الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          جزء صفحة
                                                                                                                                                                                          بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الشُّفْعَةِ 1595 مَسْأَلَةٌ : الشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ جُزْءٍ بِيعَ مُشَاعًا غَيْرَ مَقْسُومٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ مِمَّا يَنْقَسِمُ ، وَمِمَّا لَا يَنْقَسِمُ : مِنْ أَرْضٍ ، أَوْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَأَكْثَرَ ، أَوْ عَبْدٍ ، أَوْ ثَوْبٍ ، أَوْ أَمَةٍ ، أَوْ مِنْ سَيْفٍ ، أَوْ مِنْ طَعَامٍ ، أَوْ مِنْ حَيَوَانٍ ، أَوْ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ بِيعَ : لَا يَحِلُّ لِمَنْ لَهُ ذَلِكَ الْجُزْءُ أَنْ يَبِيعَهُ حَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَى شَرِيكِهِ أَوْ شُرَكَائِهِ فِيهِ ، فَإِنْ أَرَادَ مَنْ يُشْرِكُهُ فِيهِ الْأَخْذَ لَهُ بِمَا أَعْطَى فِيهِ غَيْرُهُ فَالشَّرِيكُ أَحَقُّ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَأْخُذَ فَقَطْ سَقَطَ حَقُّهُ ، وَلَا قِيَامَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إذَا بَاعَهُ مِمَّنْ بَاعَهُ . فَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرْنَا حَتَّى بَاعَهُ مِنْ غَيْرِ مَنْ يُشْرِكُهُ فِيهِ ؟ فَمَنْ يُشْرِكُهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُمْضِيَ ذَلِكَ الْبَيْعَ وَبَيْنَ أَنْ يُبْطِلَهُ وَيَأْخُذَ ذَلِكَ الْجُزْءَ لِنَفْسِهِ بِمَا بِيعَ بِهِ . وَهَا هُنَا خِلَافٌ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ : أَحَدُهَا هَلْ يَجُوزُ بَيْعُ الْمُشَاعِ أَمْ لَا ؟ وَالثَّانِي : هَلْ يَكُونُ فِي بَيْعِهِ شُفْعَةٌ أَمْ لَا ؟ وَالثَّالِثُ : الْأَشْيَاءُ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا الشُّفْعَةُ . وَالرَّابِعُ : إنْ عَرَضَ الْبَائِعُ عَلَى مَنْ يُشْرِكُهُ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَ فَأَبَى شَرِيكُهُ مِنْ الْأَخْذِ هَلْ يَسْقُطُ حَقُّهُ بِذَلِكَ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ يَعْلَى وَهُوَ تَابِعِيٌّ قَاضِي الْبَصْرَةِ : لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُشَاعِ ، رُوِّينَا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ أَنَا أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ قَالَ : رُفِعَ إلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يَعْلَى قَاضِي الْبَصْرَةِ رَجُلٌ بَاعَ نَصِيبًا لَهُ غَيْرَ مَقْسُومٍ فَلَمْ يُجِزْهُ ، فَذَكَرَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَرَآهُ غَيْرَ جَائِزٍ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : لَا بَأْسَ بِالشَّرِيكَيْنِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا الْمَتَاعُ أَوْ الشَّيْءُ الَّذِي لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ يُقَاسِمَهُ . وَقَالَ الْحَسَنُ : لَا يَبِعْ مِنْهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ حَتَّى يُقَاسِمَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لُؤْلُؤَةً أَوْ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى قِسْمَتِهِ . وَأَجَازَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ بَيْعَ الْمُشَاعِ وَلَمْ يَرَ الشُّفْعَةَ لِلشَّرِيكِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيُّ : لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي الْأَرْضِ فَقَطْ أَوْ فِي أَرْضٍ بِمَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ أَوْ شَجَرٍ نَابِتٍ فَقَطْ . قَالَ مَالِكٌ : الشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ فِي الْأَرْضِ وَحْدَهَا ، وَفِي الْأَرْضِ بِمَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ أَوْ شَجَرٍ نَابِتٍ ، أَوْ فِي الثِّمَارِ الَّتِي فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ وَإِنْ بِيعَتْ دُونَ الْأُصُولِ . وَرُوِّينَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا فَحْلٍ : رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا فَحْلٍ وَالْأُرْفُ يَقْطَعُ كُلَّ شُفْعَةٍ . الْأُرْفُ الْحُدُودُ وَالْمَعَالِمُ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَبُرْهَانُ صِحَّةِ قَوْلِنَا : مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ أَنَا مُسَدَّدٌ أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ هُوَ ابْنُ زِيَادٍ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ } . وَمِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا أَنَا مَحْمُودُ هُوَ ابْنُ غَيْلَانَ أَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : { جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ } . وَوَجَدْت فِي كِتَابِ يَحْيَى بْنِ مَالِكِ بْنِ عَائِذٍ بِخَطِّهِ : أَخْبَرَنِي الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ : نا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيَّ قَالَ نا مُحَمَّدُ بْنُ خُزَيْمَةَ أَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ هُوَ الْقَرَاطِيسِيُّ أَنَا ابْنُ إدْرِيسَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ الْأَوْدِيُّ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ } . قَالَ الطَّحَاوِيَّ : وَحَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُد نا نُعَيْمٌ أَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ أَبِي حَمْزَةَ السُّكَّرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الشَّرِيكُ شَفِيعٌ وَالشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ } . وَمِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ فَيَأْخُذُ أَوْ يَدَعُ ، فَإِنْ أَبَى فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ } . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ مُتَظَاهِرَةٌ بِكُلِّ مَا قُلْنَا ، جَابِرٌ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ { الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَالٍ ، وَفِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَفِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ . } وَرَوَاهَا كَذَا عَنْ جَابِرٍ : أَبُو الزُّبَيْرِ سَمَاعًا مِنْهُ وَعَطَاءٌ ، وَأَبُو سَلَمَةَ ، وَرَوَاهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، فَارْتَفَعَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً وَلِلَّهِ تَعَالَى الْحَمْدُ . وَمِمَّنْ قَالَ بِقَوْلِنَا فِي هَذَا كَمَا رُوِّينَا عَنْ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَوْنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ : إذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَعَرَفَ النَّاسُ حُقُوقَهُمْ فَلَا شُفْعَةَ بَيْنَهُمْ . وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا هُشَيْمٌ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مَنْظُورِ بْنِ أَبِي ثَعْلَبَةَ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ أَبَاهُ عُثْمَانَ قَالَ : لَا مُكَايَلَةَ إذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ . فَهَذَانِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَحْمِلَانِ قَطْعَ الشُّفْعَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا بِوُقُوعِ الْحُدُودِ ، وَمَعْرِفَةِ النَّاسِ حُقُوقَهُمْ وَلَمْ يَخُصَّا أَرْضًا دُونَ سَائِرِ الْأَمْوَالِ ، بَلْ أَجْمَلَا ذَلِكَ ، وَالْحُدُودُ تَقَعُ فِي كُلِّ جِسْمٍ مَبِيعٍ ، وَكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ كُلِّ أَحَدٍ حَقَّهُ . وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ ابْنِ مُلَيْكَةَ قَالَ : { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ : الْأَرْضِ وَالدَّارِ ، وَالْجَارِيَةِ ، وَالْخَادِمِ } . فَقَالَ عَطَاءٌ : إنَّمَا الشُّفْعَةُ فِي الْأَرْضِ وَالدَّارِ . فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ : تَسْمَعُنِي لَا أُمَّ لَكَ ، أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ تَقُولُ مِثْلَ هَذَا وَإِلَى هَذَا رَجَعَ عَطَاءٌ كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ قَالَ أَنَا أَبَانُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ : سَأَلْت عَطَاءً عَنْ الشُّفْعَةِ فِي الثَّوْبِ ؟ فَقَالَ : لَهُ شُفْعَةٌ وَسَأَلْته عَنْ الْحَيَوَانِ ؟ فَقَالَ : لَهُ شُفْعَةٌ وَسَأَلْته عَنْ الْعَبْدِ ؟ فَقَالَ : لَهُ شُفْعَةٌ . فَهَذَانِ : عَطَاءٌ ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ بِأَصَحِّ إسْنَادٍ عَنْهُمَا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَلَا تَخْلُو الشُّفْعَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ طَرِيقِ النَّصِّ كَمَا نَقُولُ نَحْنُ أَوْ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ كَمَا يَقُولُ الْمُخَالِفُونَ . فَإِنْ كَانَتْ مِنْ طَرِيقِ النَّصِّ فَهَذِهِ النُّصُوصُ الَّتِي أَوْرَدْنَا لَا يَحِلُّ الْخُرُوجُ عَنْهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ طَرِيقِ النَّظَرِ كَمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهَا إنَّمَا جُعِلَتْ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَنْ الشَّرِيكِ فَالْعِلَّةُ بِذَلِكَ مَوْجُودَةٌ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ كَمَا هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الْعَقَارِ ، بَلْ أَكْثَرُ ، وَفِيمَا لَا يَنْقَسِمُ ، كَوُجُودِهَا فِيمَا يَنْقَسِمُ ، بَلْ هِيَ فِيمَا لَا يَنْقَسِمُ أَشَدُّ ضَرَرًا . فَأَمَّا مَنْ مَنَعَ بَيْعَ الْمُشَاعِ فَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً أَصْلًا ، بَلْ هُوَ خِلَافُ الْقُرْآنِ ، وَالسُّنَّةِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } . وَقَالَ تَعَالَى : { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } . فَهَذَا بَيْعٌ لَمْ يُفَصَّلْ لَنَا تَحْرِيمُهُ فَهُوَ حَلَالٌ . وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْحَنَفِيِّينَ الْمُحَرِّمِينَ رَهْنَ الْجُزْءِ مِنْ الْمُشَاعِ ، وَهِبَةَ الْجُزْءِ مِنْ الْمُشَاعِ ، وَالصَّدَقَةَ بِالْجُزْءِ مِنْ الْمُشَاعِ ، وَالْإِجَارَةَ لِلْجُزْءِ الْمُشَاعِ : أَنْ يَمْنَعُوا مِنْ بَيْعِ الْجُزْءِ مِنْ الْمُشَاعِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي كُلِّ ذَلِكَ وَاحِدَةٌ ، وَالْقَبْضُ وَاجِبٌ فِي الْبَيْعِ كَمَا هُوَ فِي الْهِبَةِ ، وَالرَّهْنِ ، وَالصَّدَقَةِ وَالْإِجَارَةِ وَلَكِنَّ التَّخَاذُلَ فِي أَقْوَالِهِمْ فِي الدِّينِ أَخَفُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ . فَإِنْ قَالُوا : اتَّبَعْنَا فِي إجَازَةِ بَيْعِ الْمُشَاعِ الْآثَارَ الْمَذْكُورَةَ ؟ قُلْنَا : مَا فَعَلْتُمْ ، بَلْ خَالَفْتُمُوهَا كَمَا نُبَيِّنُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَقْرَبُ ذَلِكَ مُخَالَفَتُكُمْ إيَّاهَا فِي سُقُوطِ حَقِّ الشَّرِيكِ إذَا عَرَضَ عَلَيْهِ الْأَخْذَ قَبْلَ الْبَيْعِ فَلَمْ يَأْخُذْ ، فَقُلْتُمْ : بَلْ حَقُّهُ بَاقٍ وَلَا يَسْقُطُ . وَأَيْضًا فَقَدْ جَاءَ نَصٌّ بِهِبَةِ الْمُشَاعِ إذْ { وَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَشْعَرِيِّينَ ثَلَاثَ ذَوْدٍ مِنْ الْإِبِلِ بَيْنَهُمْ } فَلَمْ تُجِيزُوهُ . وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالشُّفْعَةِ فَإِنَّ حُجَّتَهُ أَنْ يَقُولَ : خَبَرُ الشُّفْعَةِ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ ، وَمَنْ مَلَكَ شَيْئًا بِالشِّرَاءِ فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ وَهَذَا خِلَافٌ لِمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَلَقَدْ كَانَ يَلْزَمُ الْحَنَفِيِّينَ الْمُخَالِفِينَ لِلثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُكْمِ الْمُصَرَّاةِ ، وَمِنْ حُكْمِ مَنْ وَجَدَ سِلْعَتَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ فَهُوَ أَوْلَى بِهَا ، وَالْقُرْعَةُ بَيْنَ الْأَعْبُدِ السِّتَّةِ فِي الْعِتْقِ ، وَقَالُوا : هَذِهِ الْأَخْبَارُ مُخَالِفَةٌ لِلْأُصُولِ أَنْ يَقُولُوا مِثْلَ هَذَا فِي خَبَرِ الشُّفْعَةِ ، وَلَكِنَّ التَّنَاقُضَ أَسْهَلُ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ ، وَلَا حُجَّةَ فِي نَظَرٍ مَعَ حُكْمٍ ثَابِتٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا الْخِلَافُ فِيمَا تَكُونُ فِيهِ الشُّفْعَةُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إنَّمَا ذَكَرَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ { فِي كُلِّ شِرْكٍ فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ . } وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ { فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ } وَمَا نَعْلَمُ لَهُمْ شَيْئًا شَغَبُوا بِهِ إلَّا هَذَا . فَجَوَابُنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ : أَنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ ، أَمَّا { قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : فِي كُلِّ شِرْكٍ فِي أَرْضٍ أَوْ رَبْعٍ أَوْ حَائِطٍ } فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي هَذَا فَقَطْ ، وَإِنَّمَا فِيهِ إيجَابُ الشُّفْعَةِ فِي الْأَرْضِ وَالرَّبْعِ وَالْحَائِطِ ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ هَلْ الشُّفْعَةُ فِيمَا عَدَاهَا أَمْ لَا ؟ فَوَجَبَ طَلَبُ حُكْمِ مَا عَدَا هَذِهِ فِي غَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ ، وَقَدْ وَجَدْنَا خَبَرَ جَابِرٍ هَذَا نَفْسِهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ بِأَنَّ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَمَا يَجْهَلُ أَنَّ عَطَاءً فَوْقَ أَبِي الزُّبَيْرِ إلَّا جَاهِلٌ . وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ كَانَ لَهُ شَرِيكٌ فِي رَبْعَةٍ أَوْ نَخْلٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ ، فَإِنْ رَضِيَ أَخَذَ ، وَإِنْ كَرِهَ تَرَكَ } أَفَتَرَوْنَ هَذَا حُجَّةً فِي أَنْ لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي رَبْعٍ أَوْ نَخْلٍ فَقَطْ دُونَ سَائِرِ الثِّمَارِ ؟ فَإِنْ قَالُوا : قَدْ جَاءَ خَبَرٌ آخَرُ بِزِيَادَةٍ ؟ قُلْنَا : وَقَدْ جَاءَ خَبَرٌ آخَرُ لَنَا أَيْضًا بِزِيَادَةٍ { كُلُّ مَالٍ لَمْ يُقْسَمْ } وَلَا فَرْقَ فَكَيْفَ وَالْحَنَفِيُّونَ ، وَالْمَالِكِيُّونَ ، وَالشَّافِعِيُّونَ ، الْمُخَالِفُونَ لَنَا فِي هَذَا أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ ، فَهَلَّا قَاسُوا عَلَى حُكْمِ الْأَرْضِ ، وَالْحَائِطِ ، وَالْبِنَاءِ : سَائِرَ الْأَمْلَاكِ بِعِلَّةِ الضَّرَرِ وَدَفْعِهِ ، كَمَا قَاسُوا عَلَى الذَّهَبِ ، وَالْفِضَّةِ ، وَالْبُرِّ ، وَالشَّعِيرِ ، وَالْمِلْحِ ، وَالتَّمْرِ : سَائِرَ الْأَنْوَاعِ ؟ فَلَيْتَ شِعْرِي مَا الْمُوجِبُ لِلْقِيَاسِ هُنَالِكَ وَفِي سَائِرِ مَا قَاسُوا فِيهِ وَمُنِعَ مِنْهُ هَاهُنَا ، لَا سِيَّمَا وَالْمَالِكِيُّونَ ، وَالشَّافِعِيُّونَ يَجْعَلُونَ الشُّفْعَةَ فِي الصَّدَاقِ قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ ، فَهَلَّا قَاسُوا الْبَيْعَ عَلَى الْبَيْعِ ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِ الصَّدَاقِ عَلَى الْبَيْعِ ؟ وَالْمَالِكِيُّونَ يَرَوْنَ الشُّفْعَةَ فِي الثَّمَرَةِ دُونَ الْأُصُولِ ، فَهَلَّا قَاسُوا غَيْرَ الثَّمَرَةِ عَلَى الْعَقَارِ كَمَا قَاسُوا الثَّمَرَةَ عَلَى الْعَقَارِ ، لَا سِيَّمَا مَعَ إقْرَارِهِ بِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ أَحَدًا قَالَ بِذَلِكَ قَبْلَهُ . ثُمَّ كُلُّهُمْ مُخَالِفُونَ لِهَذَا الْخَبَرِ نَفْسِهِ ، فِي أَنَّهُمْ لَا يُسْقِطُونَ حَقَّ لِلشَّرِيكِ فِي الشُّفْعَةِ إذَا عَرَضَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ أَخْذَ الشِّقْصِ بِمَا يُعْطَى فِيهِ فَلَمْ يَأْخُذْهُ ، فَكَيْفَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَجْعَلَ بَعْضَ خَبَرٍ حُجَّةً ، لَا سِيَّمَا فِيمَا لَيْسَ فِيهِ مِنْهُ شَيْءٌ ، وَلَا يَجْعَلُهُ حُجَّةً فِيمَا هُوَ فِيهِ مَنْصُوصٌ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ مِثْلِ هَذَا . وَأَمَّا اللَّفْظُ الَّذِي فِي رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ { فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتْ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ } فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ نَصٌّ وَلَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْأَرْضِ ، وَالْعَقَارِ ، وَالْبِنَاءِ . بَلْ الْحُدُودُ وَاقِعَةٌ فِي كُلِّ مَا يَنْقَسِمُ مِنْ طَعَامٍ ، وَحَيَوَانٍ ، وَنَبَاتٍ ، وَعُرُوضٍ ، وَإِلَى كُلِّ ذَلِكَ طَرِيقُ ضَرُورَةٍ ، كَمَا هُوَ إلَى الْبِنَاءِ وَإِلَى الْحَائِطِ وَلَا فَرْقَ ، وَكَانَ ذِكْرُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْحُدُودِ وَالطُّرُقِ إعْلَامًا بِحُكْمِ مَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ ، وَبَقِيَ الْحُكْمُ فِيمَا لَا يُقْسَمُ عَلَى حَسْبِهِ ، فَكَيْفَ وَأَوَّلُ الْحَدِيثِ بَيَانٌ كَافٍ فِي أَنَّ الشُّفْعَةَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ مَالٍ يُقْسَمُ ، وَفِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ ، وَهَذَا عُمُومٌ لِجَمِيعِ الْأَمْوَالِ مَا احْتَمَلَ مِنْهَا الْقِسْمَةَ وَمَا لَمْ يَحْتَمِلْهَا . وَمِنْ الْبَاطِلِ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ بِهَذَا الْحُكْمِ " الْأَرْضَ " فَقَطْ ; ثُمَّ يُجْمِلُ هَذَا الْإِجْمَالَ ، حَاشَا لِلَّهِ مِنْ هَذَا ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْبَيَانِ لَا بِالْإِبْهَامِ وَالتَّلْبِيسِ هَذَا أَمْرٌ لَا يَتَشَكَّلُ فِي عَقْلِ ذِي عَقْلٍ سِوَاهُ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مُتَعَلِّقٌ ، وَقَدْ جَسَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى جَارِي عَادَتِهِ فِي الْكَذِبِ فَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ الشُّفْعَةِ فِي الْأَرْضِ ، وَالْبِنَاءِ ، وَالْأَشْجَارِ فَقَطْ ، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى سُقُوطِ الشُّفْعَةِ فِيمَا سِوَاهَا . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَمَّا الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الشُّفْعَةِ فِي الْأَرْضِ وَمَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ وَشَجَرٍ : فَقَدْ أَوْرَدْنَا عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يَعْلَى وَعُثْمَانَ الْبَتِّيِّ خِلَافَ ذَلِكَ ، وَهَؤُلَاءِ فُقَهَاءُ تَابِعُونَ . وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنْ لَا شُفْعَةَ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ ، فَقَدْ ذَكَرْنَا عُمُومَ الرِّوَايَةِ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ، وَالرِّوَايَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، وَعَطَاءٍ ، وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ أَهْلِ مَكَّةَ ، وَهَذَا مَالِكٌ يَرَى الشُّفْعَةَ فِي الثَّمَرَةِ الْمَبِيعَةِ دُونَ الْأَصْلِ . وَمَا نَعْلَمُ رُوِيَ إسْقَاطُ الشُّفْعَةِ فِيمَا عَدَا الْأَرْضِ إلَّا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَشُرَيْحٍ ، وَابْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَلَا يَصِحُّ عَنْهُمْ ، وَعَنْ عَطَاءٍ وَقَدْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ ، وَالشَّعْبِيِّ ، وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَرَبِيعَةَ ، وَهُوَ عَنْ هَؤُلَاءِ صَحِيحٌ . أَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ : فَإِنَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَا شُفْعَةَ فِي الْحَيَوَانِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَجْهُولٌ وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا : أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ ، كَمَا لَيْسَ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ إسْقَاطُ الشُّفْعَةِ عَنْ غَيْرِ الْبُرِّ وَالْفَحْلِ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَا جُمْلَةً . وَأَمَّا ابْنُ الْمُسَيِّبِ : فَهُوَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَمْعَانَ وَهُوَ مَذْكُورٌ بِالْكَذِبِ وَهُوَ عَنْ شُرَيْحٍ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، وَيَكْفِي . وَرُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَا هُشَيْمٌ عَنْ عُبَيْدَةَ ، وَجَرِيرُ ، وَيُونُسُ ، قَالَ عُبَيْدَةُ عَنْ إبْرَاهِيمَ ، وَقَالَ جَرِيرٌ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَا جَمِيعًا : لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي دَارٍ ، أَوْ عَقَارٍ ، وَقَالَ يُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ : لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي تُرْبَةٍ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَمِثْلُ عَدَدِ هَؤُلَاءِ لَا يَعُدُّهُمْ إجْمَاعًا إلَّا كَذَّابٌ ، قَلِيلُ الْحَيَاءِ وَقَدْ أَوْرَدْنَا الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ عَمَّنْ ذَكَرْنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . وَقَدْ خَالَفَ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ مَالِكٌ ، فَرَأَى الشُّفْعَةَ فِي التِّينِ ، وَالْعِنَبِ ، وَالزَّيْتُونِ ، وَالْفَوَاكِهِ فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ ، وَلَيْسَتْ دَارًا ، وَلَا عَقَارًا ، وَلَا تُرْبَةً وَرَأَى ابْنُ شُبْرُمَةَ الشُّفْعَةَ فِي الْمَاءِ . وَالْعَجَبُ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ فِي إجْبَارِهِمْ الشَّرِيكَ عَلَى أَنْ يَبِيعَ مَعَ شَرِيكِهِ ، وَلَمْ يُوجِبْ قَطُّ ذَلِكَ نَصٌّ ، وَلَا أَثَرٌ ، وَلَا قِيَاسٌ ، وَلَا نَظَرٌ ، ثُمَّ لَا يُوجِبُ لَهُ الشُّفْعَةَ ، وَقَدْ جَاءَ بِهَا النَّصُّ . وَعَجَبٌ آخَرُ مِنْهُمْ ، وَمِنْ الْحَنَفِيِّينَ فِي قَوْلِهِمْ : الْمُسْنَدُ كَالْمُرْسَلِ سَوَاءٌ ، حَتَّى أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ : بَلْ الْمُرْسَلُ أَقْوَى ، وَقَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا : أَحْسَنَ الْمَرَاسِيلِ بِإِيجَابِ الشُّفْعَةِ فِي الْجَارِيَةِ وَفِي الْخَادِمِ . وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِي الْعَبْدِ شُفْعَةٌ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ } وَمَا نَعْلَمُ فِي الْمُرْسَلَاتِ أَقْوَى مِنْ هَذَا فَخَالَفُوهُ ، وَمَا عَابُوهُ إلَّا بِإِرْسَالٍ ؟ فَأَيُّ دِينٍ ، أَوْ أَيُّ إحْيَاءٍ ، يَبْقَى مَعَ هَذَا ؟ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ . وَأَمَّا سُقُوطُ حَقِّ الشَّرِيكِ إذَا عَرَضَ عَلَيْهِ شَرِيكُهُ الْأَخْذَ فَلَمْ يَأْخُذْهُ ، فَإِنَّ الْحَنَفِيِّينَ حَاشَا الطَّحَاوِيَّ ، وَالْمَالِكِيِّينَ ، وَالشَّافِعِيِّينَ ، قَالُوا : لَا يَسْقُطُ حَقُّهُ بِذَلِكَ ، بَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْدَ الْبَيْعِ ، وَاحْتَجُّوا بِأَنْ قَالُوا : بِأَنَّ الشُّفْعَةَ لَمْ تَجِبْ لَهُ بَعْدُ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ لَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ ؟ فَتَرْكُهُ مَا لَمْ يَجِبْ لَهُ بَعْدُ لَا مَعْنَى لَهُ ، وَلَا يَسْقُطُ حَقُّهُ إذَا وَجَبَ ، مَا لَهُمْ حُجَّةٌ غَيْرُ هَذَا أَصْلًا . وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ : أَوَّلُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ : إنَّ الشُّفْعَةَ لَمْ تَجِبْ لَهُ بَعْدُ ، فَهَذَا بَاطِلٌ ; لِأَنَّ الشُّفْعَةَ وَغَيْرَ الشُّفْعَةِ مِنْ أَحْكَامِ الدِّيَانَةِ كُلِّهَا لَا تَجِبُ إلَّا إذَا أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَّا فَمَا لَمْ يَجِئْ هَذَا الْمَجِيءَ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ الدِّينِ ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ حَقَّ الشَّفِيعِ بِعَرْضِ الشُّفْعَةِ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ ، وَأَسْقَطَ حَقَّهُ بِتَرْكِهِ الْأَخْذَ حِينَئِذٍ ، وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ حَقًّا أَصْلًا ، إلَّا بِأَنْ لَا يَعْرِضَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبَيْعِ فَحِينَئِذٍ يَبْقَى لَهُ الْحَقُّ بَعْدَ الْبَيْعِ ، وَإِلَّا فَلَا هَذَا هُوَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَلْيَأْتُونَا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنَّ الْأَخْذَ لَا يَجِبُ لِلشَّفِيعِ إلَّا بَعْدَ الْبَيْعِ فَقَطْ ، وَهَذَا مَا لَا يَجِدُونَهُ أَبَدًا فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ مِنْ كَثَبٍ . وَلَيْتَ شِعْرِي أَيْنَ كَانَ الْحَنَفِيُّونَ عَنْ هَذَا النَّظَرِ حَيْثُ أَجَازُوا الزَّكَاةَ قَبْلَ الْحَوْلِ ، نَعَمْ ، وَقَبْلَ دُخُولِهِ ، وَالْمَالِكِيُّونَ كَذَلِكَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ بِشَهْرَيْنِ ، وَالشَّافِعِيُّونَ كَذَلِكَ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ ؟ وَأَيْنَ كَانَ الْمَالِكِيُّونَ عَنْ هَذَا النَّظَرِ حَيْثُ أَجَازُوا إذْنَ الْوَارِثِ لِلْمُوصِي فِي أَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ وَالْمَالُ لَمْ يَجِبْ لَهُمْ بَعْدُ ، وَلَا لَهُمْ فِيهِ حَقٌّ وَلَعَلَّهُ هُوَ يَرِثُهُمْ أَوْ لَعَلَّهُ سَيَحْدُثُ لَهُ وَلَدٌ يَحْجُبُهُمْ ؟ وَأَيْنَ كَانُوا عَنْ هَذَا النَّظَرِ فِي إجَازَتِهِمْ الطَّلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ ، وَالْعِتْقَ قَبْلَ الْمِلْكِ ، فَأُعْجِبُوا لِهَذِهِ التَّخَالِيطِ وَبِهِ يَقُولُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ فِي الرَّجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا دَارٌ أَوْ أَرْضٌ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ : أُرِيدُ أَنْ أَبِيعَ وَلَك الشُّفْعَةُ فَاشْتَرِ مِنِّي ، فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ : لَا حَاجَةَ لِي بِهِ ، قَدْ أَذِنْت لَك أَنْ تَبِيعَ ، فَبَاعَ ، ثُمَّ يَأْتِي طَالِبُ الشُّفْعَةِ فَيَقُولُ قَدْ قَامَ الثَّمَنُ وَأَنَا أَحَقُّ ، قَالَ الْحَكَمُ : لَا شَيْءَ لَهُ إذَا أَذِنَ . قَالَ سُفْيَانُ : وَبِهِ نَأْخُذُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَإِسْحَاقَ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ . وَأَحَدُ قَوْلَيْ أَحْمَدَ : وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : قَدْ جَاءَ هَذَا الْخَبَرُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَفِيهِ : لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ ؟ قُلْنَا : لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبُو الزُّبَيْرِ سَمَاعًا مِنْ جَابِرٍ ، وَهُوَ قَدْ اعْتَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ سَمَاعًا فَإِنَّهُ حَدَّثَهُ بِهِ مَنْ لَمْ يُسَمِّهِ عَنْ جَابِرٍ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ آخِرُ الْخَبَرِ حَاكِمًا عَلَى أَوَّلِهِ ، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ شَيْءٍ ، صَحَّ مِنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَا خَبَرٌ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ أَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ { قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَرِكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ : رَبْعَةٍ ، أَوْ حَائِطٍ ، لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤْذِنَ شَرِيكَهُ ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ } قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : فَإِنَّمَا جَعَلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ الْبَيْعِ الَّذِي لَا يَحِلُّ أَحَقَّ فَقَطْ ، فَلَاحَ أَنَّ الْحَقَّ فِي الْأَخْذِ أَوْ التَّرْكِ بَعْدَ الْبَيْعِ إلَى الشَّفِيعِ إذَا لَمْ يُؤْذَنْ قَبْلَ الْبَيْعِ فَإِنْ أَبْطَلَهُ بَطَلَ وَإِنْ أَجَازَهُ فَحِينَئِذٍ جَازَ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ .

                                                                                                                                                                                          ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية