الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ حَصْرِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ بَغْدَادَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ ، حَصَرَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ بَغْدَادَ ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ السُّلْطَانَ مُحَمَّدَ بْنَ مَحْمُودٍ كَانَ قَدْ أَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَطْلُبُ أَنْ يُخْطَبَ لَهُ بِبَغْدَادَ وَالْعِرَاقِ ، فَامْتَنَعَ الْخَلِيفَةُ مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَى ذَلِكَ ، فَسَارَ مِنْ هَمَذَانَ فِي عَسَاكِرَ كَثِيرَةٍ نَحْوَ الْعِرَاقِ ، وَوَعَدَهُ أَتَابَكُ قُطْبُ الدِّينِ ، صَاحِبُ الْمَوْصِلِ ، وَنَائِبُهُ زَيْنُ الدِّينِ عَلِيٌّ بِإِرْسَالِ الْعَسَاكِرِ إِلَيْهِ نَجْدَةً لَهُ عَلَى حَصْرِ بَغْدَادَ ، فَقَدِمَ الْعِرَاقَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ [ وَخَمْسِمِائَةٍ ] ، وَاضْطَّرَبَ النَّاسُ بِبَغْدَادَ ، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ يَجْمَعُ الْعَسَاكِرَ فَأَقْبَلَ خَطْلَبُرْسُ مِنْ وَاسِطَ وَعَصَى أَرْغَشُ ، صَاحِبُ الْبَصْرَةِ ، وَأَخَذَ وَاسِطَ ، وَرَحَلَ مُهَلْهِلٌ إِلَى الْحِلَّةِ فَأَخَذَهَا ، وَاهْتَمَّ الْخَلِيفَةُ وَعَوْنُ الدِّينِ بْنُ هُبَيْرَةَ بِأَمْرِ الْحِصَارِ ، وَجَمَعَ جَمِيعَ السُّفُنِ وَقَطَعَ الْجِسْرَ وَجَعَلَ الْجَمِيعَ تَحْتَ التَّاجِ ، وَنُودِيَ مُنْتَصَفَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ [ وَخَمْسِمِائَةٍ ] ، أَنْ لَا يُقِيمَ أَحَدٌ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ ، فَأَجْفَلَ النَّاسُ وَأَهْلُ السَّوَادِ ، وَنُقِلَتِ الْأَمْوَالُ إِلَى حَرِيمِ دَارِ الْخِلَافَةِ ، وَخَرَّبَ الْخَلِيفَةُ قَصْرَ عِيسَى وَالْمُرَبَّعَةَ وَالْقُرَيَّةَ وَالْمُسْتَجِدَّةَ وَالنَّجْمِيَّ ، وَنَهَبَ أَصْحَابُهُ مَا وَجَدُوا ، وَخَرَّبَ أَصْحَابُ مُحَمَّدِ شَاهْ نَهْرَ الْقَلَّابِينَ ، وَالتُّوثَةَ ، وَشَارِعَ ابْنِ رِزْقِ اللَّهِ وَبَابَ الْمَيْدَانِ وَقُطُفْتَا . وَأَمَّا أَهْلُ الْكَرْخِ وَأَهْلُ بَابِ الْبَصْرَةِ فَإِنَّهُمْ خَرَجُوا إِلَى عَسْكَرِ مُحَمَّدٍ ، وَكَسَبُوا مَعَهُمْ أَمْوَالًا كَثِيرَةً . وَعَبَرَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ فَوْقَ حَرْبَى إِلَى الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ ، وَنُهِبَتْ أُوَانَا ، وَاتَّصَلَ بِهِ زَيْنُ الدِّينِ هُنَاكَ ، وَسَارُوا ، فَنَزَلَ مُحَمَّدُ شَاهْ عِنْدَ الرَّمْلَةِ ، وَفَرَّقَ الْخَلِيفَةُ السِّلَاحَ عَلَى الْجُنْدِ وَالْعَامَّةِ ، وَنَصَبَ الْمَجَانِيقَ وَالْعَرَّادَاتِ . فَلَمَّا كَانَ فِي الْعِشْرِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ رَكِبَ عَسْكَرُ مُحَمَّدِ شَاهْ وَزَيْنِ الدِّينِ عَلِيٍّ ، وَوَقَفُوا عِنْدَ الرَّقَّةِ ، وَرَمَوْا بِالنُّشَّابِ إِلَى نَاحِيَةِ التَّاجِ ، فَعَبَرَ إِلَيْهِمْ عَامَّةُ بَغْدَادَ فَقَاتَلُوهُمْ ، وَرَمَوْهُمْ بِالنِّفْطِ وَغَيْرِهِ ، ثُمَّ جَرَى بَيْنَهُمْ عِدَّةُ حُرُوبٍ . وَفِي ثَالِثِ صَفَرٍ عَاوَدُوا الْقِتَالَ ، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ ، وَعَبَرَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ سِبَاحَةً وَفِي السُّفُنِ ، فَقُتِلُوا ; وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا . وَلَمْ تَزَلِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ كُلَّ وَقْتٍ ، وَعُمِلَ الْجِسْرُ عَلَى دِجْلَةَ وَعَبَرَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعَسْكَرِ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ ، وَصَارَ الْقِتَالُ فِي الْجَانِبَيْنِ ، وَبَقِيَ زَيْنُ الدِّينِ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ ، وَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ فَنُودِيَ : كُلُّ مَنْ جُرِحَ فَلَهُ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ ، فَكَانَ كُلَّمَا جُرِحَ إِنْسَانٌ يَحْضُرُ عِنْدَ الْوَزِيرِ فَيُعْطِيهِ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ ، فَاتَّفَقَ أَنَّ بَعْضَ الْعَامَّةِ جُرِحَ جُرْحًا لَيْسَ بِكَبِيرٍ ، فَحَضَرَ يَطْلُبُ الدَّنَانِيرَ ، فَقَالَ لَهُ الْوَزِيرُ : لَيْسَ هَذَا الْجُرْحُ بِشَيْءٍ ، فَعَاوَدَ الْقِتَالَ ، فَضُرِبَ ، فَانْشَقَّ جَوْفُهُ وَخَرَجَ شَيْءٌ مِنْ شَحْمِهِ ، فَحُمِلَ إِلَى الْوَزِيرِ فَقَالَ : يَا مَوْلَانَا الْوَزِيرُ أَيُرْضِيكَ هَذَا ؟ فَضَحِكَ مِنْهُ ، وَأَضْعَفَ لَهُ ، وَرَتَّبَ لَهُ مَنْ يُعَالِجُ جِرَاحَتَهُ إِلَى أَنْ بَرِئَ . وَتَعَذَّرَتِ الْأَقْوَاتُ فِي الْعَسْكَرِ إِلَّا أَنَّ اللَّحْمَ وَالْفَوَاكِهَ وَالْخُضَرَ كَثِيرَةٌ ، وَكَانَتِ الْغَلَّاتُ بِبَغْدَادَ كَثِيرَةً ; لِأَنَّ الْوَزِيرَ كَانَ يُفَرِّقُهَا فِي الْجُنْدِ عِوَضَ الدَّنَانِيرِ فَيَبِيعُونَهَا ، فَلَمْ تَزَلِ الْأَسْعَارُ عِنْدَهُمْ رَخِيصَةً ، إِلَّا أَنَّ اللَّحْمَ وَالْفَاكِهَةَ وَالْخُضَرَ قَلِيلَةٌ عِنْدَهُمْ . وَاشْتَدَّ الْحِصَارُ عَلَى أَهْلِ بَغْدَادَ لِانْقِطَاعِ الْمَوَادِّ عَنْهُمْ وَعَدَمِ الْمَعِيشَةِ لِأَهْلِهَا ; وَكَانَ زَيْنُ الدِّينِ وَعَسْكَرُ الْمَوْصِلِ غَيْرَ مُجِدِّينَ فِي الْقِتَالِ لِأَجْلِ الْخَلِيفَةِ وَالْمُسْلِمِينَ ; وَقِيلَ لِأَنَّ نُورَ الدِّينِ مَحْمُودَ بْنَ زَنْكِي ، وَهُوَ أَخُو قُطْبِ الدِّينِ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ الْأَكْبَرِ ، أَرْسَلَ إِلَى زَيْنِ الدِّينِ يَلُومُهُ عَلَى قِتَالِ الْخَلِيفَةِ ، فَفَتَرَ وَأَقْصَرَ . ( وَلَمْ تَزَلِ الْحَرْبُ فِي أَكْثَرِ الْأَيَّامِ ) ، وَعَمِلَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ أَرْبَعَمِائَةٍ سُلَّمٍ لِيَصْعَدَ الرِّجَالُ فِيهَا إِلَى السُّورِ . وَزَحَفُوا ، وَقَاتَلُوا ، فَفَتَحَ أَهْلُ بَغْدَادَ أَبْوَابَ الْبَلَدِ وَقَالُوا : أَيُّ حَاجَةٍ بِكُمْ إِلَى السَّلَالِيمِ ؟ هَذِهِ الْأَبْوَابُ مُفَتَّحَةٌ فَادْخُلُوا مِنْهَا ; فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْرَبُوهَا . فَبَيْنَمَا الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ أَنَّ أَخَاهُ مَلِكْشَاهْ وَإِيلْدِكْزَ صَاحِبَ بِلَادِ أَرَّانَ ، وَمَعَهُ الْمَلِكُ أَرْسَلَانُ ابْنُ الْمَلِكِ طُغْرُلَ بْنِ مُحَمَّدٍ ، وَهُوَ ابْنُ امْرَأَةِ إِيلْدِكْزَ ، قَدْ دَخَلُوا هَمَذَانَ وَاسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا ، وَأَخَذُوا أَهْلَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَ مُحَمَّدِ شَاهْ وَأَمْوَالَهُمْ ، فَلَمَّا سَمِعَ مُحَمَّدُ شَاهْ ذَلِكَ جَدَّ فِي الْقِتَالِ لَعَلَّهُ يَبْلُغُ غَرَضًا ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ وَرَحَلَ عَنْهَا نَحْوَ هَمَذَانَ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ . وَعَادَ زَيْنُ الدِّينِ إِلَى الْمَوْصِلِ ، وَتَفَرَّقَ ذَلِكَ الْجَمْعُ عَلَى عَزْمِ الْعَوْدِ إِذَا فَرَغَ مُحَمَّدُ شَاهْ مِنْ إِصْلَاحِ بِلَادِهِ ، فَلَمْ يَعُودُوا يَجْتَمِعُونَ ; وَفِي كَثْرَةِ حُرُوبِهِمْ لَمْ يُقْتَلْ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ ، وَإِنَّمَا الْجِرَاحُ كَانَتْ كَثِيرَةً ، وَلَمَّا سَارُوا نَهَبُوا بَعْقُوبَا وَغَيْرَهَا مِنْ طَرِيقِ خُرَاسَانَ . وَلَمَّا رَحَلَ الْعَسْكَرُ مِنْ بَغْدَادَ أَصَابَ أَهْلَهَا أَمْرَاضٌ شَدِيدَةٌ حَادَّةٌ ، وَمَوْتٌ كَثِيرٌ لِلشِّدَّةِ الَّتِي مَرَّتْ بِهِمْ ; وَأَمَّا مَلِكْشَاهْ وَإِيلْدِكْزُ وَمَنْ مَعَهُمَا فَإِنَّهُمْ سَارُوا مِنْ هَمَذَانَ إِلَى الرَّيِّ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ إِينَانْجُ شِحْنَتُهَا وَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمُوهُ ، فَأَنْفَذَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ الْأَمِيرَ سُقْمُسَ بْنَ قَيْمَازَ الْحَرَّامِيَّ فِي عَسْكَرٍ نَجْدَةً لِإِينَانْجَ ، فَسَارَ سُقْمُسُ ، وَكَانَ إِيلْدِكْزُ وَمَلِكْشَاهْ وَمَنْ مَعَهُمَا قَدْ عَادُوا مِنَ الرَّيِّ يُرِيدُونَ مُحَاصَرَةَ الْخَلِيفَةِ ، فَلَقِيَهُمْ سُقْمُسُ وَقَاتَلَهُمْ ، فَهَزَمُوهُ وَنَهَبُوا عَسْكَرَهُ وَأَثْقَالَهُمْ ، فَاحْتَاجَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ إِلَى الْإِسْرَاعِ ، فَسَارَ ، فَلَمَّا بَلَغَ حُلْوَانَ بَلَغَهُ أَنَّ إِيلْدِكْزَ بِالدِّينَوَرِ ، وَأَتَاهُ رَسُولٌ مِنْ نَائِبِهِ إِينَانْجَ أَنَّهُ دَخَلَ هَمَذَانَ ، وَأَعَادَ الْخُطْبَةَ لَهُ فِيهَا ، فَقَوِيَتْ نَفْسُهُ وَهَرَبَ شَمْلَةُ ، صَاحِبُ خُوزِسْتَانَ إِلَى بِلَادِهِ ، وَتَفَرَّقَ أَكْثَرُ جَمْعِ إِيلْدِكْزَ وَمَلِكْشَاهْ ، وَبَقِيَا فِي خَمْسَةِ آلَافِ فَارِسٍ ، فَعَادَا إِلَى بِلَادِهِمَا شِبْهَ الْهَارِبِ . وَلَمَّا رَحَلَ مُحَمَّدُ شَاهْ إِلَى هَمَذَانَ أَرَادَ التَّجَهُّزَ لِقَصْدِ بِلَادِ إِيلْدِكْزَ ، فَابْتَدَأَ بِهِ مَرَضُ السُّلِّ ، وَبَقِيَ بِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية