الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                                      التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل

                                                                                                                                                                                                                                      المهدوي - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي

                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَقَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ الْآيَةَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ وَعَدِيًّا - وَكَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ - خَرَجَ مَعَهُمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي سَهْمٍ فِي سَفَرٍ; فَتُوُفِّيَ وَلَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُمَا; فَوَصَّى إِلَيْهِمَا، فَأَوْصَلَا تَرِكَتَهُ إِلَى أَهْلِهِ، وَحَبَسَا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِذَهَبٍ; فَفَقَدَهُ أَوْلِيَاءُ الْمَيِّتِ; فَأَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ; فَاسْتَحْلَفَهُمَا أَنَّهُمَا مَا اطَّلَعَا عَلَيْهِ، وَلَا كَتَمَاهُ، ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ عِنْدَ رَجُلٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءَ السَّهْمِيِّ، فَحَلَفَا بِاللَّهِ أَنَّ هَذَا الْجَامَ لِوَلِيِّنَا، وَلَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا، وَمَا اعْتَدَيْنَا، وَأَخَذَا الْجَامَ; فَالْآيَةُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مَنْسُوخَةٌ. وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْكَافِرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِمْ، إِلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ كَانَ يُجِيزُ شَهَادَةَ الْكُفَّارِ عَلَى الْكُفَّارِ، وَلَا يُجِيزُهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَقَوْلُهُ: أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ : قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَعُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي: مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَجَازَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ خَاصَّةً; لِلضَّرُورَةِ. وَمَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا: أَنَّ الْمَعْنَى: مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ. الْحَسَنُ: إِنْ شَهِدَا و هُمَا مِنْ غَيْرِ الْعَشِيرَةِ، وَهُمَا عَدْلَانِ; مَضَتْ شَهَادَتُهُمَا، وَإِنِ ارْتِيبَ فِي شَهَادَتِهِمَا; حُبِسَا بَعْدَ الْعَصْرِ، فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى ، فَتَمْضِي شَهَادَتُهُمَا، وَإِنَّمَا اسْتُحْلِفَا; لِأَنَّهُمَا وَصِيَّانِ شَاهِدَانِ; فَإِنِ اطُّلِعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمَا شَهِدَا بِزُورٍ; حَلَفَ وَلِيَّانِ مِنَ الْوَرَثَةِ، وَاسْتَحَقَّا مَا حَلَفَا عَلَيْهِ، وَهَذَا مَعْنَى: فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا ; أَيْ: مَقَامَ الشَّاهِدَيْنِ. وَمَعْنَى لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا : لَيَمِينُنَا أَحَقُّ مِنْ يَمِينِهِمَا. ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ أَيْ: أَقْرَبُ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ الشَّاهِدَانِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا، وَلَا يُغَيِّرَاهَا. فَعَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ: يَحْلِفُ الشَّاهِدَانِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَنْسُوخٍ، وَمَنْ قَالَ: إِنَّ مَعْنَى ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ : مِنَ الْمُسْلِمِينَ; كَانَ مَعْنَى (مِنْ غَيْرِكُمْ): مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَنْ قَالَ: (مِنْكُمْ): مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ، كَانَ مَعْنَى (مِنْ غَيْرِكُمْ): مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِلَى أَنَّ مَعْنَى (الشَّهَادَةِ) فِي قَوْلِهِ: شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ : الْحُضُورُ لِلْوَصِيَّةِ; فَالْمَعْنَى: لِيَحْضُرَ اثْنَانِ; فَهُمَا وَصِيَّانِ، لَا شَاهِدَانِ، وَذَهَبَ الطَّبَرِيُّ: إِلَى أَنَّ (الشَّهَادَةَ) بِمَعْنَى: الْيَمِينِ; فَيَكُونُ الْمَعْنَى: يَمِينٌ بَيْنَكُمْ أَنْ يَحْلِفَ اثْنَانِ، وَاسْتُدِلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ الشَّهَادَةِ الَّتِي تُؤَدَّى لِلْمَشْهُودِ لَهُ: بِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ لِلَّهِ حُكْمٌ يَجِبُ فِيهِ عَلَى الشَّاهِدِ يَمِينٌ. وَمَعْنَى ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ : سَافَرْتُمْ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ; وَالتَّقْدِيرُ: إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ، فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ، فَأَوْصَيْتُمْ إِلَى اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ، وَدَفَعْتُمْ إِلَيْهِمَا مَا مَعَكُمْ مِنْ مَالٍ، ثُمَّ مُتُّمْ، وَذَهَبَا إِلَى وَرَثَتِكُمْ بِالتَّرِكَةِ، فَارْتَابُوا فِي أَمْرِهِمَا، وَادَّعَوْا عَلَيْهِمَا خِيَانَةً; فَالْحُكْمُ أَنْ تَحْبِسُوهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ; أَيْ: تَسْتَوْثِقُوا مِنْهُمَا. قَالَ شُرَيْحٌ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُمَا: هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: صَلَاةُ الظُّهْرِ. ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ: صَلَاةُ أَهْلِ دِينِهِمَا، هَذَا عَلَى أَنَّهُمَا غَيْرُ مُسْلِمِينَ. وَمَعْنَى لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا أَيْ: بِالْقِسْمِ، وَقِيلَ: (الْهَاءُ) لِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ كَانَ الَّذِي يُقْسَمُ لَهُ بِهِ ذَا قُرْبَى مِنَّا. وَقِيلَ: إِنَّمَا أُلْزِمَ الشَّاهِدَانِ الْيَمِينَ; لِأَنَّهُمَا ادَّعَيَا أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لَهُمَا بِوَصِيَّةٍ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية