الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      سُورَةُ فَاطِرٍ وَتُسَمَّى سُورَةَ الْمَلَائِكَةِ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كَمَا رُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا، وَفِي (مَجْمَعِ الْبَيَانِ) قَالَ الْحَسَنُ : مَكِّيَّةٌ إِلَّا آيَتَيْنِ: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ [فَاطِرٍ: 29] الْآيَةَ: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ [فَاطِرٍ: 32] الْآيَةَ، وَآيُهَا سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ فِي الْمَدَنِيِّ الْأَخِيرِ وَالشَّامِيِّ وَخَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ فِي الْبَاقِينَ، وَالْمُنَاسَبَةُ عَلَى مَا فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا ذَكَرَ فِي آخِرِ السُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ هَلَاكَ الْمُشْرِكِينَ أَعْدَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْزَالَهُمْ مَنَازِلَ الْعَذَابِ تَعَيَّنَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَمْدُهُ تَعَالَى وَشُكْرُهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [اَلْأَنْعَامِ: 45] وَيَنْضَمُّ إِلَى ذَلِكَ تَوَاخِي السُّورَتَيْنِ فِي الِافْتِتَاحِ بِالْحَمْدِ وَتَقَارُبُهُمَا فِي الْمِقْدَارِ وَغَيْرُ ذَلِكَ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَيْ مُوجِدِهِمَا مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ يَحْتَذِيهِ وَلَا قَانُونٍ يَنْتَحِيهِ، فَالْفَطْرُ الْإِبْدَاعُ، وَقَالَ الرَّاغِبُ : هُوَ إِيجَادُهُ تَعَالَى الشَّيْءَ وَإِبْدَاعُهُ عَلَى هَيْئَةٍ مُتَرَشِّحَةٍ لِفِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي(شُعَبِ الْإِيمَانِ) وَغَيْرُهُمَا عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ لَا أَدْرِي مَا فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فَطَرْتُهَا يَعْنِي اِبْتَدَأْتُهَا، وَأَصْلُ الْفَطْرِ الشِّقُّ، وَقَالَ الرَّاغِبُ : الشِّقُّ طُولًا ثُمَّ تُجُوِّزَ فِيهِ عَمَّا تَقَدَّمَ وَشَاعَ فِيهِ حَتَّى صَارَ حَقِيقَةً أَيْضًا، وَوَجْهُ الْمُنَاسِبَةِ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَالْمُرَادُ بِهِمَا الْعَالَمُ بِأَسْرِهِ لِكَوْنِهِمَا مُمْكِنَيْنِ وَالْأَصْلُ فِي الْمُمْكِنِ الْعَدَمُ كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [اَلْقَصَصِ: 88] وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ» وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فَلَاسِفَةُ الْإِسْلَامِ، قَالَ رَئِيسُهُمُ: الْمُمْكِنُ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ وَهُوَ عَنْ عِلَّتِهِ آيِسٌ كَأَنَّ الْعَدَمَ كَامِنٌ فِيهِمَا وَبِإِيجَادِهِمَا يُشَقَّانِ وَيَخْرُجُ الْعَدَمُ مِنْهُمَا. وَقِيلَ فِي ذَلِكَ: كَأَنَّهُ تَعَالَى شَقَّ الْعَدَمَ بِإِخْرَاجِهِمَا مِنْهُ، وَقِيلَ: لَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى أَصْلِهِ هُنَا وَيَكُونُ إِشَارَةً إِلَى الْأَمْطَارِ وَالنَّبَاتِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ بِالْأَمْطَارِ وَفَاطِرِ الْأَرْضِ بِالنَّبَاتِ، وَفِيهِ نَظَرٌ سَتَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ قَرِيبًا. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا عَلَى الْقَوْلَيْنِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ جَاعِلَ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِهِ يُبَلِّغُونَ إِلَيْهِمْ رِسَالَتَهُ سُبْحَانَهُ بِالْوَحْيِ وَالْإِلْهَامِ وَالرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ أَوْ جَاعِلَهُمْ وَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ عَزَّ وَجَلَّ يُوصِلُونَ إِلَيْهِمْ آثَارَ قُدْرَتِهِ وَصُنْعِهِ كَالْأَمْطَارِ وَالرِّيَاحِ وَغَيْرِهِمَا وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِأُمُورِ الْعَالَمِ، وَهَذَا أَنْسَبُ بِالْقَوْلِ الثَّانِي لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْأَمْطَارِ شَاقَّةً لِلسَّمَاوَاتِ، وَقَالَ الْإِمَامُ: إِنَّ الْحَمْدَ يَكُونُ عَلَى النِّعَمِ وَنِعَمُهُ تَعَالَى عَاجِلَةٌ وَآجِلَةٌ، وَهُوَ فِي سُورَةِ سَبَأٍ إِشَارَةٌ إِلَى نِعْمَةِ الْإِيجَادِ وَالْحَشْرِ وَدَلِيلُهُ: ( يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ) [سَبَأٍ: 2، الْحَدِيدِ: 4] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ [سَبَأٍ: 3] وَالْحَمْدُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ إِشَارَةٌ إِلَى نِعْمَةِ الْبَقَاءِ فِي الْآخِرَةِ وَدَلِيلُهُ جَاعِلُ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أَيْ يَجْعَلُهُمْ سُبْحَانَهُ رُسُلًا يَتَلَقَّوْنَ عِبَادَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ تَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى الْحَمْدَ لِلَّهِ شَاقِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِنُزُولِ الْأَرْوَاحِ مِنَ السَّمَاءِ وَخُرُوجِ الْأَجْسَادِ مِنَ الْأَرْضِ وَجَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَتَلَقَّوْنَ عِبَادَهُ، وَعَلَيْهِ فَأَوَّلُ هَذِهِ السُّورَةِ مُتَّصِلٌ بِآخِرِ مَا مَضَى لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ [سَبَأٍ: 54] بَيَانٌ لِانْقِطَاعِ رَجَاءِ مَنْ كَانَ فِي شَكٍّ مُرِيبٍ، وَلَمَّا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ حَالَهُمْ ذَكَرَ حَالَ الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرَهُمْ بِإِرْسَالِ الْمَلَائِكَةِ إِلَيْهِمْ وَأَنَّهُ تَعَالَى يَفْتَحُ أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ لَهُمُ اِنْتَهَى، وَفِيهِ مِنَ الْبُعْدِ مَا فِيهِ. وَ فَاطِرِ صِفَةٌ لِلَّهِ وَإِضَافَتُهُ مَحْضَةٌ قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ : لِأَنَّهُ لِلْمَاضِي لَا غَيْرَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ مَعْرُوفٌ بِالْإِضَافَةِ إِذْ لَمْ يَجْرِ عَلَى الْفِعْلِ بَلْ أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِمْرَارُ وَالثَّبَاتُ، كَمَا يُقَالُ زَيْدٌ مَالِكُ الْعَبِيدِ جَاءَ، أَيْ زَيْدٌ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَمْلِكَ الْعَبِيدَ جَاءَ، وَمَنْ جَعَلَ الْإِضَافَةَ غَيْرَ مَحْضَةٍ جَعْلَهُ بَدَلًا وَهُوَ قَلِيلٌ فِي الْمُشْتَقَّاتِ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي جَاعِلِ وَ رُسُلًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ إِضَافَتَهُ غَيْرُ مَحْضَةٍ مَنْصُوبٌ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْكِسَائِيِّ ، وَذَهَبَ أَبُو عَلِيٍّ إِلَى أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ هُوَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ اِسْمَ الْفَاعِلِ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْمَاضِي لَا يَعْمَلُ عِنْدَهُ كَسَائِرِ الْبَصْرِيِّينَ إِلَّا مُعَرَّفًا بِاللَّامِ، وَقَالَ أَبُو سَعِيدِ السِّيرَافِيُّ : اِسْمُ الْفَاعِلِ الْمُتَعَدِّي إِلَى اِثْنَيْنِ يَعْمَلُ بِالثَّانِي لِأَنَّهُ بِإِضَافَتِهِ إِلَى الْأَوَّلِ تَعَذَّرَتْ إِضَافَتُهُ إِلَى الثَّانِي فَتَعَيَّنَ نَصْبُهُ لَهُ. وَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ بِالْإِضَافَةِ أَشْبَهُ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ فَعَمِلَ عَمَلَهُ، هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْجَعْلِ تَصْيِيرِيًّا أَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ إِبْدَاعِيًّا فَرُسُلًا حَالٌ مُقَدَّرَةٌ، وَقَرَأَ الضَّحَّاكُ وَالزُّهْرِيُّ (فَطَرَ) وَ (جَعَلَ) فِعْلًا مَاضِيًا وَنَصَبَا مَا بَعْدَهُ، قَالَ أَبُو الْفَضْلِ الرَّازِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى إِضْمَارِ الَّذِي نَعْتًا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ عَلَى تَقْدِيرِ قَدْ فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ حَالًا. وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ حَذْفَ الْمَوْصُولِ الِاسْمِيِّ لَا يَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْبَصْرِيِّينَ، وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ وَالْأَخْفَشُ إِلَى إِجَازَتِهِ وَتَبِعَهُمُ اِبْنُ مَالِكٍ وَشَرَطَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ كَوْنَهُ مَعْطُوفًا عَلَى مَوْصُولٍ آخَرَ وَمِنْ حُجَّتِهِمْ «آمِنُوا بِاَلَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْنَا وَأَنْزَلَ إِلَيْكُمْ» وَقَوْلُ حَسَّانَ : أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ وَيَنْصُرُهُ وَيَمْدَحُهُ سَوَاءُ وَقَوْلُ آخَرَ: مَا الَّذِي دَأْبُهُ اِحْتِيَاطٌ وَحَزْمٌ وَهَوَاهُ أَطَاعَ يَسْتَوِيَانِ وَاخْتَارَ أَبُو حَيَّانَ كَوْنَ الْجُمْلَةِ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُوَ فَطَرَ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ «جَاعِلُ» بِالرَّفْعِ عَلَى الْمَدْحِ وَجَرِّ ( الْمَلَائِكَةِ ) وَقَرَأَ عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو «جَاعِلُ» بِالرَّفْعِ بِلَا تَنْوِينٍ وَنَصْبِ «اَلْمَلَائِكَةَ» وَخَرَّجَ حَذْفَ التَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَنَصْبِ الْمَلَائِكَةِ إِذَا كَانَ جَاعِلُ لِلْمُضِيِّ عَلَى مَذْهَبِ الْكِسَائِيِّ وَهِشَامٍ فِي جَوَازِ إِعْمَالِ الْوَصْفِ الْمَاضِي النَّصْبَ. وَقَرَأَ اِبْنُ يَعْمُرَ وَخُلَيْدٌ «جَعَلَ» فِعْلًا مَاضِيًا «اَلْمَلَائِكَةَ» بِالنَّصْبِ وَذَلِكَ بَعْدَ قِرَاءَتِهِ ( فَاطِرِ ) كَالْجُمْهُورِ كَقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا [اَلْأَنْعَامِ: 96] وَفِي الْكَشَّافِ قُرِئَ «فَطَرَ» وَ «جَعَلَ» كِلَاهُمَا بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ «رُسْلًا» بِسُكُونِ السِّينِ وَهِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: أُولِي أَجْنِحَةٍ صِفَةٌ لِ رُسُلًا، وَأُولُو اِسْمُ جَمْعٍ لِ ذُو كَمَا أَنَّ أُولَاهُ اِسْمُ جَمْعٍ لِ ذَا، وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْمُتَمَكِّنَةِ الْمَخَاضُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هِيَ الْحَوَامِلُ مِنَ النُّوقِ وَاحِدَتُهَا خِلْفَةٌ. وَ أَجْنِحَةٍ جَمْعُ جَنَاحٍ صِيغَةُ جَمْعِ الْقِلَّةِ وَمُقْتَضَى الْمَقَامِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكَثْرَةُ. وَفِي الْبَحْرِ قِيَاسُ جَمْعِ الْكَثْرَةِ فِيهِ جُنُحٍ فَإِنْ كَانَ لَمْ يُسْمَعْ كَانَ أَجْنِحَةً مُسْتَعْمَلًا فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَنَاحَ بِالْمَعْنَى الْمَعْرُوفِ عِنْدَ الْعَرَبِ بَيْدَ أَنَّا لَا نَعْرِفُ حَقِيقَتَهُ وَكَيْفِيَّتَهُ وَلَا نَقُولُ إِنَّهُ مِنْ رِيشٍ كَرِيشِ الطَّائِرِ. نَعَمْ أَخْرَجَ اِبْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ أَجْنِحَةَ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ زَغَبَةٌ، وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْإِمَامِيَّةِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَزْدَحِمُ فِي مَجَالِسِ الْأَئِمَّةِ فَيَقَعُ مِنْ رِيشِهَا مَا يَقَعُ وَأَنَّهُمْ يَلْتَقِطُونَهُ وَيَجْعَلُونَ مِنْهُ ثِيَابًا لِأَوْلَادِهِمْ. وَهَذَا عِنْدِي حَدِيثُ خُرَافَةٍ، وَالْكَشْفِيَّةُ مِنْهُمْ يُؤَوِّلُونَهُ بِمَا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ صِفَةٌ لِأَجْنِحَةٍ، وَالْمَنْعُ مِنَ الصَّرْفِ عَلَى الْمَشْهُورِ لِلصِّفَةِ وَالْعَدْلِ عَنِ اِثْنَيْنِ اِثْنَيْنِ وَثَلَاثَةً ثَلَاثَةً وَأَرْبَعَةً أَرْبَعَةً. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : إِنَّمَا لَمْ تَنْصَرِفْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ لِتَكْرَارِ الْعَدْلِ فِيهَا وَذَلِكَ أَنَّهَا عَدَلَتْ عَنْ أَلْفَاظِ الْأَعْدَادِ مِنْ صِيَغٍ إِلَى صِيَغٍ أُخَرَ كَمَا عَدَلَ عُمَرَ عَنْ عَامِرٍ وَحِزَامُ عَنْ حَازِمَةَ وَعَنْ تَكْرِيرٍ إِلَى غَيْرِ تَكْرِيرٍ فَفِيهَا عَدْلَانِ، وَأَمَّا الْوَصْفِيَّةُ فَلَا يَفْتَرِقُ الْحَالُ فِيهَا بَيْنَ الْمَعْدُولَةِ وَالْمَعْدُولِ عَنْهَا أَلَا تَرَاكَ تَقُولُ مَرَرْتُ بِنِسْوَةٍ أَرْبَعٍ وَبِرِجَالٍ ثَلَاثَةٍ فَلَا يُعَرَّجُ عَلَيْهَا. وَتَعَقَّبَهُ أَبُو حَيَّانَ بِأَنَّهُ قَاسَ الصِّفَةَ فِي هَذَا الْمَعْدُولِ عَلَى الصِّفَةِ فِي أَرْبَعٍ وَثَلَاثَةٍ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ مُطْلَقَ الصِّفَةِ لَمْ يَعُدُّوهُ عِلَّةً بَلِ اِشْتَرَطُوا أَنْ تَكُونَ الْوَصْفِيَّةُ غَيْرَ عَارِضَةٍ كَمَا فِي أَرْبَعٍ وَأَنْ لَا يَقْبَلَ تَاءَ التَّأْنِيثِ أَوْ تَكُونُ فِيهِ كَثَلَاثٍ وَثَلَاثَةٍ، وَقَالَ صَاحِبُ الْكَشْفِ فِيهِ: إِنَّ الْعُدُولَ عَنِ التَّكَرُّرِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ لِلصِّيغَةِ وَاعْتُبِرَ فِي تَحَقُّقِ الْعَدْلِ ذَلِكَ ثُمَّ الْعُدُولُ عَنِ الصِّيغَةِ الْأَصْلِيَّةِ لِإِفَادَةِ التَّكَرُّرِ فَلَا عُدُولَيْنِ بِوَجْهٍ، وَبَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْوَصْفِ مُقَارَنَتُهُ لِوَضْعِ الْمَعْدُولِ فَلَا يَضُرُّ عُرُوضَهُ فِي الْمَعْدُولِ عَنْهُ لَا اِتِّجَاهَ لِلْمَنْعِ وَلَا مُعَوَّلَ عَلَى السَّنَدِ، وَهُوَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَهُوَ الْمَنْصُورُ عَلَى مَا نَبَّهْتُ إِلَيْهِ اِنْتَهَى، وَتَعَقَّبَهُ أَيْضًا صَاحِبُ الْفَرَائِدِ وَصَاحِبُ التَّقْرِيبِ بِعَرُوضِ الْوَصْفِيَّةِ فِي الْمَعْدُولِ عَنْهُ وَعَدَمِهِ فِي الْمَعْدُولِ، لَكِنْ قَالَ الطِّيبِيُّ : وَجَدْتُ لِبَعْضِ الْمَغَارِبَةِ كَلَامًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنْهُ وَهُوَ أَنَّ ثَلَاثَ مَثَلًا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِلصِّفَةِ مِنْ غَيْرِ اِعْتِبَارِ الْعَدَدِ أَوْ لَا يَكُونُ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الْعَدَدُ وَالْمُقَدَّرُ خِلَافُهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَانَ الْوَصْفُ عَارِضًا لِثَلَاثٍ كَمَا كَانَ عَارِضًا لِثَلَاثَةٍ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ هَذِهِ الْأَعْدَادَ غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ لِلْعَدْلِ الْمُكَرَّرِ كَالْجَمْعِ وَأَلِفَيِ التَّأْنِيثِ اِنْتَهَى، وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى. وَقَالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ : إِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَدَلَتْ فِي حَالِ التَّنْكِيرِ فَتَعَرَّفَتْ بِالْعَدْلِ فَهِيَ لَا تَنْصَرِفُ لِلْعَدْلِ وَالتَّعْرِيفِ، وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ ذُكِرَ فِي الْبَحْرِ لِبَعْضِ الْكُوفِيِّينَ وَفِي الْكَشَّافِ هِيَ نَكِرَاتٌ يُعَرَّفْنَ بِلَامِ التَّعْرِيفِ، تَقُولُ فُلَانٌ يَنْكِحُ الْمُثَنَّى وَالثُّلَاثَ وَالرُّبَاعَ، وَقِيلَ مَثْنَى إلخ حَالٌ مِنْ مَحْذُوفٍ وَالْعَامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ. رُسُلًا أَيْ يُرْسَلُونَ مُثَنَّى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ، وَالْمُرَادُ ذَوِي أَجْنِحَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ مُتَفَاوِتَةٍ فِي الْعَدَدِ حَسَبَ تَفَاوُتِ مَا لَهُمْ مِنَ الْمَرَاتِبِ يَنْزِلُونَ بِهَا وَيَعْرُجُونَ أَوْ يُسْرِعُونَ بِهَا حِينَ يُؤْمَرُونَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ كُلًّا أَوْ بَعْضًا لِأُمُورٍ أُخَرَ كَالزِّينَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَكَالْإِرْخَاءِ عَلَى الْوَجْهِ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ خَلْقًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَنَاحَانِ وَخَلْقًا لِكُلٍّ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ أَجْنِحَةٍ وَخَلْقًا لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةٍ، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى نَفْيِ الزَّائِدِ بَلْ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ مَا ذُكِرَ مِنَ الْعَدَدِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّكْثِيرِ وَالتَّفَاوُتِ لَا لِلتَّعْيِينِ وَلَا لِنَفْيِ النُّقْصَانِ عَنِ اِثْنَيْنِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَاَلتِّرْمِذِيُّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [اَلنَّجْمِ: 18] رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَرَ جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَمَرَّةً فِي جِيَادٍ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ الْأُفُقَ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ : مَرَّ بِي فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ صِنْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لَهُمْ سِتَّةُ أَجْنِحَةٍ فَجَنَاحَانِ يَلُفُّونَ بِهِمَا أَجْسَادُهُمْ وَجَنَاحَانِ يَطِيرُونَ بِهِمَا فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَنَاحَانِ مَرْخِيَّانِ عَلَى وُجُوهِهِمْ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَالْبَحْثُ عَنْ كَيْفِيَّةِ وَضْعِ الْأَجْنِحَةِ شَفْعًا كَانَتْ أَوْ وِتْرًا فِيمَا أَرَى مِمَّا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدِي فِي ذَلِكَ شَيْءٌوَلِقِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْمَعْنَى إِنَّ فِي كُلِّ جَانِبٍ لِبَعْضِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ جَنَاحَيْنِ وَلِبَعْضِهِمْ ثَلَاثَةٌ وَلِبَعْضِهِمْ أَرْبَعَةٌ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَتْ ثَلَاثَةٌ لِوَاحِدٍ لَمَا اِعْتَدَلَتْ، وَهُوَ كَمَا تَرَى. وَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ الْجَنَاحَ إِشَارَةٌ إِلَى الْجِهَةِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ وَكُلُّ شَيْءٍ سِوَاهُ فَهُوَ تَحْتُ قُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَالْمَلَائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ لَهُمْ وَجْهٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَأْخُذُونَ مِنْهُ نِعَمَهُ وَيُعْطُونَ مَنْ دُونَهُمْ مِمَّا أَخَذُوهُ بِإِذْنِهِ سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ [اَلشُّعَرَاءِ: 193، 194] وَقَالَ تَعَالَى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [اَلنَّجْمِ: 5] وَقَالَ تَعَالَى: فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا [اَلنَّازِعَاتِ: 5] وَهُمَا جَنَاحَانِ وَفِيهِمْ مَنْ يَفْعَلُ مَا يَفْعَلُ مِنَ الْخَيْرِ بِوَاسِطَةٍ، وَفِيهِمْ مَنْ يَفْعَلُهُ لَا بِوَاسِطَةٍ فَالْفَاعِلُ بِوَاسِطَةٍ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ ثَلَاثُ جِهَاتٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ أَرْبَعُ جِهَاتٍ وَأَكْثَرُ، وَهَذَا خِلَافُ الظَّاهِرِ جِدًّا وَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ السُّنِّيُّ الْقَائِلُ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ نُورِيَّةٌ يَقْدِرُونَ عَلَى التَّشَكُّلِ بِالصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ وَعَلَى الْأَفْعَالِ الشَّاقَّةِ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَوْ إِلَى نَحْوِهِ الْفَلَاسِفَةُ وَأَتْبَاعُهُمْ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ عِنْدَهُمْ هِيَ الْعُقُولُ الْمُجَرَّدَةُ وَيُسَمِّيهَا أَهْلُ الْإِشْرَاقِ بِالْأَنْوَارِ الظَّاهِرَةِ وَبَعْضُ الْمُتَصَوِّفَةِ بِالسُّرَادِقَاتِ النُّورِيَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ مُتَأَخَّرِيهِمْ أَنَّ لَهَا ذَوَاتٍ حَقِيقِيَّةً وَذَوَاتٍ إِضَافِيَّةً مُضَافَةً إِلَى مَا دَوْنَهَا إِضَافَةَ النَّفْسِ إِلَى الْبَدَنِ فَأَمَّا ذَوَاتُهَا الْحَقِيقَةُ فَإِنَّمَا هِيَ أَمْرِيَّةٌ قَضَائِيَّةٌ قَوْلِيَّةٌ، وَأَمَّا ذَوَاتُهَا الْإِضَافِيَّةُ فَإِنَّمَا هِيَ خَلْقِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ تَنْشَأُ مِنْهَا الْمَلَائِكَةُ اللَّوْحِيَّةُ وَأَعْظَمُهُمْ إِسْرَافِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَتُطْلَقُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَهُمْ عَلَى غَيْرِ الْعُقُولِ كَالْمُدَبِّرَاتِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ مِنَ النُّفُوسِ وَالطَّبَائِعِ، وَأَطَالُوا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ وَظَوَاهِرُ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارُ تُكَذِّبُهُمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ اِسْتِئْنَافٌ مُقَرِّرٌ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ تَفَاوُتِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فِي عَدَدِ الْأَجْنِحَةِ وَمُؤْذِنٌ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ مَشِيئَتِهِ تَعَالَى لَا لِأَمْرٍ رَاجِعٍ إِلَى ذَوَاتِهِمْ بِبَيَانِ حُكْمٍ كُلِّيٍّ نَاطِقٍ بِأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَزِيدُ فِي أَيِّ خَلْقٍ كَانَ كُلَّ مَا يَشَاءُ أَنْ يَزِيدَهُ بِمُوجِبِ مَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ وَمُقْتَضَى حِكْمَتِهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يُحِيطُ بِهَا الْوَصْفُ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَالزَّجَّاجُ : هَذَا فِي الْأَجْنِحَةِ الَّتِي لِلْمَلَائِكَةِ أَيْ يَزِيدُ فِي خَلْقِ الْأَجْنِحَةِ لِلْمَلَائِكَةِ مَا يَشَاءُ فَيَجْعَلُ لِكُلِّ سِتَّةِ أَجْنِحَةٍ أَوْ أَكْثَرَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ ، وَكَأَنَّ الْجُمْلَةَ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ عَدَمِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ. وَعَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ يَزِيدُ فِي خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَجْنِحَةِ مَا يَشَاءُ، وَقِيلَ الْخَلْقِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ وَ ( مَا يَشَاءُ ) الْخَلْقُ الْحَسَنُ، أَوِ الصَّوْتُ الْحَسَنُ، أَوِ الْحَظُّ الْحَسَنُ، أَوِ الْمَلَاحَةُ فِي الْعَيْنَيْنِ أَوْ فِي الْأَنْفِ أَوْ فِي الْوَجْهِ، أَوْ خِفَّةُ الرُّوحِ، أَوْ جُعُودَةُ الشِّعْرِ وَحُسْنُهُ، أَوِ الْعَقْلُ، أَوِ الْعِلْمُ، أَوِ الصَّنْعَةُ، أَوِ الْعِفَّةُ فِي الْفَقْرِ، أَوْ حَلَاوَةُ النُّطْقِ، وَذَكَرُوا فِي بَعْضِ ذَلِكَ أَخْبَارًا مَرْفُوعَةً، وَالْحَقُّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّمْثِيلِ لَا الْحَصْرِ، وَالْآيَةُ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ ذَلِكَ بَلْ شَامِلَةٌ لِمَا يُسْتَحْسَنُ ظَاهِرًا وَلِمَا لَا يُسْتَحْسَنُ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَسَنٌ. إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تَعْلِيلٌ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ لِلْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّ شُمُولَ قُدْرَتِهِ تَعَالَى لِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ مِمَّا يُوجِبُ قُدْرَتَهُ سُبْحَانَهُ عَلَى أَنْ يَزِيدَ فِي كُلِّ خَلْقٍ كُلَّ مَا يَشَاؤُوهُ تَعَالَى إِيجَابًا بَيِّنًا.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية