الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 5 ص: وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ. شرح معاني الآثار ش: أَيْ خَالَفَ الْقَوْمَ الْمَذْكُورِينَ جَمَاعَةٌ آخَرُونَ، وَأَرَادَ بِهِمْ: أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ -رَحِمَهُمُ اللَّهُ- فَإِنَّهُمْ قَالُوا: الْمَاءُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ جَارِيًا أَوْ رَاكِدًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، فَإِنْ كَانَ جَارِيًا فَوَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَكَانَتْ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ كَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّهُ لَا يُنَجَّسُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ، وَيَتَوَضَّأُ مِنْهُ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ، مِنَ الْجَوَانِبِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا النَّجَاسَةُ أَوْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ; كَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ "الْأَشْرِبَةِ". وَإِنْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً كَالْجِيفَةِ وَنَحْوِهَا; فَإِنْ كَانَ يَجْرِي جَمِيعُ الْمَاءِ عَلَيْهَا لَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَإِنْ كَانَ يَجْرِي أَكْثَرُهُ عَلَيْهَا كَذَلِكَ؛ اعْتِبَارًا بِالْغَالِبِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلُّهُ يَجْرِي عَلَيْهَا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَإِنْ كَانَ يَجْرِي عَلَيْهَا النِّصْفُ دُونَ النِّصْفِ فَالْقِيَاسُ جَوَازُ التَّوَضُّؤِ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ لَا يَجُوزُ احْتِيَاطًا. وَإِنْ كَانَ رَاكِدًا فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقَالَ الظَّاهِرِيَّةُ : لَا يُنَجَّسُ أَصْلًا. وَقَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ: إِنْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا يُنَجَّسُ وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَا يُنَجَّسُ. لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْحَدِّ الْفَاصِلِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ مَالِكٌ : إِنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ فَهُوَ قَلِيلٌ; وَإِلَّا فَهُوَ كَثِيرٌ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : "إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ كَثِيرٌ وَمَا دُونَهُمَا قَلِيلٌ. وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ". وَقَالَ أَصْحَابُنَا: إِنْ كَانَ بِحَالٍ يَخْلُصُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ فَهُوَ قَلِيلٌ وَإِلَّا فَهُوَ كَثِيرٌ . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْخُلُوصِ بَعْدَ أَنِ اتَّفَقُوا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْخُلُوصُ بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَوْ حُرِّكَ طَرَفٌ مِنْهُ يَتَحَرَّكُ الطَّرَفُ الْآخَرُ فَهُوَ مِمَّا يَخْلُصُ، وَإِلَّا فَهُوَ مِمَّا لَا يَخْلُصُ. وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ التَّحْرِيكِ، فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ التَّحْرِيكُ بِالِاغْتِسَالِ فِي غَيْرِ عُنْفٍ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالْوُضُوءِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ بِالْيَدِ مِنْ غَيْرِ اغْتِسَالٍ وَلَا وُضُوءٍ. وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي تَفْسِيرِ الْخُلُوصِ فَعَنْ أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ أَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِالصَّبْغِ، وَعَنِ ابْنِ أَخِي مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ أَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِالتَّكْدِيرِ، وَعَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْجُوزْجَانِيِّ أَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِالْمِسَاحَةِ وَقَالَ: إِنْ كَانَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ فَهُوَ مِمَّا لَا يَخْلُصُ، وَإِنْ كَانَ دُونَهُ فَهُوَ مِمَّا يَخْلُصُ. وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ اعْتَبَرَهُ بِالْعَشَرَةِ أَوَّلًا ثُمَّ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو مُطِيعٍ الْبَلْخِيُّ فَقَالَ: إِنْ كَانَ خَمْسَةَ عَشَرَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَرْجُو أَنْ يَجُوزَ وَإِنْ كَانَ عِشْرِينَ فِي عِشْرِينَ لَا أَجِدُ فِي قَلْبِي شَيْئًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِمَسْجِدِهِ وَكَانَ ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ، وَبِهِ أَخَذَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ، وَقِيلَ: كَانَ مَسْجِدُهُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ، وَقِيلَ: كَانَ دَاخِلُهُ ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ وَخَارِجُهُ عَشْرًا فِي عَشْرٍ، وَعَنِ الْكَرْخِيِّ لَا عِبْرَةَ لِلتَّقْدِيرِ وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ هُوَ التَّحَرِّي، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ رَأْيِهِ أَنَّ النَّجَاسَةَ خَلُصَتْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَتَوَضَّأُ مِنْهُ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ رَأْيِهِ أَنَّهَا لَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ يَجُوزُ. فَإِنْ قُلْتَ: نَصْبُ الْمُقَدَّرَاتِ بِالرَّأْيِ لَا يَجُوزُ. قُلْتُ: حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا لِتَقْدِيرِهِمُ الْمَاءَ الْكَثِيرَ بِالْعَشْرِ فِي الْعَشْرِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مُحَمَّدًا قَدَّرَهُ بِمَسْجِدِهِ وَكَانَ ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ عَلَى مَا مَرَّ وَكَانَ وُسْعُ بِئْرِ بُضَاعَةَ ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ عَلَى مَا قِيلَ، وَلَكِنْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : قَدَّرْتُ بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا ثُمَّ ذَرَعَتْهُ فَإِذَا عَرْضُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ، وَسَأَلْتُ الَّذِي فَتَحَ لِي بَابَ الْبُسْتَانِ فَأَدْخَلَنِي إِلَيْهِ هَلْ غُيِّرَ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: لَا. وَرَأَيْتُ الْمَاءَ فِيهَا مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ. انْتَهَى. فَإِذَا كَانَ عَرْضُهَا سِتَّةَ أَذْرُعٍ يَكُونُ طُولُهَا أَكْثَرَ مِنْهَا؛ إِذْ لَوْ كَانَتِ الْبِئْرُ مُدَوَّرَةً لَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : فَإِذَا دَوْرُهَا سِتَّةُ أَذْرُعٍ. فَإِذَا أُضِيفَ مَا فِي الطُّولِ مِنَ الزِّيَادَةِ إِلَى الْعَرْضِ يَكُونُ ثَمَانِيَةً وَأَكْثَرَ فَيَسْتَقِيمُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: كَانَ وُسْعُ بِئْرِ بُضَاعَةَ ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ؛ لِأَنَّ مَبْنَى ذَلِكَ عَلَى التَّقْدِيرِ لَا عَلَى التَّحْرِيرِ; فَأَخَذَ مُحَمَّدٌ مِنْ هَذَا وَقَالَ: إِنْ كَانَ قَدْرَ مَسْجِدِي هَذَا فَهُوَ كَثِيرٌ فَلَمَّا قَاسُوهُ وَجَدُوهُ ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ مِنْ دَاخِلِهِ وَعَشْرًا فِي عَشْرٍ مِنْ خَارِجِهِ، وَلَكِنَّهُمُ اعْتَبَرُوا مِسَاحَةً خَارِجَهُ، وَقَالُوا: الْمَاءُ الْكَثِيرُ عَشْرٌ فِي عَشْرٍ . وَلَمْ يَعْتَبِرُوا دَاخِلَهُ لِأَجْلِ الِاحْتِيَاطِ فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فِي تَقْدِيرِهِ بِثَمَانٍ فِي ثَمَانٍ فَهُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ; لِأَنَّ مَسْجِدَ مُحَمَّدٍ ثَمَانٍ فِي ثَمَانٍ كَمَا أَنَّ بِئْرَ بُضَاعَةَ ثَمَانٍ فِي ثَمَانٍ فَتَنَبَّهْ عَلَى هَذَا فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ لَمْ يَحُومُوا حَوْلَهُ حَتَّى تَعْرِفَ أَنَّ مَبْنَى أَقْوَالِ أَصْحَابِنَا عَلَى أَصْلٍ مُحْكَمٍ. وَأَمَّا مَنِ اعْتَبَرَ الْخُلُوصَ فِي تَقْدِيرِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ فَلَهُ أَنَّ يَسْتَنِدَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ الَّذِي ذُكِرَ عَنْ قَرِيبٍ، وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا لِتَقْدِيرِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عُمْقَ الْمَاءِ الْكَثِيرِ بِذِرَاعٍ عَلَى مَا قَالَ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ، وَأَمَّا الْعُمْقُ فَهَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ؟ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْجُوزْجَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَنَا اعْتَبَرُوا الْبَسْطَ دُونَ الْعُمْقِ. وَعَنِ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدَاوِيِّ إِنْ كَانَ بِحَالٍ لَوْ رَفَعَ إِنْسَانٌ الْمَاءَ بِكَفَّيْهِ انْحَسَرَ أَسْفَلُهُ ثُمَّ اتَّصَلَ لَا يَتَوَضَّأُ بِهِ وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَا يَنْحَسِرُ أَسْفَلُهُ لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ. وَقِيلَ: مِقْدَارُ الْعُمْقِ أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً عَلَى عَرْضِ الدِّرْهَمِ الْكَبِيرِ الْمِثْقَالِ، وَقِيلَ: أَنْ يَكُونَ قَدْرَ شِبْرٍ، وَقِيلَ: قَدْرَ ذِرَاعٍ، انْتَهَى. بَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ أَبَا دَاوُدَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: قَالَ: سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَأَلْتُ قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَنْ عُمْقِهَا قُلْتُ: أَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِيهَا الْمَاءُ؟ قَالَ: إِلَى الْعَانَةِ. قُلْتُ: فَإِذَا نَقَصَ؟ قَالَ: دُونَ الْعَوْرَةِ. فَهَذَا عِنْدَ ازْدِيَادِهِ يَكُونُ إِلَى الْعَانَةِ وَهَذَا قَدْرُ ذِرَاعٍ وَأَكْثَرَ، وَعِنْدَ انْتِقَاصِهِ يَكُونُ دُونَ الْعَوْرَةِ أَرَادَ بِهِ مَا دُونُ الرُّكْبَةِ فَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ شِبْرٍ، وَأَيًّا مَا كَانَ لَا تُنَجَّسُ الْأَرْضُ لَوْ رَفَعَ إِنْسَانٌ مَاءَهُ بِكَفَّيْهِ، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرِ فِيهِ اسْتِنَادٌ لِلْأَقْوَالِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي مِقْدَارِ الْعُمْقِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ، فَافْهَمْ.

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية