الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 2884 2885 2886 2887 ص: وَقَدْ جَاءَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى يَوْمَئِذٍ عَلَى حَمْزَةَ وَعَلَى سَائِرِ الشُّهَدَاءِ . حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي دَاوُدَ ، قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يُوضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ عَشَرَةٌ فَيُصَلِّي عَلَيْهِمْ وَعَلَى حَمْزَةَ ، ثُمَّ يُرْفَعُ الْعَشَرَةُ وَحَمْزَةُ مَوْضُوعٌ ، ثُمَّ تُوضَعُ عَشَرَةٌ فَيُصَلِّي عَلَيْهِمْ وَعَلَى حَمْزَةَ مَعَهُمْ " . حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، قَالَ : ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ ، قَالَ : ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : " أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَوْمَ أُحُدٍ بِالْقَتْلَى ، فَجَعَلَ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ ، فَيُوضَعُ تِسْعَةٌ وَحَمْزَةُ ، فَيُكَبِّرُ عَلَيْهِمْ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يُرْفَعُونَ وَيُتْرَكُ حَمْزَةُ ، ثُمَّ يُجَاءُ بِتِسْعَةٍ فَيُكَبِّرُ عَلَيْهِمْ سَبْعًا حَتَّى فَرَغَ مِنْهُمْ " . حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، قَالَ : ثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ ، قَالَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ يَوْمَ أُحُدٍ بِحَمْزَةَ فَسُجِّيَ بِبُرْدَةٍ ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ فَكَبَّرَ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ أُتِيَ بِالْقَتْلَى يُصَفُّونَ وَيُصَلِّي عَلَيْهِمْ وَعَلَيْهِ مَعَهُمْ " . فَهَذَا ابْنُ عَبَّاسٍ: ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ ، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قَدْ خَالَفَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِيمَا رَوَيْنَا عَنْهُ قَبْلَ هَذَا . شرح معاني الآثار ش: أَيْ قَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ غَيْرِ حَدِيثِ أَنَسٍ ، أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى يَوْمَ أُحُدٍ عَلَى حَمْزَةَ وَعَلَى سَائِرِ الشُّهَدَاءِ ، وَهُوَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَإِنَّ حَدِيثَهُمَا يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى يَوْمَ أُحُدٍ عَلَى جَمِيعِ مَنِ اسْتُشْهِدَ هُنَاكَ ، فَدَلَّ أَنَّ الشَّهِيدَ يُصَلَّى عَلَيْهِ . فَهَذَا خِلَافُ مَا رَوَاهُ أَنَسٌ ، فَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ; لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ نَافِي وَالْمُثْبِتُ أَوْلَى ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ لِأَنَّهُ نَافِي ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ جَابِرًا كَانَ يَوْمَئِذٍ مَشْغُولًا ; فَإِنَّهُ قُتِلَ أَبُوهُ وَأَخُوهُ وَخَالُهُ ، فَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُدَبِّرَ كَيْفَ يَحْمِلُهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ ، فَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا حِينَ صَلَّى النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَيْهِمْ ، فَلِهَذَا رَوَى فِي رِوَايَتِهِ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ ، وَمَنْ شَاهَدَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَدْ رَوَى أَنَّهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ . وَقِيلَ : يَجُوزُ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَصَلَّى عَلَيْهِمْ فِي يَوْمٍ غَيْرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي صَلَاتِهِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ . فَإِنْ قِيلَ : الشَّهِيدُ وُصِفَ بِأَنَّهُ حَيٌّ بِالنَّصِّ ، وَالصَّلَاةُ شُرِعَتْ عَلَى الْمَيِّتِ لَا عَلَى الْحَيِّ . قُلْتُ : الشَّهِيدُ حَيٌّ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ ، فَأَمَّا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَهُوَ مَيِّتٌ يُقَسَّمُ مِيرَاثُهُ ، وَتَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا . فَإِنْ قِيلَ : الصَّلَاةُ مَا شُرِعَتْ إِلَّا بَعْدَ الْغُسْلِ ، فَسُقُوطُهُ دَلِيلٌ عَلَى سُقُوطِهَا . قُلْتُ : غُسْلُهُ لِتَطْهِيرِهِ ، وَالشَّهَادَةُ طَهَّرَتْهُ فَأَغْنَتْ عَنِ الْغُسْلِ ، كَسَائِرِ الْمَوْتَى بَعْدَمَا غُسِّلُوا . أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ : الْأَوَّلُ : عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي دَاوُدَ الْبُرُلُّسِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيِّ الْخَارِفِيِّ شَيْخِ الشَّيْخَيْنِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ سَالِمٍ الْأَسَدِيِّ الْكُوفِيِّ الْحَنَّاطِ -بِالنُّونِ- الْمُقْرِئِ ، وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ أَوْ عَبْدُ اللَّهِ أَوْ سَالِمٌ أَوْ شُعْبَةُ أَوْ رُؤْبَةُ أَوْ مُسْلِمٌ أَوْ خِدَاشٌ أَوْ مُطَرِّفٌ أَوْ حَمَّادٌ أَوْ حَبِيبٌ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَهُ كُنْيَتُهُ ، رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ مُسْلِمٌ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ . عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ الْقُرَشِيِّ الْكُوفِيِّ ، احْتَجَّ بِهِ الْأَرْبَعَةُ ، وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ . عَنْ مِقْسَمِ بْنِ بَجَرَةَ -بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ وَجِيمٍ وَرَاءٍ مَفْتُوحَاتٍ ، وَقِيلَ : بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ ، وَقِيلَ : ابْنُ نَجْدَةَ بِالنُّونِ وَالْجِيمِ- مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، وَيُقَالُ لَهُ : مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ لِلُزُومِهِ لَهُ ، رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ سِوَى مُسْلِمٍ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : "أُتِيَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَوْمَ أُحُدٍ ، فَجَعَلَ يُصَلِّي عَلَى عَشْرَةِ عَشْرَةٍ ، وَحَمْزَةُ هُوَ كَمَا هُوَ ، يُرْفَعُونَ وَهُوَ كَمَا هُوَ مَوْضُوعٌ " . الثَّانِي : عَنْ فَهْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ إِلَى آخِرِهِ . وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي "مُسْنَدِهِ " بِأَتَمَّ مِنْهُ : ثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ ، نَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ ، نَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، نَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : "لَمَّا قُتِلَ حَمْزَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَوْمَ أُحُدٍ أَقْبَلَتْ صَفِيَّةُ تَسْأَلُ مَا صَنَعَ ؟ فَلَقِيَتْ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَقَالَتْ : يَا عَلِيُّ وَيَا زُبَيْرُ مَا فَعَلَ حَمْزَةُ فَأَوْهَمَاهَا أَنَّهُمَا لَا يَدْرِيَانِ ، قَالَ : فَضَحِكَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقَالَ : إِنِّي أَخَافُ عَلَى عَقْلِهَا ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهَا وَدَعَا فَاسْتَرْجَعَتْ وَبَكَتْ ، ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ وَقَالَ : لَوْلَا جَزَعُ النِّسَاءِ لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يُحْشَرَ مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ وَحَوَاصِلِ الطَّيْرِ ، ثُمَّ أُتِيَ بِالْقَتْلَى فَجَعَلَ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ ، فَتُوضَعُ سَبْعَةٌ وَحَمْزَةُ فَيُكَبِّرُ عَلَيْهِمْ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يُرْفَعُونَ وَيُتْرَكُ حَمْزَةُ مَكَانَهُ ثُمَّ يُجَاءُ فَيُكَبِّرُ عَلَيْهِمْ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْهُمْ " . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نُعْلَمُهُ يُرْوَى بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ . وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ " ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي "مُعْجَمِهِ " ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ " وَلَفْظُهُمْ : "أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِحَمْزَةَ يَوْمَ أُحُدٍ فَهُيِّئَ لِلْقِبْلَةِ ثُمَّ كَبَّرَ عَلَيْهِ سَبْعًا ، ثُمَّ جُمِعَ إِلَيْهِ الشُّهَدَاءُ حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعِينَ صَلَاةً " . زَادَ الطَّبَرَانِيُّ : "ثُمَّ وَقَفَ عَلَيْهِمْ حَتَّى وَارَاهُمْ " . وَسَكَتَ الْحَاكِمُ عَنْهُ ، وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ فَقَالَ : وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هَكَذَا رَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ أَصَحُّ . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "التَّحْقِيقِ " : وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ . وَتَعَقَّبَهُ صَاحِبُ "التَّنْقِيحِ " بِأَنَّ مَا حَكَاهُ عَنِ الْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ إِنَّمَا هُوَ فِي يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ ، وَأَمَّا رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ فَهُوَ الْكُوفِيُّ ، وَلَا يُقَالُ فِيهِ : ابْنُ زِيَادٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ ابْنُ أَبِي زِيَادٍ ، وَهُوَ مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ عَلَى لِينِهِ ، وَقَدْ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ ، وَرَوَى لَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَرَكَ حَدِيثَهُ ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ جَعَلَهُمَا فِي كِتَابِهِ الَّذِي فِي الضُّعَفَاءِ وَاحِدًا ، وَهُوَ وَهْمٌ ، وَغَلَطٌ . قُلْتُ : وَمِمَّا يُؤَيِّدُ حَدِيثَ [ يَزِيدَ] بْنِ أَبِي زِيَادٍ هَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ هِشَامٍ فِي السِّيرَةِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ ، عَنْ مِقْسَمٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ : "أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِحَمْزَةَ فَسُجِّيَ بِبُرْدَةٍ ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ وَكَبَّرَ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ ، ثُمَّ أُتِيَ بِالْقَتْلَى يُوضَعُونَ إِلَى حَمْزَةَ ، فَصَلَّى عَلَيْهِمْ وَعَلَيْهِ مَعَهُمْ حَتَّى صَلَّى عَلَيْهِ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ صَلَاةً ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي "الرَّوْضِ الْأُنُفِ " : قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ إِنْ كَانَ هُوَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ فَهُوَ ضَعِيفٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فَهُوَ مَجْهُولٌ ، وَلَمْ يَرْوَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ صَلَّى عَلَى شَهِيدٍ فِي شَيْءٍ مِنْ مَغَازِيهِ إِلَّا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَا فِي مُدَّةِ الْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ . انْتَهَى . قُلْتُ : وَقَدْ وَرَدَ مُصَرَّحًا فِيهِ بِالْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ الزُّبَيْدِيُّ فِي "سُنَنِهِ " عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا انْصَرَفَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ ، أَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى الْقَتْلَى ، فَرَأَى مَنْظَرًا أَسَاءَهُ ، فَرَأَى حَمْزَةَ قَدْ شُقَّ بَطْنُهُ ، وَاصْطُلِمَ أَنْفُهُ ، وَجُدِعَتْ أُذُنَاهُ ، فَقَالَ : لَوْلَا أَنْ [تَحْزَنَ] النِّسَاءُ فَتَكُونَ سُنَّةً بَعْدِي لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يَحْشُرَهُ اللَّهُ فِي بُطُونِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ وَلَمَثَّلْتُ بِثَلَاثِينَ مِنْهُمْ مَكَانَهُ ، ثُمَّ دَعَا بِبُرْدَةٍ فَغَطَّى بِهَا وَجْهَهُ فَخَرَجَتْ رِجْلَاهُ ، فَغَطَّى بِهَا رِجْلَيْهِ فَخَرَجَ رَأْسُهُ ، فَغَطَّى بِهَا رَأْسَهُ ، وَجَعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الْإِذْخِرِ ثُمَّ قَدَّمَهُ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ عَشْرًا ، ثُمَّ جَعَلَ يُجَاءُ بِالرَّجُلِ فَيُوضَعُ إِلَى جَنْبِهِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثُمَّ يُرْفَعُ ، وَيُجَاءُ بِآخَرَ فَيُوضَعُ وَحَمْزَةُ مَكَانَهُ حَتَّى صَلَّى سَبْعِينَ صَلَاةً ، وَكَانَتِ الْقَتْلَى سَبْعِينَ ، فَلَمَّا دُفِنُوا وَفُرِغَ مِنْهُمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا الْآيَةَ ، فَصَبَرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يُعَاقِبِ . انْتَهَى . وَلَمَّا أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ ابْنِ إِسْحَاقَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي "سُنَنِهِ " قَالَ : وَرَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ " ثُمَّ أَخْرَجَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ غَيْلَانَ ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، قَالَ لِي شُعْبَةُ : ائْتِ جَرِيرَ بْنَ حَازِمٍ فَقُلْ لَهُ : لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَرْوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ فَإِنَّهُ كَذَّابٌ ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ : فَقُلْتُ لِشُعْبَةَ مَا عَلَامَةُ كَذِبِهِ ؟ قَالَ : رَوَى عَنِ الْحَكَمِ أَشْيَاءَ فَلَمْ أَجِدْ لَهَا أَصْلًا ، قُلْتُ لِلْحَكَمِ : صَلَّى النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ ؟ قَالَ : لَا ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ : حَدَّثَنِي الْحَكَمُ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : "أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ " . قُلْتُ : ذَكَرَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ فِي كِتَابِهِ "الْفَاصِلِ " هَذِهِ الْحِكَايَةَ عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ مَحْمُودٍ ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ : ثَنَا عَبْدَانُ ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْرَمِيُّ ، ثَنَا أَبُو دَاوُدَ ، سَمِعْتُ شُعْبَةَ يَقُولُ : أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ هَذَا الْمَجْنُونِ ؟! جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ وَحَمَّادُ بْنُ زِيَادٍ أَتَيَانِي يَسْأَلَانِ أَنْ أَسْكُتَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ ، وَلَا وَاللَّهِ لَا أَسْكُتُ عَنْهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَاللَّهِ لَا أَسْكُتُ عَنْهُ ، فَذَكَرَ وَضْعَ الزَّكَاةِ فِي صِنْفٍ ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا الْحَسَنُ يُحَدِّثُ عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ ، عَنْ عَلِيٍّ : "أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - صَلَّى عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ وَغَسَّلَهُمْ " وَأَنَا سَأَلْتُ الْحَكَمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَلَا يُغَسَّلُونَ . . . إِلَى آخِرِهِ . ثُمَّ قَالَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ : أَصْلُ هَذِهِ الْحِكَايَةِ مِنْ أَبِي دَاوُدَ وَقَدْ خَلَّطَ فِيهَا أَوْ خُلِّطَ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَالْمَخْرَمِيُّ أَضْبَطُ مِنَ ابْنِ غَيْلَانَ ، وَبَيْنَ الْحِكَايَتَيْنِ تَفَاوُتٌ شَدِيدٌ ، وَلَا يُسْتَدَلُّ عَلَى تَكْذِيبِ الْحَسَنِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ شُعْبَةُ ; لِأَنَّهُ اسْتَفْتَى الْحَكَمَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَأَفْتَى بِمَا عِنْدَهُ ، وَهُوَ أَحَدُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ ، فَلَمَّا قَالَ : شُعْبَةُ عَمَّنْ قَالَ فِي إِحْدَاهُمَا : هُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ ، وَفِي الْأُخْرَى : هُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ . وَلَا يَلْزَمُ الْمُفْتَى أَنْ يُفْتِيَ بِمَا رَوَى ، وَلَا يَتْرُكُ رِوَايَةَ مَا لَا يُفْتِي بِهِ ، هَذَا مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، هَذَا مَالِكٌ يَعْمَلُ بِخِلَافِ كَثِيرٍ مِمَّا رَوَى وَالزُّهْرِيُّ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَثْبَتُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الْحَكَمِ ، عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ حَدَّثَ بِهِ مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ثُمَّ تَرَكَ الْعَمَلَ بِهِ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ رَوَى حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ ، ثُمَّ قَالَ بِخِلَافِهِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحَدِّثَ الْحَكَمُ بِمَا الْعَمَلَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ بِخِلَافِهِ ، فَيَسْأَلُهُ شُعْبَةُ فَيُجِيبُ بِمَا الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ ، وَالْإِنْصَافُ أَوْلَى بِأَهْلِ الْعِلْمِ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - : فَأَخْرَجَهُ عَنْ فَهْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ بُهْلُولٍ التَّمِيمِيِّ أَبِي يَعْقُوبَ الْأَنْبَارِيِّ نَزِيلِ الْكُوفَةِ ، أَحَدِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَثَّقَهُ الْحَضْرَمِيُّ وَالْخَطِيبُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ بْنِ يَزِيدَ الزَّعَافِرِيِّ الْكُوفِيِّ رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَدَنِيِّ رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ الْبُخَارِيُّ مُسْتَشْهِدًا وَمُسْلِمٌ فِي الْمُتَابَعَاتِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ الْقُرَشِيِّ الْمَدَنِيِّ ، وَثَّقَهُ يَحْيَى وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ ، وَرَوَى لَهُ الْأَرْبَعَةُ ، عَنْ أَبِيهِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، رَوَى لَهُ الْجَمَاعَةُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ شَاهِينَ فِي كِتَابِهِ : مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ الزُّبَيْرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : "صَلَّى النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَى حَمْزَةَ فَكَبَّرَ سَبْعًا " ، وَقَالَ الْبَغَوِيُّ : حِفْظِي أَنَّهُ قَالَ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ . قَوْلُهُ : "فَسُجِّيَ بِبُرْدَةٍ " أَيْ غُطِّيَ بِهَا ، وَهِيَ الشَّمْلَةُ الْمُخَطَّطَةُ ، وَقِيلَ : كِسَاءٌ أَسْوَدُ مُرَبَّعٌ فِيهِ خُطُوطٌ تَلْبِسُهُ الْأَعْرَابُ ، وَجَمْعُهَا بُرْدٌ .

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية