الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْأَزَارِقَةِ قَدْ ذَكَرْنَا مَسِيرَ الْمُهَلَّبِ إِلَى الْأَزَارِقَةِ وَمُحَارَبَتَهُمْ إِلَى أَنْ فَارَقَهُ عَتَّابُ بْنُ وَرْقَاءَ الرِّيَاحِيُّ وَرَجَعَ إِلَى الْحَجَّاجِ ، وَأَقَامَ الْمُهَلَّبُ بَعْدَ مَسِيرِ عَتَّابٍ عَنْهُ يُقَاتِلُ الْخَوَارِجَ ، فَقَاتَلَهُمْ عَلَى سَابُورَ نَحْوَ سَنَةٍ قِتَالًا شَدِيدًا . ثُمَّ إِنَّهُ زَاحَفَهُمْ يَوْمَ الْبُسْتَانِ فَقَاتَلَهُمْ أَشَدَّ قِتَالٍ ، وَكَانَتْ كَرْمَانُ بِيَدِ الْخَوَارِجِ ، وَفَارِسَ بِيَدِ الْمُهَلَّبِ . فَضَاقَ عَلَى الْخَوَارِجِ مَكَانُهُمْ ، لَا يَأْتِيهِمْ مِنْ فَارِسَ مَادَّةٌ ، فَخَرَجُوا حَتَّى أَتَوْا كَرْمَانَ ، وَتَبِعَهُمُ الْمُهَلَّبُ بِالْعَسَاكِرِ حَتَّى نَزَلَ بِجِيرَفْتَ ، وَهِيَ مَدِينَةُ كَرْمَانَ ، فَقَاتَلَهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا . فَلَمَّا صَارَتْ فَارِسُ كُلُّهَا فِي يَدِ الْمُهَلَّبِ أَرْسَلَ الْحَجَّاجُ الْعُمَّالَ عَلَيْهَا ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ يَأْمُرُهُ أَنْ يَتْرُكَ بِيَدِ الْمُهَلَّبِ فَسَا ، وَدَرَابَجَرْدَ ، وَكُورَةَ إِصْطَخْرَ ، تَكُونُ لَهُ مَعُونَةً عَلَى الْحَرْبِ ، فَتَرَكَهَا لَهُ ، وَبَعَثَ الْحَجَّاجُ إِلَى الْمُهَلَّبِ الْبَرَاءَ بْنَ قَبِيصَةَ لِيُحِثَّهُ عَلَى قِتَالِ الْخَوَارِجِ ، وَيَأْمُرَهُ بِالْجِدِّ ، وَأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ عِنْدَهُ . فَخَرَجَ الْمُهَلَّبُ بِالْعَسَاكِرِ ، فَقَاتَلَ الْخَوَارِجَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ إِلَى الظُّهْرِ ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَالْبَرَاءُ عَلَى مَكَانٍ عَالٍ يَرَاهُمْ ، فَجَاءَ إِلَى الْمُهَلَّبِ فَقَالَ : مَا رَأَيْتُ كَتِيبَةً وَلَا فُرْسَانًا أَصْبَرَ وَلَا أَشَدَّ مِنَ الْفُرْسَانِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكَ . ثُمَّ إِنَّ الْمُهَلَّبَ رَجَعَ الْعَصْرَ ، فَقَاتَلَهُمْ كَقِتَالِهِمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، لَا يَصُدُّ كَتِيبَةً عَنْ كَتِيبَةٍ ، وَخَرَجَتْ كَتِيبَةٌ مِنْ كَتَائِبِ الْخَوَارِجِ لِكَتِيبَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْمُهَلَّبِ ، فَاشْتَدَّ بَيْنَهُمُ الْقِتَالُ إِلَى أَنْ حَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ ، فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا لِلْأُخْرَى : مَنْ أَنْتُمْ ؟ فَقَالَ هَؤُلَاءِ : نَحْنُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ . وَقَالَ هَؤُلَاءِ : نَحْنُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ . وَانْصَرَفُوا عِنْدَ الْمَسَاءِ . فَقَالَ الْمُهَلَّبُ لِلْبَرَاءِ بْنِ قَبِيصَةَ : كَيْفَ رَأَيْتَ قَوْمًا مَا يُعِينُكَ عَلَيْهِمْ إِلَّا اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - ؟ فَأَحْسَنَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْبَرَاءِ ، وَأَمَرَ لَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ . وَانْصَرَفَ الْبَرَاءُ إِلَى الْحَجَّاجِ ، وَعَرَّفَهُ عُذْرَ الْمُهَلَّبِ . ثُمَّ إِنَّ الْمُهَلَّبَ قَاتَلَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا ، لَا يَقْدِرُ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ . ثُمَّ إِنَّ عَامِلًا لِقَطَرِيٍّ عَلَى نَاحِيَةِ كَرْمَانَ يُدْعَى الْمُقَعْطَرَ الضَّبِّيَّ قَتَلَ رَجُلًا مِنْهُمْ ، فَوَثَبَتِ الْخَوَارِجُ إِلَى قَطَرِيٍّ وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُقِيدَهُمْ مِنَ الْمُقَعْطَرِ ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَقَالَ : إِنَّهُ تَأَوَّلَ فَأَخْطَأَ التَّأْوِيلَ ، مَا أَرَى أَنْ تَقْتُلُوهُ ، وَهُوَ مِنْ ذَوِي السَّابِقَةِ فِيكُمْ . فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ الِاخْتِلَافُ . وَقِيلَ : كَانَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي عَسْكَرِهِمْ يَعْمَلُ النُّصُولَ الْمَسْمُومَةَ ، فَيَرْمِي بِهَا أَصْحَابَ الْمُهَلَّبِ ، فَشَكَا أَصْحَابُهُ مِنْهَا ، فَقَالَ : أَكْفِيكُمُوهُ ، فَوَجَّهَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَمَعَهُ كِتَابٌ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُلْقِيَهُ فِي عَسْكَرِ قَطَرِيٍّ وَلَا يَرَاهُ أَحَدٌ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ، وَوَقَعَ الْكِتَابُ إِلَى قَطَرِيٍّ ، فَرَأَى فِيهِ : أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّ نِصَالَكَ وَصَلَتْ ، وَقَدْ أَنْفَذْتُ إِلَيْكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ . فَأَحْضَرَ الصَّانِعَ فَسَأَلَهُ فَجَحَدَ ، فَقَتَلَهُقَطَرِيٌّ ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عَبْدُ رَبِّهُ الْكَبِيرُ قَتْلَهُ ، وَاخْتَلَفُوا . ثُمَّ وَضَعَ الْمُهَلَّبُ رَجُلًا نَصْرَانِيًا ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقْصِدَ قَطَرِيًّا وَيَسْجُدَ لَهُ ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَهُ الْخَوَارِجُ : إِنَّ هَذَا قَدِ اتَّخَذَكَ إِلَهًا . وَوَثَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى النَّصْرَانِيِّ فَقَتَلَهُ ، فَزَادَ اخْتِلَافُهُمْ ، وَفَارَقَ بَعْضُهُمْ قَطَرِيًّا ، ثُمَّ وَلُّوا عَبْدَ رَبِّهِ الْكَبِيرَ وَخَلَعُوا قَطَرِيًّا ، وَبَقِيَ مَعَ قَطَرِيٍّ مِنْهُمْ نَحْوٌ مِنْ رُبْعِهِمْ أَوْ خُمُسِهِمْ ، وَاقْتَتَلُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ نَحْوًا مِنْ شَهْرٍ . وَكَتَبَ الْمُهَلَّبُ إِلَى الْحَجَّاجِ بِذَلِكَ . فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْحَجَّاجُ يَأْمُرُهُ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ عَلَى حَالِ اخْتِلَافِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعُوا ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُهَلَّبُ : إِنِّي لَسْتُ أَرَى أَنْ أُقَاتِلَهُمْ مَا دَامَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَإِنْ تَمُّوا عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ الَّذِي نُرِيدُ ، وَفِيهِ هَلَاكُهُمْ ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا لَمْ يَجْتَمِعُوا إِلَّا وَقَدْ رَقَّقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَأُنَاهِضُهُمْ حِينَئِذٍ وَهُمْ أَهْوَنُ مَا كَانُوا وَأَضْعَفُهُ شَوْكَةً إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَالسَّلَامُ . فَسَكَتَ عَنْهُ الْحَجَّاجُ ، وَتَرَكَهُمُ الْمُهَلَّبُ يَقْتَتِلُونَ شَهْرًا لَا يُحَرِّكُهُمْ ، ثُمَّ إِنَّ قَطَرِيًّا خَرَجَ بِمَنِ اتَّبَعَهُ نَحْوَ طَبَرِسْتَانَ ، وَبَايَعَ الْبَاقُونَ عَبَدَ رَبِهِ الْكَبِيرَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية