الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              معلومات الكتاب

                                                                                                                              السراج الوهاج من كشف مطالب صحيح مسلم بن الحجاج

                                                                                                                              صديق خان - محمد صديق حسن خان القنوجي الظاهري

                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              صحيح مسلم 587 (بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ ) . وَقَالَ النَّوَوِيُّ: (بَابُ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ حَذْوَ الْمَنْكِبَيْنِ، مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَالرُّكُوعِ، وَفِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَأَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ إِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ ) . (حَدِيثُ الْبَابِ ) . وَهُوَ بِصَحِيحِ مُسْلِمٍ النَّوَوِيِّ ص 93-94 ج 4 الْمَطْبَعَةُ الْمِصْرِيَّةُ . [عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ. ثُمَّ كَبَّرَ. فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ. وَلَا يَفْعَلُهُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ . ] . السراج الوهاج (الشَّرْحُ) . (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ لِلصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ؛ ثُمَّ كَبَّرَ ) . "فِيهِ" إِثْبَاتُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي". وَقَالَ لِلَّذِي عَلَّمَهُ الصَّلَاةَ: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ". وَتَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ وَاجِبَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالْعُلَمَاءِ كَافَّةً، مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ. وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ؛ فَيَكُونُ وَاجِبًا. وَهُوَ الْحَقُّ. وَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ خَمْسِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ مِنْهُمُ: الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرَةُ بِالْجَنَّةِ. وَأَمَّا الرَّفْعُ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، فَقَالَ النَّوَوِيُّ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهَا. وَحُكِيَ عَنْ دَاوُدَ، إِيجَابُهُ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَكَمِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ: أَنَّ التَّكْبِيرَ سُنَّةٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَأَنَّ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ يَكْفِي فِيهِ النِّيَّةُ. وَلَا أَظُنُّ هَذَا يَصِحُّ عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَعْلَامِ، مَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، مَعَ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَرْفَعُهُ: "مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ". وَلَفْظَةُ التَّكْبِيرِ: "اللَّهُ أَكْبَرُ". وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُهُ. وَالْحِكْمَةُ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ بِهِ: افْتِتَاحُهَا بِالتَّنْزِيهِ، وَالتَّعْظِيمِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَنَعْتِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ. قَالَ فِي "السَّيْلِ الْجَرَّارِ": تَكْبِيرُ الِافْتِتَاحِ مِنْ قُعُودٍ، أَوْ بِغَيْرِ اللَّفْظِ الَّذِي ثَبَتَ عَنِ الشَّارِعِ، بِدْعَةٌ. وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ. فَمَا لَنَا وَلِلتَّعَرُّضِ بِمِثْلِ: قَالَ فُلَانٌ: كَذَا. وَقَدْ عَمِلَ بِهِ فُلَانٌ. وَجَعْلِ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى الِاعْتِرَاضِ عَلَى مَنْ قَالَ بِالْحَقِّ، وَدَانَ بِالصَّوَابِ؟! انْتَهَى. وَأَمَّا صِفَةُ الرَّفْعِ. فَهُوَ أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، بِحَيْثُ تُحَاذِي أَطْرَافُ أَصَابِعِهِ فُروعَ أُذُنَيْهِ. أَيْ: أَعْلَى أُذُنَيْهِ. وَإِبْهَامَاهُ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ. وَرَاحَتَاهُ مَنْكِبَيْهِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: بِحَذْوِ مَنْكِبَيْهِ. وَبِهَذَا جَمَعَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ رِوَايَاتِ الْأَحَادِيثِ. وَاسْتَحْسَنَ النَّاسُ مِنْهُ ذَلِكَ. وَأَمَّا وَقْتُ الرَّفْعِ، فَفِي رِوَايَةٍ: "رَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ كَبَّرَ". وَفِي أُخْرَى: "كَبَّرَ ثُمَّ رَفَعَ". وَفِي أُخْرَى: "إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ". وَالْكُلُّ شَافٍ، كَافٍ. وَلِلْفُقَهَاءِ فِيهِ أَوْجُهٌ لَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهَا. وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فِيهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَعَلْتُهُ إِعْظَامًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَاتِّبَاعًا لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ اسْتِكَانَةٌ، وَاسْتِسْلَامٌ، وَانْقِيَادٌ. وَقِيلَ: إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِعْظَامِ مَا دَخَلَ فِيهِ. وَقِيلَ: إِشَارَةٌ إِلَى طَرْحِ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَالْإِقْبَالِ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى الصَّلَاةِ، وَمُنَاجَاةِ رَبِّهِ تَعَالَى. كَمَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: "اللَّهُ أَكْبَرُ" فَيُطَابِقُ فِعْلُهُ قَوْلَهُ. وَقِيلَ: إِشَارَةٌ إِلَى دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ. وَهَذَا الْأَخِيرُ يَخْتَصُّ بِالرَّفْعِ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَفِي أَكْثَرِهَا نَظَرٌ. وَأَحْسَنُهَا مَا تَقَدَّمَ عَنِ الشَّافِعِيِّ "رَحِمَهُ اللَّهُ" . (فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ. وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ) . "فِيهِ" إِثْبَاتُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ، وَعِنْدَ الِاعْتِدَالِ مِنْهُ. وَقَدْ وَرَدَتْ بِذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، صَحِيحَةٌ مُحْكَمَةٌ صَرِيحَةٌ، بَلَغَتْ حَدَّ التَّوَاتُرِ. وَلَمْ يَثْبُتْ مَا خَالَفَهَا. وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ وَاضِحَةٌ، ثَابِتَةٌ بِالْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ، كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ. وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ، وَالْخَلَفِ. إِلَّا أَهْلُ الرَّأْيِ. وَهُمْ مَحْجُوجُونَ فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا. وَقَدْ قَالَ بِهِ بَعْضُهُمْ أَيْضًا. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الرَّفْعَ وَتَرْكَهُ، كِلَاهُمَا صَحِيحٌ. وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ. وَقَدْ طَالَ نِزَاعُ الْقَوْمِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، حَتَّى حَصَلَتْ فِيهِ رَسَائِلُ وَمَسَائِلُ، وَمُقَاوَلَاتٌ، وَمُجَادَلَاتٌ. وَالْأَمْرُ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ، عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلَالِ، وَيَبْلُغُ إِلَى الْمَدَارِكِ الشَّرْعِيَّةِ بِأَدِلَّةِ الشَّرْعِ، دُونَ مُجَرَّدِ الْخَيَالِ، وَالِاحْتِمَالِ. فَهَذِهِ السُّنَّةُ الْمُطَهَّرَةُ، وَنَحْوُهَا، مِنَ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ بِالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ، يَنْبَغِي الِاعْتِنَاءُ بِشَأْنِهَا، وَإِرْشَادُ الْأُمَّةِ إِلَى فِعْلِهَا، وَتَرْغِيبُهُمْ فِيهَا، وَتَرْهِيبُهُمْ عَلَى تَرْكِهَا، وَالتَّصْرِيحُ لَهُمْ بِأَنَّ الْمَحْرُومَ مَنْ حُرِمَهَا. فَدَعْ عَنْكَ نَهْبًا صِيحَ فِي حَجَرَاتِهِ وَهَاتِ حَدِيثًا مَا حَدِيثُ الرَّوَاحِلِ . وَأَقُولُ لِلْحَنَفِيَّةِ، الَّذِينَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَوْرَدَهَا سَعْدٌ وَسَعْدٌ مُشْتَمِلْ مَا هَكَذَا تُورَدُ يَا سَعْدُ الْإِبِلْ وَالسَّلَامُ. (وَلَا يَفْعَلُهُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ ) . وَهَذَا نَصٌّ فِي هَذَا الْبَابِ. فَيُرَدُّ بِهِ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى الرَّفْعِ فِي السُّجُودِ. وَلَعَلَّ الْقَائِلَ بِهِ، لَمْ يَبْلُغْهُ هَذَا الْحَدِيثُ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ؛ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ رَفْعُهُمَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ رَابِعٍ. وَهُوَ إِذَا قَامَ مِنَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ. فَقَدْ صَحَّ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَصَحَّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ.

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية