الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ فَتْحِ حَلَبَ وَأَنْطَاكِيَةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعَوَاصِمِ لَمَّا فَرَغَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ قِنَّسْرِينَ سَارَ إِلَى حَلَبَ ، فَبَلَغَهُ أَنَّ أَهْلَ قِنَّسْرِينَ نَقَضُوا وَغَدَرُوا ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِمُ السِّمْطَ الْكِنْدِيَّ فَحَصَرَهُمْ وَفَتَحَهَا ، وَأَصَابَ فِيهَا بَقَرًا وَغَنَمًا ، فَقَسَّمَ بَعْضَهُ فِي جَيْشِهِ ، وَجَعَلَ بَقِيَّتَهُ فِي الْمَغْنَمِ . وَوَصَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى حَاضِرِ حَلَبَ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهَا فَجَمَعَ أَصْنَافًا مِنَ الْعَرَبِ ، فَصَالَحَهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْجِزْيَةِ ، ثُمَّ أَسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَأَتَى حَلَبَ وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ الْفِهْرِيُّ ، فَتَحَصَّنَ أَهْلُهَا وَحَصَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ طَلَبُوا الصُّلْحَ وَالْأَمَانَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَمَدِينَتِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ وَحِصْنِهِمْ ، فَأُعْطُوا ذَلِكَ ، وَاسْتُثْنِيَ عَلَيْهِمْ مَوْضِعُ الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ الَّذِي صَالَحَهُمْ عِيَاضٌ ، فَأَجَازَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَلِكَ . وَقِيلَ : صُولِحُوا عَلَى أَنْ يُقَاسَمُوا مَنَازِلَهُمْ وَكَنَائِسَهُمْ . وَقِيلَ : إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يُصَادِفْ بِحَلَبَ أَحَدًا لِأَنَّ أَهْلَهَا انْتَقَلُوا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ وَرَاسَلُوا فِي الصُّلْحِ ، فَلَمَّا تَمَّ ذَلِكَ رَجَعُوا إِلَيْهَا . وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْ حَلَبَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ ، وَقَدْ تَحَصَّنَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْخَلْقِ مِنْ قِنَّسْرِينَ وَغَيْرِهَا . فَلَمَّا فَارَقَهَا لَقِيَهُ جَمْعُ الْعَدُوِّ ، فَهَزَمَهُمْ فَأَلْجَأَهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَحَاصَرَهَا مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِيهَا ، ثُمَّ إِنَّهُمْ صَالَحُوهُمْ عَلَى الْجَلَاءِ أَوِ الْجِزْيَةِ ، فَجَلَا بَعْضٌ وَأَقَامَ بَعْضٌ فَآمَنَهُمْ ، ثُمَّ نَقَضُوا ، فَوَجَّهَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَيْهِمْ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ وَحَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ ، فَفَتَحَاهَا عَلَى الصُّلْحِ الْأَوَّلِ . وَكَانَتْ أَنْطَاكِيَةُ عَظِيمَةَ الذِّكْرِ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ ، فَلَمَّا فُتِحَتْ كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ أَنْ رَتِّبْ بِأَنْطَاكِيَةَ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَاجْعَلْهُمْ بِهَا مُرَابِطَةً ، وَلَا تَحْبِسْ عَنْهُمُ الْعَطَاءَ . وَبَلَغَ أَبَا عُبَيْدَةَ أَنْ جَمْعًا مِنَ الرُّومِ بَيْنَ مَعَرَّةَ مَصْرِينَ وَحَلَبَ ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ فَلَقِيَهُمْ فَهَزَمَهُمْ وَقَتَلَ عِدَّةَ بَطَارِقَةٍ ، وَسَبَى وَغَنِمَ ، وَفَتَحَ مَعَرَّةَ مَصْرِينَ عَلَى مِثْلِ صُلْحِ حَلَبَ ، وَجَالَتْ خُيُولُهُ فَبَلَغَتْ بُوقَا ، وَفُتِحَتْ قُرَى الْجُومَةَ وَسَرْمِينَ وَتِيزِينَ ، وَغَلَبُوا عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ قِنَّسْرِينَ وَأَنْطَاكِيَةَ . ثُمَّ أَتَى أَبُو عُبَيْدَةَ حَلَبَ وَقَدِ الْتَاثَ أَهْلُهَا ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى أَذْعَنُوا وَفَتَحُوا الْمَدِينَةَ . وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُرِيدُ قُورُسَ وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ عِيَاضٌ ، فَلَقِيَهُ رَاهِبٌ مِنْ رُهْبَانِهَا يَسْأَلُهُ الصُّلْحَ ، فَبَعَثَ بِهِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فَصَالَحَهُ عَلَى صُلْحِ أَنْطَاكِيَةَ ، وَبَثَّ خَيْلَهُ فَغَلَبَ عَلَى جَمِيعِ أَرْضِ قُورُسَ وَفَتَحَ تَلَّ عَزَازَ ، وَكَانَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيُّ فِي جَيْشِ أَبِي عُبَيْدَةَ ، فَنَزَلَ فِي حِصْنٍ بِقُورُسَ ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ ، فَهُوَ يُعْرَفُ بِحِصْنِ سَلْمَانَ . ثُمَّ سَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى مَنْبِجَ وَعَلَى مُقَدَّمَتِهِ عِيَاضٌ ، فَلَحِقَهُ وَقَدْ صَالَحَ أَهْلَهَا عَلَى مِثْلِ صُلْحِ أَنْطَاكِيَةَ ، وَسَيَّرَ عِيَاضًا إِلَى نَاحِيَةِ دُلُوكَ وَرَعْبَانَ فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا عَلَى مِثْلِ صُلْحِ مَنْبِجَ ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُخْبِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِخَبَرِ الرُّومِ . وَوَلَّى أَبُو عُبَيْدَةَ كُلَّ كُورَةٍ فَتَحَهَا عَامِلًا ، وَضَمَّ إِلَيْهِ جَمَاعَةً ، وَشَحَنَ النَّوَاحِيَ الْمَخُوفَةَ . وَسَارَ إِلَى بَالِسَ ، وَبَعَثَ جَيْشًا مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ إِلَى قَاصِرِينَ ، فَصَالَحَهُمْ أَهْلُهَا عَلَى الْجِزْيَةِ أَوِ الْجَلَاءِ ، فَجَلَا أَكْثَرُهُمْ إِلَى بَلَدِ الرُّومِ وَأَرْضِ الْجَزِيرَةِ وَقَرْيَةِ جِسْرِ مَنْبِجَ ، وَلَمْ يَكُنِ الْجِسْرُ يَوْمَئِذٍ ، وَإِنَّمَا اتُّخِذَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ لِلصَّوَائِفِ ، وَقِيلَ : بَلْ كَانَ لَهُ رَسْمٌ قَدِيمٌ . وَاسْتَوْلَى الْمُسْلِمُونَ عَلَى الشَّامِ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيَةِ إِلَى الْفُرَاتِ ، وَعَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ إِلَى فِلَسْطِينَ . وَكَانَ بِجَبَلِ اللُّكَّامِ مَدِينَةٌ يُقَالُ لَهَا جُرْجُومَةُ ، وَأَهْلُهَا يُقَالُ لَهُمُ الْجَرَاجِمَةُ ، فَسَارَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ إِلَيْهَا مِنْ أَنْطَاكِيَةَ ، فَافْتَتَحَهَا صُلْحًا ، عَلَى أَنْ يَكُونُوا أَعْوَانًا لِلْمُسْلِمِينَ . وَفِيهَا سَيَّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ جَيْشًا مَعَ مَيْسَرَةَ بْنِ مَسْرُوقٍ الْعَبْسِيِّ ، فَسَلَكُوا دَرْبَ بَغْرَاسَ مِنْ أَعْمَالِ أَنْطَاكِيَةَ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَلَكَ ذَلِكَ الدَّرْبَ ، فَلَقِيَ جَمْعًا لِلرُّومِ مَعَهُمْ عَرَبٌ مِنْ غَسَّانَ وَتَنُوخَ وَإِيَادٍ يُرِيدُونَ اللَّحَاقَ بِهِرَقْلَ ، فَأَوْقَعَ مِنْهُمْ وَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً ، ثُمَّ لَحِقَ بِهِ مَالِكٌ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ مَدَدًا مِنْ قِبَلِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَهُوَ بِأَنْطَاكِيَةَ ، فَسَلِمُوا وَعَادُوا . وَسَيَّرَ جَيْشًا آخَرَ إِلَى مَرْعَشَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، فَفَتَحَهَا عَلَى إِجْلَاءِ أَهْلِهَا بِالْأَمَانِ وَأَخْرَبَهَا . وَسَيَّرَ جَيْشًا آخَرَ مَعَ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ إِلَى حِصْنِ الْحَدَثِ ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْحَدَثَ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَقُوا عَلَيْهِ غُلَامًا حَدَثًا فَقَاتَلَهُمْ فِي أَصْحَابِهِ ، فَقِيلَ دَرْبُ الْحَدَثِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أُصِيبُوا بِهِ فَقِيلَ دَرْبُ الْحَدَثِ ، وَكَانَ بَنُو أُمَيَّةَ يُسَمُّونَهُ دَرْبَ السَّلَامَةِ لِهَذَا الْمَعْنَى .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية