الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 7426 ص: ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَيْضًا عِنْدَنَا حُجَّةٌ فِي دَفْعِ مَوَارِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ "لَا شَيْءَ لَهُمَا" أَيْ لَا فَرْضَ لَهُمَا مُسَمًّى كَمَا لِغَيْرِهِمَا مِنَ النِّسْوَةِ اللَّاتِي يَرِثْنَ، كَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْجَدَّاتِ، فَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَقَالَ: "لَا شَيْءَ" عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا "لَا شَيْءَ لَهُمَا" لَا مِيرَاثَ لَهُمَا أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَزَلَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَلَمَّا نَزَلَ ذَلِكَ جُعِلَ لَهُمَا الْمِيرَاثُ، فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي مِثْلِ هَذَا أَيْضًا مَا حَدَّثَنَا فَهْدٌ ، قَالَ: ثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ ، قَالَ: ثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ ، قَالَ: "تُوُفِّيَ ثَابِتُ بْنُ الدَّحْدَاحِ ، وَكَانَ أَتِيًّا وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يُعْرَفُ، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لِعَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ : - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هَلْ تَعْرِفُونَ لَهُ مِنْكُمْ نَسَبًا؟ قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَدَعَى رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ ابْنَ أُخْتِهِ، فَأَعْطَاهُ مِيرَاثَهُ". فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَدْ وَرَّثَ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ ثَابِتٍ ، بِرَحِمِهِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ مَوَارِيثُ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَدَلَّ سُؤَالُ رَسُولِ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- رَبَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ هَلْ لَهُمَا مِيرَاثٌ أَمْ لَا؟ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَزَلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ شَيْءٌ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا تَأَخُّرُ حَدِيثِ وَاسِعٍ هَذَا عَنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ؛ ، فَصَارَ نَاسِخًا لَهُ. فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ حَدِيثَ وَاسِعٍ هَذَا مُنْقَطِعٌ. قِيلَ لَكُمْ: وَحَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، مُنْقَطِعٌ أَيْضًا، فَمَنْ جَعَلَكُمْ أَوْلَى بِتَثْبِيتِ الْمُنْقَطِعِ فِيمَا يُوَافِقُكُمْ، مِنْ مُخَالِفِكُمْ فِيمَا يُوَافِقُهُ. شرح معاني الآثار ش: هَذَا جَوَابٌ بِطَرِيقِ التَّسْلِيمِ، وَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنَ الْمِيرَاثِ، لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: "لَا شَيْءَ لَهُمَا" يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَا فَرْضَ لَهُمَا، فَسَمَّى مُقَدِّرًا كَمَا كَانَ لِغَيْرِهِمَا مِنَ النِّسَاءِ الْوَارِثَاتِ كَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْجَدَّاتِ، وَلَمْ يَكُنْ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- شَيْءٌ فِي ذَلِكَ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ، فَلِذَلِكَ قَالَ: "لَا شَيْءَ لَهُمَا" عَلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ. الثَّانِي: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: لَا مِيرَاثَ لَهُمَا أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَزَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ جَعَلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَهُمَا الْمِيرَاثَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ، أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَهُوَ حَدِيثُ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ -بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. أَخْرَجَهُ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ": ثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ قَالَ: "هَلَكَ ابْنُ دَحْدَاحَةَ وَكَانَ ذَا رَأْيٍ فِيهِمْ، فَدَعَى رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ فَقَالَ: هَلْ كَانَ لَهُ فِيكُمْ نَسَبٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِيرَاثَهُ ابْنَ أُخْتِهِ أَبَا لَبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ". وَقَالَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ قَالَ: "كَانَ ثَابِتُ بْنُ الدَّحْدَاحِ رَجُلًا أَتِيًّا -يَعْنِي طَارِئًا- وَكَانَ فِي بَنِي أُنَيْفٍ أَوْ بَنِي الْعَجْلَانِ، فَمَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلَّا ابْنَ أُخْتِهِ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِيرَاثَهُ". وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي "سُنَنِهِ": مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ ، عَنْ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ: "أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الدَّحْدَاحِ -وَكَانَ رَجُلًا أَتِيًّا فِي بَنِي أُنَيْفٍ أَوْ فِي بَنِي الْعَجْلَانِ- مَاتَ فَسَأَلَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: هَلْ لَهُ وَارِثٌ؟ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ وَارِثًا، فَدَفَعَ مِيرَاثَهُ إِلَى ابْنِ أُخْتِهِ وَهُوَ أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ". قَوْلُهُ: "تُوُفِّيَ ثَابِتُ بْنُ الدَّحْدَاحِ" وَقِيلَ: الدَّحْدَاحَةُ بْنُ نُعَيْمٍ، يُكَنَّى أَبَا الدَّحْدَاحِ، وَيُقَالُ: أَبَا الدَّحْدَاحَةِ. قَوْلُهُ: "وَكَانَ أَتِيًّا" بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ آخِرَ الْحُرُوفِ، وَمَعْنَاهُ كَانَ غَرِيبًا يُقَالُ: رَجُلٌ أَتِيٌّ وَأَتَاوِيٌّ، وَقَدْ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: "وَهُوَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يُعْرَفُ". قَوْلُهُ: "لِعَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ" هُوَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْجَدِّ بْنِ عَجْلَانَ الْعَجْلَانِيُّ . قَوْلُهُ: "أَبَا لُبَابَةَ". بِضَمِّ اللَّامِ وَبِالْبَاءَيْنِ الْمُوَحَّدَتَيْنِ، وَهُوَ أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: اسْمُهُ بَشِيرُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ . قَوْلُهُ: "فَإِنْ قُلْتُمْ: إِنَّ حَدِيثَ وَاسِعٍ هَذَا مُنْقَطِعٌ...إِلَى آخِرِهِ". سُؤَالٌ مِنْ جِهَةِ الْمُخَالِفِينَ الَّذِينَ يَحْرِمُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ عَنِ الْمِيرَاثِ، وَهُوَ وَجَوَابُهُ ظَاهِرَانِ، وَحَاصِلُهُ: إِنَّهُ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ يَقْتَضِي الِاحْتِجَاجُ بِهِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَجَابَ الشَّافِعِيُّ عَنْهُ فِي الْقَدِيمِ فَقَالَ: ثَابِتٌ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ، ثُمَّ رَوَى مِنْ حَدِيثِ شُعَيْبٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ فِي قِصَّةٍ ذَكَرَهَا قَالَ: "فَلَمْ يَلْبَثِ ابْنُ الدَّحْدَاحَةِ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ، فَخَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَقَاتَلَهُمْ، فَقُتِلَ شَهِيدًا". ثُمَّ قَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: نَزَلَتِ الْفَرَائِضُ فِيمَا بَيَّنَتْ أَصْحَابُنَا فِي بَنَاتِ مَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ قُتِلَ يَوْمَ خَيْبَرَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ بَعْدَ أُحُدٍ فِي بَنَاتِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. وَهَذَا كُلُّهُ بَعْدَ أَمْرِ ثَابِتِ بْنِ الدَّحْدَاحَةِ . قُلْتُ: ذَكَرَ صَاحِبُ "الِاسْتِيعَابِ" عَنِ الْوَاقِدِيِّ قَالَ: وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا الرُّوَاةِ لِلْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّ ابْنَ الدَّحْدَاحَةِ بَرِيءٌ مِنْ جِرَاحَاتِهِ وَمَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ مِنْ جُرْحٍ أَصَابَهُ، ثُمَّ انْتَقَصَ بِهِ مَرْجِعَ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ. وَشَهِدَ لِهَذَا الْقَوْلِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: "أُتِيَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بِفَرَسٍ مَعْرُورًا فَرَكِبَهُ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْ جِنَازَةِ ابْنِ الدَّحْدَاحِ، وَنَحْنُ حَوْلَهُ". وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "الْكَشْفِ لِمُشْكِلِ الصَّحِيحَيْنِ": اخْتَلَفَتِ الرُّوَاةُ فِي مَوْتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْمَعْرَكَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ جُرِحَ وَبَرِئَ وَمَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ مَرْجِعَ رَسُولِ اللَّهِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مِنَ الْحُدَيْبِيَةَ. وَهَذَا أَصَحُّ؛ لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ آيَةَ الْفَرَائِضِ نَزَلَتْ فِي بَنَاتِ مَحْمُودِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَلَيْسَ هَذَا مَعْرُوفًا وَلَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَأَسْبَابِ النُّزُولِ، وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِيهَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي جَابِرٍ أَوِ ابْنَتَيْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ . وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فَنَزَلَتْ: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية