الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                            مواهب الجليل في شرح مختصر خليل

                                                                                                                            الحطاب - محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعينى

                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            ص: ( أَوْ حَلْقٍ ) ش: مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْبُرْزُلِيُّ : مَنْ رَعَفَ فَأَمْسَكَ أَنْفَهُ فَخَرَجَ الدَّمُ مِنْ فِيهِ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى حَلْقِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْفَذَ الْأَنْفِ إِلَى الْفَمِ دُونَ الْجَوْفِ، فَهُوَ مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْجَوْفِ لَا شَيْءَ فِيهِ، انْتَهَى. ص: ( وَإِنْ مِنْ أَنْفٍ وَأُذُنٍ وَعَيْنٍ ) ش: قَالَ اللَّخْمِيُّ : يُمْنَعُ الِاسْتِعَاطُ؛ لِأَنَّهُ مَنْفَذٌ مُتَّسِعٌ، وَلَا يَنْفَكُّ الْمُسْتَعِطُ مِنْ وُصُولِ ذَلِكَ إِلَى حَلْقِهِ، وَلَمْ يَخْتَلَفْ فِي وَقْعِ الْفِطْرِ، انْتَهَى مِنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَبِيرِ . قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ : وَلَا يَكْتَحِلُ وَلَا يَصُبُّ فِي أُذُنِهِ دُهْنًا، إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ. فَإِنِ اكْتَحَلَ بِإِثْمِدٍ وَصَبْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ صَبَّ فِي أُذُنِهِ دُهْنًا لِوَجَعٍ بِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَوَصَلَ ذَلِكَ إِلَى حَلْقِهِ، فَلْيَتَمَادَ فِي صَوْمِهِ وَلَا يُفْطِرْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا يُكَفِّرْ إِنْ كَانَ فِي رَمَضَانَ. فَإِنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى حَلْقِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ أَشْهَبُ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ : قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ. وَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ لَا يَصِلُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَيْضًا غَلَطٌ، وَلَعَلَّهُ مِنَ النَّاسِخِ. وَصَوَابُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَمَا يَظْهَرُ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ، وَهَذَا الْحُكْمُ ابْتِدَاءً. فَإِنْ فَعَلَ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الصَّغِيرِ : إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَصِلُ إِلَى جَوْفِهِ فَلْيَتَمَادَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَكَذَا إِنْ شَكَّ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَصْلٌ فِي كُلِّ مَا يُعْمَلُ مِنَ الْحِنَّاءِ وَالدُّهْنِ وَغَيْرِهِ، انْتَهَى مِنَ الصَّغِيرِ . وَفِي الْكَبِيرِ، قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: وَهَذَا أَصْلٌ لِكُلِّ مَا يُعْمَلُ فِي الرَّأْسِ حِنَّاءٌ أَوْ دُهْنٌ، أَنَّهُ إِنْ كَانَ يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ فَلْيَقْضِ. الشَّيْخُ: وَيَخْتَبِرُ نَفْسَهُ فِي غَيْرِ الصَّوْمِ، انْتَهَى. ( تَنْبِيهٌ ) : قَالَ سَنَدٌ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْكُحْلِ وَالصَّبِّ فِي الْأُذُنِ وَالِاسْتِعَاطِ وَالْحُقْنَةِ: ( فَرْعٌ ) : إِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْمَنْعُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ فَعَلَهُ نَهَارًا، وَأَمَّا مَنْ فَعَلَهُ لَيْلًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَلَا يَضُرُّهُ هُبُوطُهُ نَهَارًا؛ لِأَنَّهُ إِذَا غَاضَ فِي أَعْمَاقِ الْبَاطِنِ لَيْلًا لَمْ تَضُرَّ حَرَكَتُهُ، وَيَكُونُ بِمَثَابَةِ مَا يَتَحَدَّرُ مِنَ الرَّأْسِ إِلَى الْبَدَنِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْفَمِ، انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ : وَالْجَائِفَةُ كَالْحُقْنَةِ بِخِلَافِ دُهْنِ الرَّأْسِ، وَقِيلَ: إِلَّا أَنْ يَسْتَطْعِمَهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هُوَ خِلَافٌ فِي حَالٍ. وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ : كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَشْهُورَ سُقُوطُ الْقَضَاءِ فِي دُهْنِ الرَّأْسِ وَلَوِ اسْتُطْعِمَ، وَلَمْ أَرَ الْأَوَّلَ، وَاقْتَصَرَ ابْنُ شَاسٍ عَلَى الثَّانِي، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ : إِنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْأَوَّلَ، وَانْظُرْ ابْنَ غَازِيٍّ . وَقَالَ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ مَسَائِلِ ابْنِ قَدَّاحٍ : ( مَسْأَلَةٌ ) : مَنْ عَمِلَ فِي رَأْسِهِ الْحِنَّاءَ وَهُوَ صَائِمٌ فَإِنِ اسْتَطْعَمَهَا فِي حَلْقِهِ قَضَى، وَإِلَّا فَلَا. وَكَذَا مَنِ اكْتَحَلَ. ( قُلْتُ ) : وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ عَدَمَ الْقَضَاءِ فِيمَا وَصَلَ لِحَلْقِهِ مِنْ رَأْسِهِ. وَالْأَوَّلُ فِي السُّلَيْمَانِيَّةِ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِي الثَّانِيَةِ. وَثَالِثُهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ : أَنَّ هَذِهِ مَنَافِذُ ضَيِّقَةٌ، وَوُصُولُهَا إِلَى الْحَلْقِ نَادِرٌ فَتَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي الطَّوَارِئِ الْبَعِيدَةِ النَّادِرَةِ، هَلْ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِيهَا أَمْ لَا؟ وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْعَمْدِ مُطْلَقًا، انْتَهَى. ص: ( وَبَخُورٍ ) ش: أَيْ بَخُورٍ يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ كَمَا قَالَ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ عَنِ السُّلَيْمَانِيَّةِ فِيمَنْ تَبَخَّرَ بِالدَّوَاءِ فَوَجَدَ طَعْمَ الدُّخَانِ فِي حَلْقِهِ، قَالَ: يَقْضِي يَوْمًا بِمَنْزِلَةِ مَنِ اكْتَحَلَ أَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ، فَيَجِدُ طَعْمَ ذَلِكَ فِي حَلْقِهِ فَيَقْضِي. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ ابْنِ لُبَابَةَ أَنَّهُ قَالَ: مَنِ اسْتَنْشَقَ بَخُورًا لَمْ يُفْطِرْ، وَأَكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ، انْتَهَى مِنَ التَّوْضِيحِ . فَيُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ لُبَابَةَ عَلَى مَنْ شَمَّ الرَّائِحَةَ وَلَمْ يَجِدْ طَعْمَ الْبَخُورِ فِي حَلْقِهِ فَيَتَّفِقُ النَّقْلَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ فِي الصَّغِيرِ : قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ : وَإِنَّمَا يُفْطِرُ بِمَا يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ مِنْ طَعْمِ دَوَاءٍ لَا مِنْ طَعْمِ رِيحٍ، وَنَحْوُهُ فِي النَّوَادِرِ . ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ صَاحِبِ التَّهْذِيبِ عَنِ السُّلَيْمَانِيَّةِ، وَابْنِ لُبَابَةَ . ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ: وَأَمَّا الْمِسْكُ وَغَيْرُهُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ. قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ : وَالْفِطْرُ يَقَعُ بِجُزْءٍ مِنَ الْمُتَنَاوَلِ، لَا بِدُخُولِ رَائِحَتِهِ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْكَبِيرِ : هَذَا بِخِلَافِ اسْتِنْشَاقِ رَوَائِحِ الْمِسْكِ وَالْغَالِيَةِ، هَذَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ مِنْهُ قَضَاءٌ. الشَّيْخُ: وَاسْتِنْشَاقُ قِدْرِ الطَّعَامِ بِمَثَابَةِ الْبَخُورِ؛ لِأَنَّ رِيحَ الطَّعَامِ لَهُ جِسْمٌ وَيَتَقَوَّى بِهِ الدِّمَاغُ، فَيَحْصُلُ بِهِ مَا يَحْصُلُ بِالْأَكْلِ، انْتَهَى. فَكَأَنَّهُ يَقُولُ إِذَا وَجَدَ طَعْمَ دُخَانِ الْقِدْرِ يُفْطِرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( تَنْبِيهٌ ) : قَالَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ : قَالَ فِي التَّلْقِينِ : يَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَنِ الشُّمُومِ وَلَمْ يُفَصِّلْ، انْتَهَى، وَكَأَنَّهُ فَهِمَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ : وَالَّذِي يَجِبُ الْإِمْسَاكُ عَنْهُ فِي الصَّوْمِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: إِيصَالُ شَيْءٍ إِلَى دَاخِلِ الْبَدَنِ. وَالثَّانِي: إِخْرَاجُ شَيْءٍ عَنْهُ. فَالَّذِي يُوصِلُ إِلَى دَاخِلِ الْبَدَنِ: مَا يَصِلُ إِلَى الْحَلْقِ ثُمَّ يَنْمَاعُ وَيَقَعُ الِاغْتِذَاءُ بِهِ، أَوْ لَا يَنْمَاعُ وَيُتَطَعَّمُ أَوْ لَا يُتَطَعَّمُ، وَذَلِكَ كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْمُغَذِّيَيْنِ، وَكَالدِّرْهَمِ، وَالْحَصَا، وَسَائِرِ الْجَمَادَاتِ الَّتِي لَا تُتَطَعَّمُ وَلَا تَنْمَاعُ وَلَا يَقَعُ بِهَا غِذَاءٌ، وَمَثَلُهَا الْكُحْلُ، وَالدُّهْنُ، وَالشَّمُومُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَائِعَاتِ وَالْجَامِدَاتِ الْوَاصِلَةِ إِلَى الْحَلْقِ، وَصَلَتْ مِنْ مَدْخَلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، أَوْ مِنْ غَيْرِ مَدْخَلِهِمَا كَالْعَيْنِ، وَالْأَنْفِ، وَالْأُذُنِ، وَمَا تَحَدَّرَ مِنَ الدِّمَاغِ بَعْدَ وُصُولِهِ مِنْ بَعْضِ هَذِهِ الْمَنَافِذِ، انْتَهَى. وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ هَذَا فِي الشَّامِلِ فَقَالَ فِيهِ: وَلَا يَشُمُّ شَيْئًا مِنَ الرَّيَاحِينِ،انْتَهَى، وَتَبِعَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ زَرُّوقٍ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ فَقَالَ: وَلَا يَشُمُّ شَيْئًا مِنَ الرَّيَاحِينِ، انْتَهَى. وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا يَأْتِي فِي فَصْلِ الِاعْتِكَافِ، أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ، وَالْمُعْتَكِفَ لَا يَكُونُ إِلَّا صَائِمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                            الخدمات العلمية