الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 2882 2883 2884 ص: فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَخَلَّفَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ لِأَلَمٍ نَزَلَ بِهِ ، وَصَلَّى عَلَيْهِمْ غَيْرُهُ . وَقَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ : ثَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ اللَّيْثِيُّ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ : أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ لَمْ يُغَسَّلُوا وَدُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ " . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَنْفِي الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمِنْ غَيْرِهِ ; فَنَظَرْنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَيْفَ هُوَ ؟ وَهَلْ زِيدَ عَلَى ابْنِ وَهْبٍ فِيهِ شَيْءٌ ، فَإِذَا ابْنُ مَرْزُوقٍ قَدْ حَدَّثَنَا ، قَالَ : ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ ، قَالَ : أَنَا أُسَامَةُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ بِحَمْزَةَ ، - رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُ - وَقَدْ جُدِعَ وَمُثِّلَ بِهِ ، فَقَالَ : لَوْلَا أَنْ تَجْزَعَ صَفِيَّةُ لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يَحْشُرَهُ اللَّهُ مِنْ بُطُونِ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ فَكَفَّنَهُ فِي نَمِرَةٍ ، إِذَا خَمَّرَ رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ ، وَإِذَا خَمَّرَ رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ ، فَخَمَّرَ رَأْسَهُ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ غَيْرَهُ وَقَالَ : أَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُصَلَّ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ غَيْرَ حَمْزَةَ ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، فَإِنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ وَهُوَ أَفْضَلُ شُهَدَاءِ أُحُدٍ ، فَلَوْ كَانَ مِنْ سُنَّةِ الشُّهَدَاءِ أَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ ، لَمَا صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ ، كَمَا لَمْ يُغَسِّلْهُ ، إِذْ كَانَ مِنْ سُنَّةِ الشُّهَدَاءِ أَنْ لَا يُغَسَّلُوا وَصَارِمًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى غَيْرِهِ ، فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يُصَلِّ عَلَى غَيْرِهِ لِشِدَّةِ مَا بِهِ مِمَّا ذَكَرْنَا ، وَصَلَّى عَلَيْهِمْ غَيْرُهُ مِنَ النَّاسِ . شرح معاني الآثار ش: لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ ، الثَّانِي مِنْهُمَا : أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ لِشَدِّهِ الْأَلَمِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ ، وَأَنَّ هَذَا لَا يَنْفِي صَلَاةَ غَيْرِهِ عَلَيْهِمْ ; أَوْرَدَ عَلَيْهِ حَدِيثَ أَنَسٍ ; فَإِنَّهُ أَخْبَرَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ ، وَهُوَ يَقْتَضِي تَرْكَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمِنْ غَيْرِهِ ، فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ أَوَّلًا . وَأَخْرَجَهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ : عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى الْمِصْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ . وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ : عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ ، أَبَنَا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، أَبَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ : "أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ لَمْ يُغَسَّلُوا وَدُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ " . وَقَالَ : وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا بِزِيَادَةٍ عَلَى حَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ فِي ذَاكَ الْحَدِيثِ "وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ " غَيْرَ حَمْزَةَ ، فَإِنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَفْضَلَ شُهَدَاءِ أُحُدٍ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى غَيْرِهِ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَجْلِ شِدَّةِ الْأَلَمِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ وَاشْتَغَلَ بِهِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَرْزُوقٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ فَارِسٍ ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ . . . إِلَى آخِرِهِ . وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ : ثَنَا عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ ، ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، نَا أُسَامَةُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ : "أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَرَّ بِحَمْزَةَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ غَيْرَهُ " . وَقَالَ أَيْضًا : ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، نَا زَيْدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحُبَابِ . وَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، نَا أَبُو صَفْوَانَ يَعْنِي الْمَرْوَانِيَّ ، عَنْ أُسَامَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ الْمَعْنَى : "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَرَّ عَلَى حَمْزَةَ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ ، فَقَالَ : لَوْلَا أَنْ تَجِدَ صَفِيَّةُ فِي نَفْسِهَا لَتَرَكْتُهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الْعَافِيَةُ حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ بُطُونِهَا وَقَلَّتِ الثِّيَابُ وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى ، فَكَانَ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ يُكَفَّنُونَ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ -زَادَ قُتَيْبَةُ - ثُمَّ يُدْفَنُونَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَسْأَلُ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ قُرْآنًا ؟ فَيُقَدِّمُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ " . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَفِي حَدِيثِهِ : "لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ " . وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا : وَلَفْظُهُ : "وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ غَيْرَهُ . . . " الْحَدِيثَ . فَإِنْ قِيلَ : ذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ فِي "عِلَلِهِ " قَالَ مُحَمَّدٌ : حَدِيثُ أُسَامَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، غَلَطَ فِيهِ أُسَامَةُ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : تَفَرَّدَ بِهِ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ ، وَرَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ أُسَامَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَنَسٍ وَزَادَ فِيهِ حَرْفًا لَمْ يَأْتِ بِهِ غَيْرُهُ ، فَقَالَ : "وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ غَيْرَهُ يَعْنِي حَمْزَةَ " . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : لَمْ يَنْقُلْ هَذِهِ اللَّفْظَةَ غَيْرُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ الْبَصْرِيِّ ، فَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ . قُلْتُ : أَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ ، وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ الْبَصْرِيُّ فَقَدِ اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ ، وَالزِّيَادَةُ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : "وَقَدْ جُدِعَ " جُمْلَةٌ وَقَعَتْ حَالًا مِنَ الْجَدْعِ وَهُوَ قَطْعُ الْأَنْفِ أَوِ الْأُذُنِ أَوِ الشَّفَةِ وَالْمَعْنَى هَا هُنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ عَلَى حَمْزَةَ وَالْحَالُ أَنَّهُ وَجَدَهُ وَهُوَ مَقْطُوعُ الْأَنْفِ . قَوْلُهُ : "وَمُثِّلَ بِهِ " مِنْ مَثَّلْتُ بِالْحَيَوَانِ أُمَثِّلُ مَثْلًا -بِالسُّكُونِ- إِذَا قَطَّعْتُ أَطْرَافَهُ وَشَوَّهْتُ بِهِ ، وَمَثَّلْتُ بِالْقَتِيلِ إِذَا جَدَعْتُ أَنْفَهُ أَوْ أُذُنَهُ أَوْ مَذَاكِيرَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْ أَطْرَافِهِ وَالِاسْمُ الْمُثْلَةُ وَمُثِّلَ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبَالَغَةِ وَبَابُهُ مِنْ نَصَرَ يَنْصُرُ . قَوْلُهُ : "لَوْلَا أَنْ تَجْزَعَ صَفِيَّةُ " وَهِيَ أُخْتُ حَمْزَةَ ، عَمَّةُ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَهِيَ أُمُّ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ، وَلَمْ يُسْلِمْ مِنْ عَمَّاتِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَكُنْ سِتًّا غَيْرَ صَفِيَّةَ ، وَقِيلَ : عَاتِكَةُ أَيْضًا . قَوْلُهُ : "فِي نَمِرَةٍ " بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ ، وَهِيَ كُلُّ شَمْلَةٍ مُخَطَّطَةٍ مِنْ مَآزِرِ الْأَعْرَابِ وَجَمْعُهَا نِمَارٍ ، كَأَنَّهَا أُخِذَتْ مِنْ لَوْنِ النَّمِرِ ، لِمَا فِيهَا مِنَ السَّوَادِ وَالْبَيَاضِ . قَوْلُهُ : "إِذَا خَمَّرَ " أَيْ غَطَّى ، وَمِنْهُ الْخِمَارُ لِتَغْطِيَتِهِ الرَّأْسَ ، وَالْخَمْرُ لِتَغْطِيَتِهِ الْعَقْلَ . قَوْلُهُ : "حَتَّى تَأْكُلَهُ الْعَافِيَةُ " أَيِ السِّبَاعُ وَالطَّيْرُ الَّتِي تَقَعُ عَلَى الْجِيَفِ فَتَأْكُلُهَا ، وَتُجْمَعُ عَلَى الْعَوَافِي ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ : الْعَافِيَةُ وَالْعَافِي كُلُّ طَالِبِ رِزْقٍ مِنْ إِنْسَانٍ أَوْ بَهِيمَةٍ أَوْ طَائِرٍ ، وَجَمْعُهُمَا الْعَوَافِي وَقَدْ تَقَعُ الْعَافِيَةُ عَلَى الْجَمَاعَةِ ، يُقَالُ : عَفَوْتُهُ وَاعْتَفَيْتُهُ أَيْ أَتَيْتُهُ أَطْلُبُ مَعْرُوفَهُ .

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية