الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      معلومات الكتاب

                                                                                                                                                                                                                                      التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل

                                                                                                                                                                                                                                      المهدوي - أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي

                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَقَوْلُهُ: إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ : سَأَلَ الْحَوَارِيُّونَ الْمَائِدَةَ; لِيَزْدَادُوا تَثْبِيتًا فِي أَمْرِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَمَعْنَى هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ : هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ؟ [فَهُوَ مَجَازٌ، كَمَا تَقُولُ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَزُورَنِي؟» وَأَنْتَ عَالِمٌ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ]، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: (مَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ); أَيْ: مَا أَنَا فَاعِلُهُ. وَقِيلَ: قَالُوا ذَلِكَ قَبْلَ اسْتِحْكَامِ مَعْرِفَتِهِمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِمْ؟ وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ عِيسَى: اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . السُّدِّيُّ: الْمَعْنَى: هَلْ يُطِيعُكَ رَبُّكَ إِنْ سَأَلْتَهُ؟ فَـ (يَسْتَطِيعُ) عَلَى هَذَا بِمَعْنَى:يُطِيعُ. وَمَنْ قَرَأَ: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ); فَمَعْنَاهُ: هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤَالَ رَبِّكَ؟ فَحَذَفَ الْمُضَافَ. وَقَوْلُهُ: وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا أَيْ: تَطْمَئِنَّ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَ صَوْمَنَا، وَرَضِيَ عَمَلَنَا، أَوْ يَكُونُ قَوْلُهُمْ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ اسْتِدْلَالِهِمْ، عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ. وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ أَيْ: نَشْهَدُ بِنُزُولِهَا بِدَعْوَتِكَ، وَنَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ أَعْلَامٍ نُبُؤَتِكَ. وَمَعْنَى تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا أَيْ: يَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي تَنْزِلُ فِيهِ عِيدًا، قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَقَتَادَةُ، وَغَيْرُهُمَا، وَقِيلَ: الْمَعْنَى: تَكُونُ عَائِدَةَ فَضْلٍ عَلَيْنَا. وَآيَةً مِنْكَ أَيْ: عَلَامَةً مِنْكَ. وَقَوْلُهُ: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ يَعْنِي: عَالَمِي زَمَانِهِمْ. قَالَ قَتَادَةُ: هُوَ مَسْخُهُمْ قِرَدَةً، وَقِيلَ: هُوَ عَذَابُ الْآخِرَةِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَزَّلَتِ الْمَائِدَةُ مِرَارًا، وَعَنْهُ أَيْضًا: نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ، وَعَلَى أَنَّهَا نَزَّلَتْ جَمِيعُ الْمُفَسِّرِينَ، سِوَى مُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ; فَإِنَّهُمَا قَالَا: لَمْ تَنْزِلْ; لِأَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا الْوَعِيدَ اسْتَعْفَوْا مِنْ نُزُولِهَا، قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَرَوَى عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَنَّ الْمَائِدَةَ كَانَ عَلَيْهَا خُبْزٌ وَلَحْمٌ، وَأَنَّهُمْ أُمِرُوا أَلَّا يَخُونُوا، وَلَا يَدَّخِرُوا مِنْهَا; فَخَانُوا، وَادَّخَرُوا; فَمُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ». ابْنُ عَبَّاسٍ: أُنْزِلَ عَلَيْهَا كُلُّ شَيْءٍ غَيْرُ اللَّحْمِ، ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ عَلَيْهَا قِرَصَةٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَأَحْوَاتٌ. وَقِيلَ: كَانَ عَلَيْهَا سَبْعَةُ أَرْغِفَةٍ، وَسَمَكَةٌ مَشْوِيَّةٌ، لَا قُشُورَ عَلَيْهَا، وَلَا شَوْكَ لَهَا، حَوْلَهَا بَقْلٌ وَخَلٌّ، وَزَيْتُونٌ وَتَمْرٌ، وَحَبُّ رُمَّانٍ. وَرُوِيَ: أَنْ عِيسَى نَادَى السَّمَكَةَ; فَحَيِيَتْ، وَأَنَّ الْمَائِدَةَ كَانَتْ لَا تَنْقُصُ إِذَا أُكِلَ مِنْهَا، وَأَنَّهَا كَانَتْ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا ذُو عَاهَةٍ إِلَّا شُفِيَ، وَرُوِيَ: أَنَّهَا نَزَلَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، تَنْزِلُ يَوْمًا، وَلَا تَنْزِلُ يَوْمًا. وَرُوِيَ: أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سُئِلَ عَنْ طَعَامِ الْمَائِدَةِ; أَهُوَ مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا أَمْ مِنْ طَعَامِ الْآخِرَةِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا، وَلَا مِنْ طَعَامِ الْآخِرَةِ، لَكِنَّهَا نَزَلَتْ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، فَابْتَدَعَ اللَّهُ ذَلِكَ الطَّعَامَ عَلَيْهَا بِقُدْرَتِهِ. وَاشْتِقَاقُ (الْمَائِدَةِ): مِنْ مَادَ الْقَوْمَ يَمِيدُهُمْ; إِذَا أَطْعَمَهُمْ; فَهِيَ فَاعِلَةٌ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هِيَ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى: مَفْعُولَةٍ، قَالَ: وَهِيَ مِنَ الْعَطَاءِ، وَ (الْمُمْتَادُ): الْمُفْتَعَلُ); وَهُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ الْعَطَاءُ. الزَّجَّاجُ: هِيَ فَاعِلَةٌ مِنْ مَادَ يَمِيدُ; إِذَا تَحَرَّكَ. وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ : الْمَعْنَى: أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَقَتَادَةَ، وَغَيْرِهِمَا. السُّدِّيُّ: قَالَ لَهُ ذَلِكَ حِينَ رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ. وَمَعْنَى سُؤَالِ اللَّهِ تَعَالَى عِيسَى عَنْ ذَلِكَ: التَّوْبِيخُ وَالتَّقْرِيرُ لِمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ عَلَيْهِ. تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ; أَيْ: تَعْلَمُ غَيْبِي، وَلَا أَعْلَمُ غَيْبَكَ. فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ : الْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) [آلُ عِمْرَانَ: 55]، وَقَدْ تَقَدَّمَ، وَتَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي (الرَّقِيبِ). إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ الْآيَةَ. قِيلَ: إِنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ عَلَى وَجْهِ التَّسْلِيمِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لِكَافِرٍ. وَقِيلَ: إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ; لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي، أَوْ تَغْفِرْهَا لَهُمْ. وَقِيلَ: الْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ) لِمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَالْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي (تَغْفِرْ لَهُمْ) لِمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْمَوْتِ. وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ إِلَى قَوْلِهِ: مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ; أَيِ: الَّذِي قُلْتُ لَهُمْ: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ. وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ عِيسَى فِي الدُّنْيَا حِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ . وَمَنْ قَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ كَانَ حِينَ تُرْفَعُ إِلَى السَّمَاءِ; فَكَذَلِكَ يَقُولُ: إِنَّ قَوْلَهُ: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ كَانَ حِينَئِذٍ; فَكَأَنَّهُ أَخْبَرَهُ حِينَ رُفِعَ أَنَّ أُمَّتَهُ قَالَتْ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِهِ، فَقَالَ عِيسَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ; أَيْ: إِنْ تُمِتْهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ; فَتُعَذِّبَهُمْ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ ; أَيْ: وَإِنْ تُبْتَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ الْمَوْتِ. وَمَعْنَى الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الَّذِي لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَا يُرِيدُهُ، (الْحَكِيمُ): فِيمَا يَفْعَلُهُ. قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ أَيْ: صِدْقُهُمْ فِي الدُّنْيَا; فَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ; فَلَا يَنْفَعُهُمْ فِيهَا الصِّدْقُ، وَصِدْقُهُمْ فِي الدُّنْيَا: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ صِدْقُهُمْ فِي الْعَمَلِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهُمُ الْكَذِبَ عَلَيْهِ وَعَلَى رُسُلِهِ. لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ : جَاءَ هَذَا بِإِثْرِ مَا جَرَى مِنْ دَعْوَى النَّصَارَى فِي عِيسَى; فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مُلْكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَهُ دُونَ عِيسَى، وَدُونَ سَائِرِ الْمَخْلُوقِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: أَنَّ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعْطِي الْمُطِيعِينَ الْجَنَّاتِ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهَا.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية