الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  صحيح البخاري 397 69 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُؤِيَ فِي وَجْهِهِ ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ ، فَقَالَ : إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ - أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ - فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ . ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ ، فَقَالَ : أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا . عمدة القاري مُطَابَقَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ ظَاهِرَةٌ ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ بِعَيْنِهِ تَقَدَّمَ فِي بَابِ خَوْفِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ . ( ذِكْرُ تَعَدُّدِ مَوْضِعِهِ وَمَنْ أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ ) : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي بَابِ كَفَّارَةِ الْبُزَاقِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَفِي بَابِ : إِذَا بَدَرَهُ الْبُزَاقُ ، وَفِي بَابِ : لَا يَبْصُقُ عَنْ يَمِينِهِ فِي الصَّلَاةِ ، وَفِي بَابِ : لِيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ، وَفِي بَابِ : مَا يَجُوزُ مِنَ الْبُزَاقِ ، وَفِي بَابِ : الْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ ، وَفِي هَذَا الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعَائِشَةَ يَأْتِي عَنْ قَرِيبٍ ، وَحَدِيثُ النَّسَائِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ ، فَقَامَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَحَكَّتْهَا وَجَعَلَتْ مَكَانَهَا خَلُوقًا ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَحْسَنَ هَذَا ! وَفِي كِتَابِ الْمَسَاجِدِ لِأَبِي نُعَيْمٍ : مَنِ ابْتَلَعَ رِيقَهُ إِعْظَامًا لِلْمَسْجِدِ وَلَمْ يَمْحُ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى بِبُزَاقٍ كَانَ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ . وَفِي سَنَدِهِ ضِرَارُ بْنُ عَمْرٍو وَفِيهِ كَلَامٌ ، وَذَكَرَ ابْنُ خَالَوَيْهِ فِي هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا رَأَى النُّخَامَةَ فِي الْمِحْرَابِ قَالَ : مَنْ إِمَامُ هَذَا الْمَسْجِدِ ؟ قَالُوا : فُلَانٌ . قَالَ : قَدْ عَزَلْتُهُ . فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ : لِمَ عَزَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَوْجِي عَنِ الْإِمَامَةِ ؟ فَقَالَ : رَأَى نُخَامَةً فِي الْمَسْجِدِ . فَعَمَدَتْ إِلَى خَلُوقِ طِيبٍ فَخَلَقَتْ بِهِ الْمِحْرَابَ فَاجْتَازَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْمَسْجِدِ فَقَالَ : مَنْ فَعَلَ هَذَا ؟ قَالَ : امْرَأَةُ الْإِمَامِ . قَالَ : قَدْ وَهَبْتُ ذَنْبَهُ لِامْرَأَتِهِ وَرَدَدْتُهُ إِلَى الْإِمَامَةِ . فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ خَلُوقٍ كَانَ فِي الْإِسْلَامِ . ( ذِكْرُ مَعْنَاهُ ) : قَوْلُهُ ( نُخَامَةً ) بِضَمِّ النُّونِ النُّخَاعَةُ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي بَابِ الِالْتِفَاتِ ، يُقَالُ : تَنَخَّمَ الرَّجُلُ إِذَا تَنَخَّعَ ، وَفِي الْمَطَالِعِ : النُّخَامَةُ مَا يُخْرَجُ مِنَ الصَّدْرِ وَهُوَ الْبَلْغَمُ اللَّزِجُ . وَفِي النِّهَايَةِ : النُّخَامَةُ الْبَزْقَةُ الَّتِي تُخْرَجُ مِنَ الرَّأْسِ ، وَيُقَالُ : النُّخَامَةُ مَا يُخْرَجُ مِنَ الصَّدْرِ ، وَالْبُصَاقُ مَا يُخْرَجُ مِنَ الْفَمِ ، وَالْمُخَاطُ مَا يَسِيلُ مِنَ الْأَنْفِ . قَوْلُهُ ( فِي الْقِبْلَةِ ) ؛ أَيْ : فِي حَائِطٍ مِنْ جِهَةِ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ . قَوْلُهُ ( حَتَّى رُؤِيَ فِي وَجْهِهِ ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ ؛ أَيْ : شُوهِدَ أَثَرُ الْمَشَقَّةِ فِي وَجْهِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ : " فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ " ، وَلِلْبُخَارِيِّ فِي الْأَدَبِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ : فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ . قَوْلُهُ ( إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ ) ، الْفَرْقُ بَيْنَ قَامَ فِي الصَّلَاةِ وَقَامَ إِلَى الصَّلَاةِ أَنَّ الْأَوَّلَ يَكُونُ بَعْدَ الشُّرُوعِ وَالثَّانِي عِنْدَ الشُّرُوعِ . قَوْلُهُ ( فَإِنَّهُ ) الْفَاءُ فِيهِ جَوَابُ " إِذَا " ، وَالْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ قَائِمَةٌ مَقَامَ خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ . قَوْلُهُ ( يُنَاجِي رَبَّهُ ) مِنَ الْمُنَاجَاةِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : الْمُنَاجَاةُ إِشَارَةٌ إِلَى إِخْلَاصِ الْقَلْبِ وَحُضُورِهِ وَتَفْرِيغِهِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى . قُلْتُ : الْمُنَاجَاةُ وَالنَّجْوَى هُوَ السِّرُّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ ، يُقَالُ : نَاجَيْتُهُ إِذَا سَارَرْتَهُ ، وَكَذَلِكَ نَجَوْتُ نَجْوَى ، وَمُنَاجَاةُ الرَّبِّ مَجَازٌ لِأَنَّ الْقَرِينَةَ صَارِفَةٌ عَنْ إِرَادَةِ الْحَقِيقَةِ ، إِذْ لَا كَلَامَ مَحْسُوسًا إِلَّا مِنْ طَرَفِ الْعَبْدِ ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ لَازِمَ الْمُنَاجَاةِ وَهُوَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ بَابِ التَّشْبِيهِ ؛ أَيْ : كَأَنَّهُ رَبَّهُ يُنَادِي ، وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّهُ شُبِّهَ الْعَبْدُ وَتَوَجُّهُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الصَّلَاةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالْأَذْكَارِ وَكَشْفِ الْأَسْرَارِ وَاسْتِنْزَالِ رَحْمَتِهِ وَرَأْفَتِهِ مَعَ الْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ بِمَنْ يُنَاجِي مَوْلَاهُ وَمَالِكَهُ ، فَمِنْ شَرَائِطِ حُسْنِ الْأَدَبِ أَنْ يَقِفَ مَحَاذِيَهُ وَيَطْرُقَ رَأْسَهُ وَلَا يَمُدَّ بَصَرَهُ إِلَيْهِ وَيُرَاعِيَ جِهَةَ أَمَامِهِ حَتَّى لَا يَصْدُرَ مِنْ تِلْكَ الْهَيْئَاتِ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهًا عَنِ الْجِهَاتِ ؛ لِأَنَّ الْآدَابَ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ مُرْتَبِطٌ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ . قَوْلُهُ ( أَوْ أَنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ) ، كَذَا هُوَ بِالشَّكِّ فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَالْحَمَوِيِّ بِوَاوِ الْعَطْفِ ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ هَذَا الْكَلَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْحُلُولِ فِي الْمَكَانِ ، فَالْمَعْنَى عَلَى التَّشْبِيهِ ؛ أَيْ : كَأَنَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ، وَكَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ : " فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ " . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ تَوَجُّهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ مُفْضٍ بِالْقَصْدِ مِنْهُ إِلَى رَبِّهِ ، فَصَارَ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّ مَقْصُودَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ ، فَأَمَرَ أَنْ تُصَانَ تِلْكَ الْجِهَةُ عَنِ الْبُزَاقِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَثْقَالِ الْبَدَنِ . قَوْلُهُ ( قِبَلَ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ؛ أَيْ : جِهَةَ الْقِبْلَةِ . قَوْلُهُ ( أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى ) كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَيْ : فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَزَادَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ هُمَامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : " فَيَدْفِنُهَا " كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ ( ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ . . . ) إِلَخْ ، فِيهِ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ السَّامِعِ . قَوْلُهُ ( أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا ) عَطْفٌ عَلَى الْمُقَدَّرِ بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِدْرَاكِ ؛ أَيْ : وَلَكِنْ يَبْزُقُ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا ، وَلَيْسَتْ كَلِمَةُ " أَوْ " هَاهُنَا لِلشَّكِّ ، بَلْ لِلتَّنْوِيعِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا . ( ذِكْرُ مَا يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ ) : فِيهِ تَعْظِيمُ الْمَسَاجِدِ عَنْ أَثْقَالِ الْبَدَنِ وَعَنِ الْقَاذُورَاتِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى ، وَفِيهِ احْتِرَامُ جِهَةِ الْقِبْلَةِ ، وَفِيهِ إِزَالَةُ الْبُزَاقِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَقْذَارِ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا بَزَقَ يَبْزُقُ عَنْ يَسَارِهِ وَلَا يَبْزُقُ أَمَامَهُ تَشْرِيفًا لِلْقِبْلَةِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ تَشْرِيفًا لِلْيَمِينِ ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا . وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ : لَا يَبْزُقْ عَنْ يَمِينِهِ فَعَنْ يَمِينِهِ كَاتِبُ الْحَسَنَاتِ ، وَلَكِنْ يَبْزُقُ عَنْ شِمَالِهِ أَوْ خَلْفَ ظَهْرِهِ وَقَوْلُهُ : " فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَالَتَئِذٍ عَنْ يَسَارِهِ مَلَكٌ لِأَنَّهُ فِي طَاعَةٍ . ( فَإِنْ قُلْتَ ) : يَخْدِشُ فِي هَذَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الْكِرَامَ الْكَاتِبِينَ لَا يُفَارِقَانِ الْعَبْدَ إِلَّا عِنْدَ الْخَلَاءِ وَالْجِمَاعِ ! قُلْتُ : هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ ، أَمَّا فِيهِ فَلَا يَبْزُقْ إِلَّا فِي ثَوْبِهِ . قُلْتُ : وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ . وَاعْلَمْ أَنَّ الْبُصَاقَ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ احْتَاجَ إِلَيْهِ أَمْ لَا ، فَإِنِ احْتَاجَ يَبْزُقُ فِي ثَوْبِهِ ، فَإِنْ بَزَقَ فِي الْمَسْجِدِ يَكُونُ خَطِيئَةً وَعَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ هَذِهِ الْخَطِيئَةَ بِدَفْنِهِ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : الْبُزَاقُ لَيْسَ بِخَطِيئَةٍ إِلَّا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَدْفِنْهُ ، فَأَمَّا مَنْ أَرَادَ دَفْنَهُ فَلَيْسَ بِخَطِيئَةٍ ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَالْحَقُّ مَا ذَكَرْنَاهُ . وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِدَفْنِهِ ؛ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ الدَّفْنُ فِي تُرَابِ الْمَسْجِدِ وَرَمْلِهِ وَحَصَيَاتِهِ إِنْ كَانَتْ فِيهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَإِلَّا يُخْرِجُهَا ، وَعَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ ؛ أَحَدُهُمَا إِخْرَاجُهُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنِ الرُّويَانِيِّ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لِلْمَسَاجِدِ تُرْبَةٌ وَكَانَتْ ذَاتَ حَصِيرٍ فَلَا يَجُوزُ احْتِرَامًا لِلْمَالِيَّةِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْبُزَاقَ طَاهِرٌ وَكَذَا النُّخَامَةُ طَاهِرَةٌ ، وَلَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ؛ يَقُولُ : الْبُزَاقُ نَجِسٌ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى تَحْرِيمِ الْبُصَاقِ فِي الْقِبْلَةِ ، فَإِنَّ الدَّفْنَ لَا يَكْفِيهِ . قِيلَ : هُوَ كَمَا قَالَ ، وَقِيلَ : دَفْنُهُ كَفَّارَتُهُ ، وَقِيلَ : النَّهْيُ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ . وَفِي صَحِيحَيِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ تَفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفْلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا : يُبْعَثُ صَاحِبُ النُّخَامَةِ فِي الْقِبْلَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهِيَ فِي وَجْهِهِ . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَهْلَةَ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ قَالَ أَحْمَدُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُرُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ فَرَغَ : لَا يُصَلِّي لَكُمْ . فَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ فَمَنَعُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : نَعَمْ ، وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّكَ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وَالْمَعْنَى أَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا لَا يُرْضِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ : أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَسْجِدِنَا هَذَا وَفِي يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنِ طَابٍ - ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : مَا بَالَ أَحَدِكُمْ يَقُومُ يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ ! أَيُحِبُّ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعُ فِي وَجْهِهِ ؟ الْحَدِيثَ . .

                                                                                                                                                                                  ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية