الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ فَتْحِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ إِيلِيَاءُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فُتِحَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ ، وَقِيلَ : سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ . وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ أَرْطَبُونُ إِيلِيَاءَ ، فَتَحَ عَمْرٌو غَزَّةَ ، وَقِيلَ : كَانَ فَتْحُهَا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ، ثُمَّ فَتَحَ سَبَسْطِيَةَ ، وَفِيهَا قَبْرُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّاءَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَفَتَحَ نَابُلُسَ بِأَمَانٍ عَلَى الْجِزْيَةِ ، وَفَتَحَ مَدِينَةَ لُدٍّ ، ثُمَّ فَتَحَ يُبْنَى وَعَمَوَاسَ وَبَيْتَ جِبْرِينَ ، وَفَتَحَ يَافَا ، وَقِيلَ : فَتَحَهَا مُعَاوِيَةُ ، وَفَتَحَ عَمْرٌو رَفَحَ . فَلَمَّا تَمَّ لَهُ ذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى أَرْطَبُونَ رَجُلًا يَتَكَلَّمُ بِالرُّومِيَّةِ وَقَالَ لَهُ : اسْمَعْ مَا يَقُولُ ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا ، فَوَصَلَ الرَّسُولُ ، وَدَفَعَ الْكِتَابَ إِلَى أَرْطَبُونَ وَعِنْدَهُ وُزَرَاؤُهُ ، فَقَالَ أَرْطَبُونُ : لَا يَفْتَحُ - وَاللَّهِ - عَمْرٌو شَيْئًا مِنْ فِلَسْطِينَ بَعْدَ أَجْنَادَيْنِ . فَقَالُوا لَهُ : مَنْ أَيْنَ عَلِمْتَ هَذَا ؟ فَقَالَ : صَاحِبُهَا رَجُلٌ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا ، وَذَكَرَ صِفَةَ عُمَرَ . فَرَجَعَ الرَّسُولُ إِلَى عَمْرٍو فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَقُولُ : إِنِّي أُعَالِجُ عَدُوًّا شَدِيدًا وَبِلَادًا قَدِ ادُّخِرَتْ لَكَ ، فَرَأْيَكَ . فَعَلِمَ عُمَرُ أَنَّ عَمْرًا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ إِلَّا بِشَيْءٍ سَمِعَهُ ، فَسَارَ عُمَرُ عَنِ الْمَدِينَةِ وَقِيلَ : كَانَ سَبَبُ قُدُومِ عُمَرَ إِلَى الشَّامِ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ حَصَرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَطَلَبَ أَهْلُهُ مِنْهُ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى صُلْحِ أَهْلِ مُدُنِ الشَّامِ ، وَأَنْ يَكُونَ الْمُتَوَلِّي لِلْعَقْدِ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ ، فَسَارَ عَنِ الْمَدِينَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ : أَيْنَ تَخْرُجُ بِنَفْسِكَ ؟ إِنَّكَ تُرِيدُ عَدُوًّا كَلِبًا . فَقَالَ عُمَرُ : أُبَادِرُ بِالْجِهَادِ قَبْلَ مَوْتِ الْعَبَّاسِ ، إِنَّكُمْ لَوْ فَقَدْتُمُ الْعَبَّاسَ لَانْتَقَضَ بِكُمُ الشَّرُّ كَمَا يَنْتَقِضُ [ أَوَّلُ ] الْحَبْلِ . فَمَاتَ الْعَبَّاسُ لِسِتِّ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ ، فَانْتَقَضَ بِالنَّاسِ الشَّرُّ وَسَارَ عُمَرُ فَقَدِمَ الْجَابِيَةَ عَلَى فَرَسٍ ، وَجَمِيعُ مَا قَدِمَ الشَّامَ أَرْبَعُ مَرَّاتٍ : الْأُولَى عَلَى فَرَسٍ ، الثَّانِيَةُ عَلَى بَعِيرٍ ، وَالثَّالِثَةُ عَلَى بَغْلٍ - رَجَعَ لِأَجْلِ الطَّاعُونِ - وَالرَّابِعَةُ عَلَى حِمَارٍ . وَكَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ أَنْ يُوَافُوهُ بِالْجَابِيَةِ لِيَوْمٍ سَمَّاهُ لَهُمْ فِي الْمُجَرَّدَةِ ، وَيَسْتَخْلِفُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ ، فَلَقُوهُ حَيْثُ رُفِعَتْ لَهُمُ الْجَابِيَةُ ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَهُ يَزِيدُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ ثُمَّ خَالِدٌ عَلَى الْخُيُولِ ، عَلَيْهِمُ الدِّيبَاجُ وَالْحَرِيرُ ، فَنَزَلَ وَأَخَذَ الْحِجَارَةَ وَرَمَاهُمْ بِهَا وَقَالَ : مَا أَسْرَعَ مَا رَجَعْتُمْ عَنْ رَأْيِكُمْ ! إِيَّايَ تَسْتَقْبِلُونَ فِي هَذَا الزِّيِّ وَإِنَّمَا شَبِعْتُمْ مُذْ سَنَتَيْنِ ! وَبِاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ هَذَا عَلَى رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ لَاسْتَبْدَلْتُ بِكُمْ غَيْرَكُمْ . فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّهَا يَلَامِقَةُ ، وَإِنَّ عَلَيْنَا السِّلَاحَ . قَالَ : فَنَعَمْ إِذَنْ . وَرَكِبَ حَتَّى دَخَلَ الْجَابِيَةَ وَعَمْرٌو وَشُرَحْبِيلُ كَأَنَّهُمَا لَمْ يَتَحَرَّكَا . فَلَمَّا قَدِمَ عُمَرُ الْجَابِيَةَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّكَ لَا تَرْجِعُ إِلَى بِلَادِكَ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ إِيلِيَاءَ ، وَكَانُوا قَدْ شَجُّوا عَمْرًا وَشَجَّهُمْ ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى الرَّمْلَةِ . فَبَيْنَمَا عُمَرُ مُعَسْكِرٌ بِالْجَابِيَةِ فَزِعَ النَّاسُ إِلَى السِّلَاحِ ، فَقَالَ : مَا شَأْنُكُمْ ؟ فَقَالُوا : أَلَا تَرَى إِلَى الْخَيْلِ وَالسُّيُوفِ ؟ فَنَظَرَ فَإِذَا كُرْدُوسٌ يُلْمِعُونَ بِالسُّيُوفِ . فَقَالَ عُمَرُ : مُسْتَأْمِنَةٌ فَلَا تُرَاعُوا ، فَأَمِّنُوهُمْ ، وَإِذَا أَهْلُ إِيلِيَاءَ وَحَيِّزِهَا ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى الْجِزْيَةِ وَفَتَحُوهَا لَهُ . وَكَانَ الَّذِي صَالَحَهُ الْعَوَّامُّ ، لِأَنَّ أَرْطَبُونَ وَالتَّذَارِقَ دَخَلَا مِصْرَ لَمَّا وَصَلَ عُمَرُ إِلَى الشَّامِ ، وَأَخَذُوا كِتَابَهُ عَلَى إِيلِيَاءَ وَحَيِّزِهَا وَالرَّمْلَةِ وَحَيِّزِهَا ، فَشَهِدَ ذَلِكَ الْيَهُودِيُّ الصُّلْحَ . فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنِ الدَّجَّالِ ، وَكَانَ كَثِيرَ السُّؤَالِ عَنْهُ . فَقَالَ لَهُ : وَمَا مَسْأَلَتُكَ عَنْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ أَنْتُمْ وَاللَّهِ تَقْتُلُونَهُ دُونَ بَابِ لُدٍّ بِبِضْعَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا . وَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَيْهِمْ بِالْأَمَانِ وَجَعَلَ عَلْقَمَةَ بْنَ حَكِيمٍ عَلَى نِصْفِ فِلَسْطِينَ وَأَسْكَنَهُ الرَّمْلَةِ ، وَجَعَلَ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزِّزٍ عَلَى نِصْفِهَا الْآخَرِ وَأَسْكَنَهُ إِيلِيَاءَ . وَضَمَّ عَمْرًا وَشُرَحْبِيلَ إِلَيْهِ بِالْجَابِيَةِ فَلَقِيَاهُ رَاكِبًا فَقَبَّلَا رُكْبَتَيْهِ ، وَضَمَّ عُمَرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُحْتَضِنَهُمَا . ثُمَّ سَارَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنَ الْجَابِيَةِ فَرَكِبَ فَرَسَهُ فَرَأَى بِهِ عَرَجًا ، فَنَزَلَ عَنْهُ وَأُتِيَ بِبِرْذَوْنٍ فَرَكِبَهُ ، فَجَعَلَ يَتَجَلْجَلُ بِهِ ، فَنَزَلَ وَضَرَبَ وَجْهَهُ وَقَالَ : لَا أَعْلَمُ مَنْ عَلَّمَكَ هَذِهِ الْخُيَلَاءَ ! ثُمَّ لَمْ يَرْكَبْ بِرْذَوْنًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ . وَفُتِحَتْ إِيلِيَاءُ وَأَهْلُهَا عَلَى يَدَيْهِ . وَقِيلَ : كَانَ فَتْحُهَا سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ ، وَلَحِقَ أَرْطَبُونُ وَمَنْ أَبَى الصُّلْحَ مِنَ الرُّومِ بِمِصْرَ ، فَلَمَّا مَلَكَ الْمُسْلِمُونَ مِصْرَ قُتِلَ ، وَقِيلَ : بَلْ لَحِقَ بِالرُّومِ ، فَكَانَ يَكُونُ عَلَى صَوَائِفِهِمْ ، وَالْتَقَى هُوَ وَصَاحِبُ صَائِفَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَمَعَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ يُقَالُ لَهُ ضُرَيْسٌ ، فَقَطَعَ يَدَ الْقَيْسِيِّ وَقَتَلَهُ الْقَيْسِيُّ ، فَقَالَ فِيهِ : فَإِنْ يَكُنْ أَرْطَبُونُ الرُّومِ أَفْسَدَهَا فَإِنَّ فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ مُنْتَفَعَا وَإِنْ يَكُنْ أَرْطَبُونُ الرُّومِ قَطَّعَهَا فَقَدْ تَرَكْتُ بِهَا أَوْصَالَهُ قِطَعَا

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية