الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ خِلَافَةِ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ لَمَّا قُطِعَتْ خُطْبَةُ الرَّاشِدِ بِاللَّهِ اسْتَشَارَ السُّلْطَانُ جَمَاعَةً مِنْ أَعْيَانِ بَغْدَادَ مِنْهُمُ الْوَزِيرُ عَلِيُّ بْنُ طِرَادٍ ، وَصَاحِبُ الْمَخْزَنِ ، وَغَيْرُهُمَا - فِيمَنْ يَصْلُحُ أَنْ يَلِيَ الْخِلَافَةَ . فَقَالَ الْوَزِيرُ : أَحَدُ عُمُومَةِ الرَّاشِدِ ، وَهُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ . قَالَ : مَنْ هُوَ ، قَالَ : مَنْ لَا أَقْدِرُ أَنْ أُفْصِحَ بِاسْمِهِ ؛ لِئَلَّا يُقْتَلَ ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِعَمَلِ مَحْضَرٍ فِي خَلْعِ الرَّاشِدِ ، فَعَمِلُوا مَحْضَرًا ذَكَرُوا فِيهِ مَا ارْتَكَبَهُ مِنْ أَخْذِ الْأَمْوَالِ ، وَأَشْيَاءَ تَقْدَحُ فِي الْإِمَامَةِ ، ثُمَّ كَتَبُوا فَتْوَى : مَا يَقُولُ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ ، هَلْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ أَمْ لَا ؟ فَأَفْتَوْا أَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا . فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ ذَلِكَ أَحْضَرُوا الْقَاضِيَ أَبَا طَاهِرِ بْنَ الْكَرْخِيِّ ، فَشَهِدُوا عِنْدَهُ بِذَلِكَ ، فَحَكَمَ بِفِسْقِهِ وَخَلْعِهِ ، وَحَكَمَ بَعْدَهُ غَيْرُهُ ، وَلَمْ يَكُنْ قَاضِي الْقُضَاةِ حَاضِرًا لِيَحْكُمَ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ أَتَابَكْ زَنْكِي بِالْمَوْصِلِ . ثُمَّ إِنَّ شَرَفَ الدِّينِ الْوَزِيرَ ذَكَرَ لِلسُّلْطَانِ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنَ ، وَقِيلَ : مُحَمَّدُ بْنُ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ - وَدِينَهُ ، وَعَقْلَهُ ، وَعِفَّتَهُ ، وَلِينَ جَانِبِهِ ، فَحَضَرَ السُّلْطَانُ دَارَ الْخِلَافَةِ وَمَعَهُ الْوَزِيرُ شَرَفُ الدِّينِ الزَّيْنَبِيُّ ، وَصَاحِبُ الْمَخْزَنِ ابْنُ الْبَقْشَلَامِيِّ ، وَغَيْرُهُمَا ، وَأَمَرَ بِإِحْضَارِ الْأَمِيرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُسْتَظْهِرِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي يَسْكُنُ فِيهِ ، فَأُحْضِرَ ، وَأُجْلِسَ فِي الْمُثَمَّنَةِ ، وَدَخَلَ السُّلْطَانُ إِلَيْهِ وَالْوَزِيرُ شَرَفُ الدِّينِ ، وَتَحَالَفَا ، وَقَرَّرَ الْوَزِيرُ الْقَوَاعِدَ بَيْنَهُمَا ، وَخَرَجَ السُّلْطَانُ مِنْ عِنْدِهِ ، وَحَضَرَ الْأُمَرَاءُ وَأَرْبَابُ الْمَنَاصِبِ ، وَالْقَضَاءِ ، وَالْفُقَهَاءُ ، وَبَايَعُوا ثَامِنَ عَشَرِ ذِي الْحِجَّةِ ، وَلُقِّبَ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ . قِيلَ : سَبَبُ اللَّقَبِ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْخِلَافَةَ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ وَهُوَ يَقُولُ لَهُ : إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ يَصِيرُ إِلَيْكَ ، فَاقْتَفِ بِي . فَلُقِّبَ بِذَلِكَ . وَلَمَّا اسْتَخْلَفَ سُيِّرَتِ الْكُتُبُ الْحُكْمِيَّةُ بِخِلَافَتِهِ إِلَى سَائِرِ الْأَمْصَارِ ، وَاسْتَوْزَرَ شَرَفَ الدِّينِ عَلِيَّ بْنَ طِرَادٍ الزَّيْنَبِيَّ فَأُرْسِلَ إِلَى الْمَوْصِلِ ، وَأَحْضَرَ قَاضِيَ الْقُضَاةِ أَبَا الْقَاسِمِ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ الزَّيْنَبِيَّ عَمَّ الْوَزِيرِ ، وَأَعَادَهُ إِلَى مَنْصِبِهِ ، وَقَرَّرَ كَمَالَ الدَّيْنِ حَمْزَةَ بْنَ طَلْحَةَ عَلَى مَنْصِبِهِ صَاحِبَ الْمَخْزَنِ ، وَجَرَتِ الْأُمُورُ عَلَى أَحْسَنِ نِظَامٍ . وَبَلَغَنِي أَنَّ السُّلْطَانَ مَسْعُودًا أَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ فِي تَقْرِيرِ إِقْطَاعٍ يَكُونُ لِخَاصَّتِهِ ، فَكَانَ جَوَابُهُ : إِنَّ فِي الدَّارِ ثَمَانِينَ بَغْلًا تَنْقُلُ الْمَاءَ مِنْ دِجْلَةَ ، فَلْيَنْظُرُ السُّلْطَانُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ شُرْبِ هَذَا الْمَاءِ وَيَقُومُ بِهِ ، فَتَقَرَّرَتِ الْقَاعِدَةُ عَلَى أَنْ يُجْعَلَ لَهُ مَا كَانَ لِلْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ . وَقَالَ السُّلْطَانُ لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُهُ : لَقَدْ جَعَلْنَا فِي الْخِلَافَةِ رَجُلًا عَظِيمًا نَسْأَلُ . وَالْمُقْتَفِي عَمُّ الرَّاشِدِ هُوَ وَالْمُسْتَرْشِدُ ابْنَا الْمُسْتَظْهِرِ ، وَلِيَا الْخِلَافَةَ ، وَكَذَلِكَ السَّفَّاحُ وَالْمَنْصُورُ أَخَوَانِ ، وَكَذَلِكَ الْمَهْدِيُّ وَالرَّشِيدُ أَخَوَانِ ، وَكَذَلِكَ الْوَاثِقُ وَالْمُتَوَكِّلُ أَخَوَانِ ، وَأَمَّا ثَلَاثَةُ إِخْوَةٍ وُلُّوا الْخِلَافَةَ فَالْأَمِينُ وَالْمَأْمُونُ وَالْمُعْتَصِمُ أَوْلَادُ الرَّشِيدِ ، وَالْمُكْتَفِي وَالْمُقْتَدِرُ وَالْقَاهِرُ بَنُو الْمُعْتَضِدِ ، وَالرَّاضِي وَالْمُتَّقِي وَالْمُطِيعُ بَنُو الْمُقْتَدِرِ ، وَأَمَّا أَرْبَعَةُ إِخْوَةٍ وُلُّوهَا فَالْوَلِيدُ وَسُلَيْمَانُ وَيَزِيدُ وَهِشَامٌ بَنُو عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ لَا يُعْرَفُ غَيْرُهُمْ . وَحِينَ اسْتَقَرَّتِ الْخِلَافَةُ لِلْمُقْتَفِي أَرْسَلَ إِلَيْهِ الرَّاشِدُ بِاللَّهِ رَسُولًا مِنَ الْمَوْصِلِ مَعَ رَسُولِ أَتَابَكْ زَنْكِي ، فَأَمَّا رَسُولُ الرَّاشِدِ فَلَمْ تُسْمَعْ رِسَالَتُهُ ، وَأَمَّا رَسُولُ أَتَابَكْ زَنْكِي فَكَانَ كَمَالُ الدَّيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّهْرَزُورِيُّ ، فَأُحْضِرَ فِي الدِّيوَانِ ، وَسُمِعَتْ رِسَالَتُهُ ، وَحَكَى لِي وَالِدِي عَنْهُ قَالَ : لَمَّا حَضَرْتُ الدِّيوَانَ قِيلَ لِي : تُبَايِعُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقُلْتُ : أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَنَا فِي الْمَوْصِلِ وَلَهُ فِي أَعْنَاقِ الْخَلْقِ بَيْعَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ . وَطَالَ الْكَلَامُ ، وَعُدْتُ إِلَى مَنْزِلِي . فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ عَجُوزٌ سِرًّا وَاجْتَمَعَتْ بِي ، وَأَبْلَغَتْنِي رِسَالَةً عَنِ الْمُقْتَفِي لِأَمْرِ اللَّهِ مَضْمُونُهَا عِتَابِي عَلَى مَا قُلْتُهُ وَاسْتِنْزَالِي عَنْهُ . فَقُلْتُ : غَدًا أَخْدِمُ خِدْمَةً يَظْهَرُ أَثَرُهَا . فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ أُحْضِرْتُ الدِّيوَانَ ، وَقِيلَ لِي فِي مَعْنَى الْبَيْعَةِ ، فَقُلْتُ : أَنَا رَجُلٌ فَقِيهٌ قَاضٍ ، وَلَا يَجُوزُ لِي أَنْ أُبَايِعَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدِي خَلْعُ الْمُتَقَدِّمِ . فَأَحْضَرُوا الشُّهُودَ ، وَشَهِدُوا عِنْدِي فِي الدِّيوَانِ بِمَا أَوْجَبَ خَلْعَهُ ، فَقُلْتُ : هَذَا ثَابِتٌ لَا كَلَامَ فِيهِ ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ لَنَا فِي هَذِهِ الدَّعْوَةِ مِنْ نَصِيبٍ ؛ لِأَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ حَصَلَ لَهُ خِلَافَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَالسُّلْطَانِ ، فَقَدِ اسْتَرَاحَ مِمَّنْ كَانَ يَقْصِدُهُ ، وَنَحْنُ بِأَيِّ شَيْءٍ نَعُودُ ؟ فَرُفِعَ الْأَمْرُ إِلَى الْخَلِيفَةِ ، فَأَمَرَ أَنْ يُعْطَى أَتَابَكْ زَنْكِي صَرِيفِينَ ، وَدَرْبَ هَرْوَنَ ، وَحَرْبَى مُلْكَا ، وَهِيَ مِنْ خَاصِّ الْخَلِيفَةِ ، وَيُزَادُ فِي أَلْقَابِهِ ، وَقَالَ : هَذِهِ قَاعِدَةٌ لَمْ يُسْمَحْ بِهَا لِأَحَدٍ مِنْ زُعَمَاءِ الْأَطْرَافِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ نَصِيبٌ فِي خَاصِّ الْخَلِيفَةِ . فَبَايَعْتُ وَعُدْتُ مَقْضِيَّ الْحَوَائِجِ قَدْ حَصَلَ لِي جُمْلَةٌ صَالِحَةٌ مِنَ الْمَالِ وَالتُّحَفِ . وَكَانَتْ بَيْعَةً ، وَخُطِبَ لِلْمُقْتَفِي فِي الْمَوْصِلِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ ، وَلَمَّا عَادَ كَمَالُ الدَّيْنِ بْنُ الشَّهْرَزُورِيِّ سُيِّرَ عَلَى يَدِهِ الْمُحْضَرُ الَّذِي عَمِلَ بِخَلْعِ الرَّاشِدِ ، فَحَكَمَ بِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ الزَّيْنَبِيُّ بِالْمَوْصِلِ ( وَكَانَ عِنْدَ أَتَابَكْ زَنْكِي ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية