْنُ الْغَسِيلِ يُقَدِّمُ بَنِيهِ وَاحِدًا وَاحِدًا ، حَتَّى قُتِلُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَضْرِبُ بِسَيْفِهِ وَيَقُولُ : بُعْدًا لِمَنْ رَامَ الْفَسَادَ وَطَغَى وَجَانَبَ الْحَقَّ وَآيَاتِ الْهُدَى لَا يُبْعِدُ الرَّحْمَنُ إِلَّا مَنْ عَصَى ثُمَّ قُتِلَ وَقُتِلَ مَعَهُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ ، فَقَالَ : مَا أُحِبُّ أَنَّ الدَّيْلَمَ قَتَلُونِي مَكَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ ! وَقُتِلَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ وَمُحَمَّدُ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ . فَمَرَّ بِهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَقَالَ : رَحِمَكَ اللَّهُ ! رُبَّ سَارِيَةٍ قَدْ رَأَيْتُكُ تُطِيلُ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ إِلَى جَنْبِهَا . وَانْهَزَمَ النَّاسُ ، وَكَانَ فِيمَنِ انْهَزَمَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بَعْدَمَا أَبْلَى . وَأَبَاحَ مُسْلِمٌ الْمَدِينَةَ ثَلَاثًا يَقْتُلُونَ النَّاسَ وَيَأْخُذُونَ الْمَتَاعَ وَالْأَمْوَالَ ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ مَنْ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ . فَخَرَجَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ حَتَّى دَخَلَ فِي كَهْفِ الْجَبَلِ ، فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ ، ( فَاقْتَحَمَ عَلَيْهِ الْغَارَ ، فَانْتَضَى أَبُو سَعِيدٍ سَيْفَهُ يُخَوِّفُ بِهِ الشَّامِيَّ ) ، فَلَمْ يَنْصَرِفْ عَنْهُ ، فَعَادَ أَبُو سَعِيدٍ وَأَغْمَدَ سَيْفَهُ وَقَالَ : لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ . فَقَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ . قَالَ : صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ قَالَ : نَعَمْ . فَتَرَكَهُ وَمَضَى . وَقِيلَ : إِنَّ مُسْلِمًا لَمَّا نَزَلَ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ( خَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا ) بِجُمُوعٍ كَثِيرَةٍ وَهَيْئَةٍ حَسَنَةٍ ، فَهَابَهُمْ أَهْلُ الشَّامِ وَكَرِهُوا أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ ، فَلَمَّا رَآهُمْ مُسْلِمٌ ، وَكَانَ شَدِيدَ الْوَجَعِ ، سَبَّهُمْ وَذَمَّهُمْ وَحَرَّضَهُمْ ، فَقَاتَلُوهُمْ . فَبَيْنَمَا النَّاسُ فِي قِتَالِهِمْ إِذْ سَمِعُوا تَكْبِيرًا مِنْ خَلْفِهِمْ فِي جَوْفِ الْمَدِينَةِ ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ أَدْخَلُوا أَهْلَ الشَّامِ الْمَدِينَةَ فَانْهَزَمَ النَّاسُ ، فَكَانَ مَنْ أُصِيبَ فِي الْخَنْدَقِ أَكْثَرَ مِمَّنْ قُتِلَ . وَدَعَا مُسْلِمٌ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ لِيَزِيدَ عَلَى أَنَّهُمْ خَوَلٌ لَهُ يَحْكُمُ فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ مَنْ شَاءَ ، فَمَنِ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قَتَلَهُ ، وَطَلَبَ الْأَمَانَ لِيَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ ، وَلِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ ، وَلِمَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيِّ ، فَأُتِيَ بِهِمْ بَعْدَ الْوَقْعَةِ بِيَوْمٍ ، فَقَالَ : بَايِعُوا عَلَى الشَّرْطِ . فَقَالَ الْقُرَشِيَّانِ : نُبَايِعُكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ . فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمَا . فَقَالَ مَرْوَانُ : سُبْحَانَ اللَّهِ ! أَتَقْتُلُ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ أَتَيَا بِأَمَانٍ ؟ فَطَعَنَ بِخَاصِرَتِهِ بِالْقَضِيبِ ، فَقَالَ : وَأَنْتَ وَاللَّهِ لَوْ قُلْتَ بِمَقَالَتِهِمَا لَقَتَلْتُكَ ! وَجَاءَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ فَجَلَسَ مَعَ الْقَوْمِ فَدَعَا بِشَرَابٍ لِيُسْقَى ، فَقَالَ لَهُ مُسْلِمٌ : أَيُّ الشَّرَابِ أَحَبُّ إِلَيْكَ ؟ قَالَ : الْعَسَلُ . قَالَ : اسْقُوهُ ، فَشَرِبَ حَتَّى ارْتَوَى ، فَقَالَ لَهُ : أَرَوِيتَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : وَاللَّهِ لَا تَشْرَبُ بَعْدَهَا شَرْبَةً إِلَّا فِي نَارِ جَهَنَّمَ . فَقَالَ : أَنْشُدُكَ اللَّهَ وَالرَّحِمَ ! فَقَالَ لَهُ : أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِطَبَرِيَّةَ لَيْلَةَ خَرَجْتَ مِنْ عِنْدِ يَزِيدَ فَقُلْتَ : سِرْنَا شَهْرًا ، وَرَجَعْنَا شَهْرًا ، وَأَصْبَحْنَا صِفْرًا ، نَرْجِعُ إِلَى الْمَدِينَةِ فَنَخْلَعُ هَذَا الْفَاسِقَ ابْنَ الْفَاسِقِ وَنُبَايِعُ لِرَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ( أَوِ الْأَنْصَارِ فِيمَ غَطَفَانُ وَأَشْجَعُ مِنَ الْخَلْقِ وَالْخِلَافَةِ ! إِنَّنِي آلَيْتُ بِيَمِينٍ لَا أَلْقَاكَ فِي حَرْبٍ أَقْدِرُ مِنْهُ عَلَى قَتْلِكَ إِلَّا فَعَلْتُ ) . ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ . وَأُتِيَ بِيَزِيدَ بْنِ وَهْبٍ ، فَقَالَ لَهُ : بَايِعْ . قَالَ : أُبَايِعُكَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . قَالَ : اقْتُلُوهُ . قَالَ : أَنَا أُبَايِعُكَ ! قَالَ : لَا وَاللَّهِ ، فَتَكَلَّمَ فِيهِ مَرْوَانُ لِصِهْرٍ كَانَ بَيْنَهُمَا ، ( فَأَمَرَ بِمَرْوَانَ فُوُجِئَتْ عُنُقُهُ ) ثُمَّ قُتِلَ يَزِيدُ . ثُمَّ أَتَى مَرْوَانُ بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، ( فَجَاءَ يَمْشِي بَيْنَ مَرْوَانَ وَابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ ) حَتَّى جَلَسَ بَيْنَهُمَا عِنْدَهُ ، فَدَعَا مَرْوَانُ بِشَرَابٍ لِيَتَحَرَّمَ بِذَلِكَ [ مِنْ مُسْلِمٍ ] ، فَشَرِبَ مِنْهُ يَسِيرًا ثُمَّ نَاوَلَهُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ ، فَلَمَّا وَقَعَ فِي يَدِهِ قَالَ لَهُ مُسْلِمٌ : لَا تَشْرَبْ مِنْ شَرَابِنَا ! فَارْتَعَدَتْ كَفُّهُ وَلَمْ يَأْمَنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَمْسَكَ الْقَدَحَ ، فَقَالَ لَهُ : أَجِئْتَ تَمَشِّي بَيْنَ هَؤُلَاءِ لِتَأْمَنَ عِنْدِي ؟ وَاللَّهِ لَوْ كَانَ إِلَيْهِمَا أَمْرٌ لَقَتَلْتُكَ ! وَلَكِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوْصَانِي بِكَ وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ كَاتَبْتَهُ ، فَإِنْ شِئْتَ فَاشْرَبْ . فَشَرِبَ ثُمَّ أَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ ثُمَّ قَالَ لَهُ : لَعَلَّ أَهْلَكَ فَزِعُوا ؟ قَالَ : إِي وَاللَّهِ . فَأَمَرَ بِدَابَّةٍ فَأُسْرِجَتْ لَهُ فَحَمَلَهُ عَلَيْهَا فَرُدَّ وَلَمْ يُلْزِمْهُ بِالْبَيْعَةِ لِيَزِيدَ عَلَى مَا شَرَطَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ . وَأُحْضِرَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ لِيُبَايِعَ ، فَقَالَ الْحُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ السَّكُونِيُّ : لَا يُبَايِعُ ابْنُ أُخْتِنَا إِلَّا كَبَيْعَةِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَكَانَتْ أُمُّ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كِنْدِيَّةً ، فَقَامَتْ كِنْدَةُ مَعَ الْحُصَيْنِ ، فَتَرَكَهُ مُسْلِمٌ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : أَبِي الْعَبَّاسُ قَرْمُ بَنِي قُصَيٍّ وَأَخْوَالِي الْمُلُوكُ بَنُو وَلِيعَهْ هُمُ مَنَعُوا ذِمَارِي يَوْمَ جَاءَتْ كَتَائِبُ مُسْرِفٍ وَبَنُو اللَّكِيعَهْ أَرَادُونِي الَّتِي لَا عِزَّ فِيهَا فَحَالَتْ دُونَهُ أَيْدٌ سَرِيعَهْ يَعْنِي بِقَوْلِهِ مُسْرِفٌ : مُسْلِمَ بْنَ عُقْبَةَ ، فَإِنَّهُ سُمِّي بَعْدَ وَقْعَةِ الْحَرَّةِ مُسْرِفًا ، وَبَنُو وَلَيْعَةَ بَطْنٌ مِنْ كِنْدَةَ ، مِنْهُمْ أُمُّهُ ، وَاللَّكِيعَةُ أُمُّ أُمِّهِ . وَقِيلَ : إِنَّ عَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَمْ يَكُنْ فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمَئِذٍ إِلَى مُسْلِمٍ فَقَالَ : يَا أَهْلَ الشَّامِ تَعْرِفُونَ هَذَا ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : هَذَا الْخَبِيثُ ابْنُ الطَّيِّبِ ، هَذَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ ، هِيهِ يَا عَمْرُو إِذَا ظَهَرَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قُلْتَ أَنَا رَجُلٌ مِنْكُمْ ، وَإِنْ ظَهَرَ أَهْلُ الشَّامِ قُلْتَ أَنَا ابْنُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ . فَأَمَرَ بِهِ فَنُتِفَتْ لِحْيَتُهُ ، ( ثُمَّ قَالَ : يَا أَهْلَ الشَّامِ إِنَّ أُمَّ هَذَا كَانَتْ تُدْخِلُ الْجُعَلَ فِي فِيهَا ثُمَّ تَقُولُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَاجَيْتُكَ مَا فِي فَمِي ؟ وَفِي فَمِهَا مَا شَاهَا وَبَاهَا ، وَكَانَتْ مِنْ دَوْسٍ ) ثُمَّ خَلَّى سَبِيلَهُ . وَكَانَتْ وَقْعَةُ الْحَرَّةِ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ : قَدِمْتُ الشَّامَ فِي تِجَارَةٍ فَقَالَ لِي رَجُلٌ : مِنْ أَيْنَ أَنْتَ ؟ فَقُلْتُ : مِنَ الْمَدِينَةِ . فَقَالَ : خَبِيثَةٌ . فَقُلْتُ : يُسَمِّيهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَيْبَةَ وَتُسَمِّيهَا خَبِيثَةً ! فَقَالَ : إِنَّ لِي وَلَهَا لَشَأْنًا ، لَمَّا خَرَجَ النَّاسُ إِلَى وَقْعَةِ الْحَرَّةِ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي قَتَلْتُ رَجُلًا اسْمُهُ مُحَمَّدٌ أَدْخُلُ بِقَتْلِهِ النَّارَ ، فَاجْتَهَدْتُ فِي أَنِّي لَا أَسِيرُ مَعَهُمْ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنِّي ، فَسِرْتُ مَعَهُمْ وَلَمْ أُقَاتِلْ حَتَّى انْقَضَتِ الْوَقْعَةُ ، فَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ فِي الْقَتْلَى بِهِ رَمَقٌ فَقَالَ : تَنَحَّ يَا كَلْبُ ! فَأَنِفْتُ مِنْ كَلَامِهِ وَقَتَلْتُهُ ، ثُمَّ ذَكَرْتُ رُؤْيَايَ فَجِئْتُ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَتَصَفَّحُ الْقَتْلَى ، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَ الَّذِي قَتَلْتُهُ قَالَ : إِنَّا لِلَّهِ ، لَا يَدْخُلُ قَاتِلُ هَذَا الْجَنَّةَ . قُلْتُ : وَمَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا وَكَنَّاهُ أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَقْتُلُونَنِي فَلَمْ يَفْعَلُوا ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ فَلَمْ يَأْخُذُوا . وَمِمَّنْ قُتِلَ بِالْحَرَّةِ عَبْدُ اللَّهِ ( بْنُ عَاصِمٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَلَيْسَ بِصَاحِبِ الْأَذَانِ ، ذَاكَ ) ابْنُ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ . وَقُتِلَ أَيْضًا فِيهَا عُبَيْدُ اللَّهِ ( بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ . وَوَهْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ . وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ . وَزُبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ . وَعَبْدُ اللَّهِ ) بْنُ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ . ذِكْرُ عِدَّةِ حَوَادِثَ وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ الْكُوفِيُّ الزَّاهِدُ . وَحَجَّ بِالنَّاسِ هَذِهِ السَّنَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ، وَكَانَ يُسَمَّى يَوْمَئِذٍ الْعَائِذُ ، وَيَرَوْنَ الْأَمْرَ شُورَى ، وَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِوَقْعَةِ الْحَرَّةِ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ مَعَ [ سَعِيدٍ مَوْلَى ] الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ، ( فَجَاءَهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ ، فَاسْتَعَدَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَعَرَفُوا ) أَنَّ مُسْلِمًا نَازِلٌ بِهِمْ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية