الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              تحفة المحتاج شرح المنهاج ( وَلَوْ ادَّعَيَا ) أَيْ : كُلٌّ مِنْ اثْنَيْنِ ( شَيْئًا فِي يَدِ ثَالِثٍ ) فَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِأَحَدِهِمَا سُلِّمَ إلَيْهِ ، وَلِلْآخَرِ تَحْلِيفُهُ إذْ لَوْ أَقَرَّ بِهِ لَهُ أَيْضًا غَرِمَ لَهُ بَدَلَهُ ، وَإِنْ أَنْكَرَ مَا ادَّعَيَاهُ وَلَا بَيِّنَةَ حَلَفَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا يَمِينًا وَتُرِكَ فِي يَدِهِ ( وَ ) إنْ ادَّعَيَا شَيْئًا عَلَى ثَالِثٍ وَ ( أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً ) إحْدَاهُمَا بِأَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْهُ ، وَالْأُخْرَى بِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ غَصَبَهُ مِنْهُ قُدِّمَتْ الْأُولَى ؛ لِأَنَّهَا أَثْبَتَتْ الْغَصْبَ بِطَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ فَكَانَتْ أَقْوَى وَلَا يَغْرَمُ شَيْئًا لِلْمُقَرِّ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لِلْأَوَّلِ إنَّمَا ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ فَهِيَ الْحَائِلَةُ بَيْنَ الْمُقَرِّ لَهُ وَبَيْنَ حَقِّهِ بِزَعْمِهِ أَوْ ( أَنَّهُ اشْتَرَاهُ ) مِنْهُ ، وَهُوَ يَمْلِكُهُ أَوْ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ أَوْ تَسَلَّمَهُ مِنْهُ وَالْمَبِيعُ بِغَيْرِ يَدِهِ ، وَإِلَّا كَمَا هُوَ الْفَرْضُ الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ الْمَتْنِ بِيَدِ ثَالِثٍ لَمْ يَحْتَجْ لِذِكْرِ ذَلِكَ كَمَا يَأْتِي ( وَوَزَنَ لَهُ ثَمَنَهُ فَإِنْ اخْتَلَفَ تَارِيخٌ حُكِمَ لِلْأَسْبَقِ ) مِنْهُمَا تَارِيخًا ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ لِأَنَّ الثَّانِيَ اشْتَرَاهُ مِنْ الثَّالِثِ بَعْدَ مَا زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ ، وَلَا نَظَرَ لِاحْتِمَالِ عَوْدِهِ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ ، بَلْ وَالظَّاهِرِ وَاسْتَثْنَى الْبُلْقِينِيُّ مَا لَوْ ادَّعَى صُدُورَ الْبَيْعِ الثَّانِي فِي زَمَنِ الْخِيَارِ وَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِهِ فَتُقَدَّمُ ، وَلِلْأَوَّلِ الثَّمَنُ وَمَا لَوْ تَعَرَّضَتْ الْمُتَأَخِّرَةُ لِكَوْنِهِ مِلْكَ الْبَائِعِ وَقْتَ الْبَيْعِ ، وَشَهِدَتْ الْأُولَى بِمُجَرَّدِ الْبَيْعِ فَتُقَدَّمُ الْمُتَأَخِّرَةُ أَيْضًا أَيْ : كَمَا نَقَلَاهُ وَأَقَرَّاهُ ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ شَهِدَتْ مِنْ الْبَيِّنَتَيْنِ بِمِلْكِ الْمُدَّعِي لِلْبَائِعِ وَقْتَ الْبَيْعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي الْآنَ أَوْ بِنَقْدِ الثَّمَنِ دُونَ الْأُخْرَى قُدِّمَتْ وَلَوْ مُتَأَخِّرَةً ؛ لِأَنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ وَ لِأَنَّ التَّعَرُّضَ لِلنَّقْدِ يُوجِبُ التَّسْلِيمَ ، وَالْأُخْرَى لَا تُوجِبُهُ لِبَقَاءِ حَقِّ الْحَبْسِ لِلْبَائِعِ فَلَا تَكْفِي الْمُطَالَبَةُ بِالتَّسْلِيمِ وَيَأْتِي أَوَّلَ التَّنْبِيهِ الْآتِي مَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ أَيْضًا ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ : وَوَزَنَ لَهُ ثَمَنَهُ مَا لَوْ لَمْ تَذْكُرْهُ فَإِذَا ذَكَرَتْهُ إحْدَاهُمَا قُدِّمَتْ وَلَوْ مُتَأَخِّرَةً ؛ لِأَنَّهَا تَعَرَّضَتْ لِمُوجِبِ التَّسْلِيمِ كَذَا قَالَاهُ ، لَكِنْ أَطَالَ الْبُلْقِينِيُّ فِي رَدِّهِ ( وَإِلَّا ) يَخْتَلِفُ تَارِيخُهُمَا بِأَنْ أُطْلِقَتَا أَوْ إحْدَاهُمَا أَوْ أُرِّخَتَا بِتَارِيخٍ مُتَّحِدٍ ( تَعَارَضَتَا ) فَيَتَسَاقَطَانِ ثُمَّ إنْ أَقَرَّ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا فَوَاضِحٌ ، وَإِلَّا حَلَفَ لِكُلٍّ يَمِينًا وَيَرْجِعَانِ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ ؛ لِثُبُوتِهِ بِالْبَيِّنَةِ ، وَسُقُوطُهُمَا إنَّمَا هُوَ فِيمَا تَعَارَضَتَا فِيهِ ، وَهُوَ الْعَقْدُ فَقَطْ ، وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَتَعَرَّضَا لِقَبْضِ الْمَبِيعِ ، وَإِلَّا قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ وَلَا رُجُوعَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالثَّمَنِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ اسْتَقَرَّ بِالْقَبْضِ وَبِمَا قَرَّرْتُهُ فِي هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا عُلِمَ أَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ فِي التَّعَارُضِ وَتَقْدِيمِ الْأَسْبَقِ ، وَكَانَ الْمَتْنُ إنَّمَا خَالَفَ أُسْلُوبَهُمَا الْمُوهِمَ لِتَخَالُفِ أَحْكَامِهِمَا لِأَجْلِ الْخِلَافِ ، وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي قَوْلِ وَاحِدٍ اشْتَرَيْتُهَا مِنْ زَيْدٍ وَآخَرَ اشْتَرَيْتُهَا مِنْ عَمْرٍو عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ ، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ كَذَلِكَ فَيَتَعَارَضَانِ وَيُصَدَّقُ مَنْ الْعَيْنُ بِيَدِهِ فَيَحْلِفُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَوْ يُقِرُّ . ( تَنْبِيهٌ ) لَا يَكْفِي فِي الدَّعْوَى كَالشَّهَادَةِ ذِكْرُ الشِّرَاءِ إلَّا مَعَ ذِكْرِ مِلْكِ الْبَائِعِ إذَا كَانَ غَيْرَ ذِي يَدٍ أَوْ مَعَ ذِكْرِ يَدِهِ إذَا كَانَتْ الْيَدُ لَهُ وَنُزِعَتْ مِنْهُ تَعَدِّيًا أَوْ مَعَ قِيَامِ بَيِّنَةٍ أُخْرَى بِأَحَدِهِمَا يَوْمَ الْبَيْعِ ، وَيَصِيرَانِ كَبَيِّنَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَكَذَا كُلُّ مَا ذِكْرُهُ شَرْطٌ ، لَوْ تَرَكَتْهُ بَيِّنَةٌ وَقَامَتْ بِهِ أُخْرَى كَأَقَرَّتْ امْرَأَةٌ لِفُلَانٍ وَقْتَ كَذَا بِمَحَلِّ كَذَا فَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَنَّهَا فُلَانَةُ وَإِنَّمَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ إنْ كَانَ الْمُدَّعَى بِيَدِ الْمُدَّعِي أَوْ بِيَدِ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ مِلْكُهُ وَلَا مِلْكُ مَنْ انْتَقَلَ مِنْهُ إلَيْهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ بِيَدِ أَحَدٍ ، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ قَدْ تُسْمَعُ ، لَكِنْ لَا يُعْمَلُ بِهَا كَمَا لَوْ انْتَزَعَ خَارِجٌ عَيْنًا مِنْ دَاخِلٍ بِبَيِّنَةٍ فَأَقَامَ الدَّاخِلُ بَيِّنَةً بِمِلْكِهَا مُطْلَقًا فَإِنَّهَا تُسْمَعُ ، وَفَائِدَتُهَا مُعَارَضَةُ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ فَقَطْ لِتَرُدَّ الْعَيْنَ إلَى يَدِهِ ، وَلَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِأَنَّ هَذَا رَهَنَنِي وَأَقْبَضَنِي دَارِهِ فِي رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةَ كَذَا وَآخَرُ بَيِّنَةً بِأَنَّهُ أَقَرَّ لِي بِهَا تِلْكَ السَّنَةَ وَلَمْ يَذْكُرُوا شَهْرًا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ : تَعَارَضَتَا ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْإِقْرَارِ فَلَا يَثْبُتُ رَهْنٌ وَلَا إقْرَارٌ كَمَا مَرَّ آنِفًا بِمَا فِيهِ حاشية ابن قاسم العبادي ( قَوْلُهُ : حُكِمَ لِلْأَسْبَقِ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ إلَّا بَيْعٌ وَاحِدٌ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَسْأَلَتَانِ فَقَدْ يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ الْآتِي عِلْمُ أَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ فِي التَّعَارُضِ وَتَقْدِيمِ الْأَسْبَقِ . ( قَوْلُهُ : أَيْضًا حُكِمَ لِلْأَسْبَقِ ) أَيْ : وَيَلْزَمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْآخَرِ دَفْعُ ثَمَنِهِ لِثُبُوتِهِ بِبَيِّنَةٍ مِنْ غَيْرِ تَعَارُضٍ فِيهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ ، وَكَلَامُ الرَّوْضِ صَرِيحٌ فِيهِ . ( قَوْلُهُ : وَسُقُوطُهُمَا إنَّمَا هُوَ فِيمَا تَعَارَضَتَا فِيهِ ، وَهُوَ الْعَقْدُ فَقَطْ ، وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَتَعَرَّضَا لِقَبْضِ الْمَبِيعِ إلَخْ ) عِبَارَةُ الرَّوْضِ فَإِنْ تَعَارَضَتَا حَلَفَ لِكُلٍّ وَلَهُمَا اسْتِرْدَادُ الثَّمَنِ لَا إنْ تَعَرَّضَتْ الْبَيِّنَةُ لِقَبْضِ الْمَبِيعِ قَالَ فِي شَرْحِهِ : فَلَيْسَ لَهُمَا اسْتِرْدَادُ الثَّمَنِ مِنْهُ لِتَقَرُّرِ الْعَقْدِ بِالْقَبْضِ ، وَلَيْسَ عَلَى الْبَائِعِ عُهْدَةُ مَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ ا هـ . وَهَذَا ظَاهِرٌ إنْ تَعَرَّضَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا بِخِلَافِ مَا إذَا تَعَرَّضَتْ إحْدَاهُمَا فَلْيُرَاجَعْ . ( قَوْلُهُ : وَإِلَّا قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ ) شَامِلٌ لِتَعَرُّضِهِمَا وَتَعَرُّضِ إحْدَاهُمَا وَانْظُرْ إذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا يَدٌ . ( قَوْلُهُ : : وَلَا رُجُوعَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ) هَذَا ظَاهِرٌ إذَا تَعَرَّضَتْ كُلٌّ مِنْهُمَا مَعَ أَنَّ وَإِلَّا شَامِلٌ لِتَعَرُّضِ إحْدَاهُمَا فَقَطْ . ( قَوْلُهُ : وَبِمَا قَرَّرْتُهُ فِي هَذِهِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا إلَى قَوْلِهِ لِأَجْلِ الْخِلَافِ ) يَنْبَغِي حَيْثُ اتَّحَدَ حُكْمُهُمَا وَاخْتَلَفَا فِي الْخِلَافِ بَيَانُ سِرِّ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِي إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى مَعَ اتِّحَادِ حُكْمِهِمَا . ( قَوْلُهُ : إنَّمَا خَالَفَ ) قَدْ يُوَجَّهُ الْمَتْنُ أَيْضًا بِأَنَّهُ مَعَ اخْتِلَافِ التَّارِيخِ أَيْضًا قَدْ يَتَعَارَضَانِ فِي الْأُولَى ، وَذَلِكَ إذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجْرِ إلَّا عَقْدٌ وَاحِدٌ

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية