الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين فَالذَّكَاءُ صَحِيحٌ وَغَرِيزَةٌ الْعَقْلِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَصْلِ الْفِطْرَةِ فَإِنْ فَاتَتْ بِبَلَادَةٍ وَحَمَاقَةٍ فَلَا تَدَارُكَ لَهَا . الثَّانِي الْمَعْرِفَةُ ، وَأَعْنِي بِالْمَعْرِفَةِ أَنْ يَعْرِفَ أَرْبَعَةَ أُمُورٍ : يَعْرِفُ نَفْسَهُ ، وَيَعْرِفُ رَبَّهُ ، وَيَعْرِفُ الدُّنْيَا ، وَيَعْرِفُ الْآخِرَةَ ، فَيَعْرِفُ نَفْسَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالذُّلِّ وَبِكَوْنِهِ غَرِيبًا فِي هَذَا الْعَالَمِ وَأَجْنَبِيًّا مِنْ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ الْبَهِيمِيَّةِ ، وَإِنَّمَا الْمُوَافِقُ لَهُ طَبْعًا هُوَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالنَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ فَقَطْ فَلَا ، يُتَصَوَّرُ أَنْ يَعْرِفَ هَذَا مَا لَمْ يَعْرِفْ نَفْسَهُ وَلَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ ، فَلْيَسْتَعِنْ عَلَى هَذَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمَحَبَّةِ ، وَفِي كِتَابِ شَرْحِ عَجَائِبِ الْقَلْبِ ، وَكِتَابِ التَّفَكُّرِ ، وَكِتَابِ الشُّكْرِ ; إِذْ فِيهَا إِشَارَاتٌ إِلَى وَصْفِ النَّفْسِ ، وَإِلَى وَصْفِ جَلَالِ اللَّهِ وَيَحْصُلُ بِهِ التَّنَبُّهَ عَلَى الْجُمْلَةِ وَكَمَالِ الْمَعْرِفَةِ وَرَاءَهُ ; فَإِنَّ هَذَا مِنْ عُلُومِ الْمُكَاشَفَةِ ، وَلَمْ نُطْنِبْ فِي هَذَا الْكِتَابِ إِلَّا فِي عُلُومِ الْمُعَامَلَةِ . وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَيَسْتَعِينُ عَلَيْهَا بِمَا ذَكَرْنَا فِي كِتَابِ ذَمِّ الدُّنْيَا وَكِتَابِ ذِكْرِ الْمَوْتِ لِيَتَبَيَّنَ لَهُ أَنْ لَا نِسْبَةَ لِلدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ ، فَإِذَا عَرَفَ نَفْسَهُ وَرَبَّهُ ، وَعَرَفَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ثَارَ مِنْ قَلْبِهِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ حُبُّ اللَّهِ ، وَبِمَعْرِفَةِ الْآخِرَةِ شِدَّةُ الرَّغْبَةِ فِيهَا ، وَبِمَعْرِفَةِ الدُّنْيَا الرَّغْبَةُ عَنْهَا وَيَصِيرُ ، أَهَمُّ أُمُورِهِ مَا يُوصِلُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَنْفَعُهُ ، فِي الْآخِرَةِ وَإِذَا ، غَلَبَتْ هَذِهِ الْإِرَادَةُ عَلَى قَلْبِهِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا ، فَإِنْ أَكَلَ مَثَلًا أَوِ اشْتَغَلَ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ كَانَ قَصْدُهُ مِنْهُ الِاسْتِعَانَةَ عَلَى سُلُوكِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ . وَصَحَّتْ نِيَّتُهُ وَانْدَفَعَ عَنْهُ كُلُّ غَرُورٍ مَنْشَؤُهُ تَجَاذُبُ الْأَغْرَاضِ ، وَالنُّزُوعُ إِلَى الدُّنْيَا وَالْجَاهِ وَالْمَالِ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُفْسِدُ لِلنِّيَّةِ . وَمَا دَامَتِ الدُّنْيَا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْآخِرَةِ ، وَهَوَى نَفْسِهِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُمْكِنُهُ الْخَلَاصُ مِنَ الْغُرُورِ . فَإِذَا غَلَبَ حُبُّ اللَّهِ عَلَى قَلْبِهِ بِمَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ وَبِنَفْسِهِ الصَّادِرَةِ عَنْ كَمَالِ عَقْلِهِ ، فَيَحْتَاجُ إِلَى الْمَعْنَى الثَّالِثِ وَهُوَ الْعِلْمُ أَعْنِي الْعِلْمَ بِمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ سُلُوكِ الطَّرِيقِ إِلَى اللَّهِ وَالْعِلْمِ بِمَا يُقَرِّبُهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا يُبْعِدُهُ عَنْهُ ، وَالْعِلْمِ بِآفَاتِ الطَّرِيقِ وَعَقَبَاتِهِ وَغَوَائِلِهِ ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ قَدْ أَوْدَعْنَاهُ كُتُبَ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ فَيُعْرَفُ ، مِنْ رُبْعِ الْعِبَادَاتِ شُرُوطُهَا فَيُرَاعِيهَا ، وَآفَاتُهَا فَيَتَّقِيهَا ، وَمِنْ رُبْعِ الْعَادَاتِ أَسْرَارُ الْمَعَايِشِ ، وَمَا هُوَ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ بِأَدَبِ الشَّرْعِ ، وَمَا هُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ فَيُعْرِضُ عَنْهُ وَمِنْ رُبْعِ الْمُهْلِكَاتِ يُعْلَمُ جَمِيعُ الْعَقَبَاتِ الْمَانِعَةِ فِي طَرِيقِ اللَّهِ فَإِنَّ الْمَانِعَ مِنَ اللَّهِ الصِّفَاتُ الْمَذْمُومَةُ فِي الْخَلْقِ فَيُعْلَمُ الْمَذْمُومُ وَيُعْلَمُ طَرِيقُ عِلَاجِهِ ، وَيُعْرَفُ مِنْ رُبْعِ الْمُنْجِيَاتِ الصِّفَاتُ الْمَحْمُودَةُ الَّتِي لَا بُدَّ وَأَنْ تُوضَعَ خَلَفًا عَنِ الْمَذْمُومَةِ بَعْدَ مَحْوِهَا ، فَإِذَا أَحَاطَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ أَمْكَنَهُ الْحَذَرُ مِنَ الْأَنْوَاعِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا مِنَ الْغُرُورِ ، وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَغْلِبَ حُبُّ اللَّهِ عَلَى الْقَلْبِ وَيَسْقُطَ حَبُّ الدُّنْيَا مِنْهُ حَتَّى تَقْوَى بِهِ الْإِرَادَةُ ، وَتَصِحَّ بِهِ النِّيَّةُ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْمَعْرِفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا . فَإِنْ قُلْتَ : فَإِذَا فَعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ ، فَمَا الَّذِي يُخَافُ عَلَيْهِ ؟ فَأَقُولُ : يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدَعَهُ الشَّيْطَانُ وَيَدْعُوَهُ إِلَى نُصْحِ الْخَلْقِ وَنَشْرِ الْعِلْمِ وَدَعْوَتِهِ النَّاسِ إِلَى مَا عَرَفَهُ مِنْ دِينِ اللَّهِ ; فَإِنَّ الْمُرِيدَ الْمُخْلِصَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَهْذِيبِ نَفْسِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَرَاقَبَ الْقَلْبَ حَتَّى صَفَّاهُ مِنْ جَمِيعِ الْمُكَدِّرَاتِ وَاسْتَوَى عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَصَغُرَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ فَتَرَكَهَا وَانْقَطَعَ طَمَعُهُ عَنِ الْخَلْقِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا هَمٌّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَالتَّلَذُّذُ بِذِكْرِهِ وَمُنَاجَاتِهِ ، وَالشَّوْقُ إِلَى لِقَائِهِ ، وَقَدْ عَجَزَ الشَّيْطَانُ عَنْ إِغْرَائِهِ إِذْ يَأْتِيهِ مِنْ جِهَةِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِ النَّفْسِ فَلَا يُطِيعُهُ فَيَأْتِيهِ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ وَيَدْعُوهُ إِلَى الرَّحْمَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى دِينِهِمْ وَالنُّصْحِ لَهُمْ وَالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ ، فَيَنْظُرُ الْعَبْدُ بِرَحْمَتِهِ إِلَى الْعَبِيدِ فَيَرَاهُمْ حَيَارَى فِي أَمْرِهِمْ ، سُكَارَى فِي دِينِهِمْ ، صُمًّا عُمْيًا قَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمُ الْمَرَضُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ، وَفَقَدُوا الطَّبِيبَ ، وَأَشْرَفُوا عَلَى الْعَطَبِ فَغَلَبَ عَلَى قَلْبِهِ الرَّحْمَةُ لَهُمْ ، وَقَدْ كَانَ عِنْدَهُ حَقِيقَةُ الْمَعْرِفَةِ بِمَا يَهْدِيهِمْ ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ ضَلَالَهُمْ ، وَيُرْشِدُهُمْ إِلَى سَعَادَتِهِمْ ، وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى ذِكْرِهَا مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ وَمُؤْنَةٍ وَلُزُومِ غَرَامَةٍ فَكَانَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَ بِهِ دَاءٌ عَظِيمٌ لَا يُطَاقُ أَلَمُهُ ، وَقَدْ كَانَ لِذَلِكَ يَسْهَرُ لَيْلَهُ ، وَيَقْلَقُ نَهَارَهُ ، لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَتَصَرَّفُ لِشِدَّةِ ضَرَبَاتِ الْأَلَمِ ، فَوَجَدَ لَهُ دَوَاءً عَفْوًا صَفْوًا مِنْ غَيْرِ ثَمَنٍ وَلَا تَعَبٍ وَلَا مَرَارَةٍ فِي تَنَاوُلِهِ ، فَاسْتَعْمَلَهُ فَبَرِئَ وَصَحَّ فَطَابَ نَوْمُهُ بِاللَّيْلِ بَعْدَ طُولِ سَهَرِهِ ، وَهَدَأَ بِالنَّهَارِ بَعْدَ شِدَّةِ الْقَلَقِ وَطَابَ عَيْشُهُ بَعْدَ نِهَايَةِ الْكَدَرِ ، وَأَصَابَ لَذَّةَ الْعَافِيَةِ بَعْدَ طُولِ السَّقَامِ ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِذَا بِهِمْ تِلْكَ الْعِلَّةُ بِعَيْنِهَا ، وَقَدْ طَالَ سَهَرُهُمْ ، وَاشْتَدَّ قَلَقُهُمْ ، وَارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ أَنِينُهُمْ ، فَتَذَكَّرَ أَنَّ دَوَاءَهُمْ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُهُ وَيَقْدِرُ عَلَى شِفَائِهِمْ بِأَسْهَلِ مَا يَكُونُ ، وَفِي أَرْجَى زَمَانٍ فَأَخَذَتْهُ الرَّحْمَةُ وَالرَّأْفَةُ وَلَمْ يَجِدْ فُسْحَةً مِنْ نَفْسِهِ فِي التَّرَاخِي عَنِ الِاشْتِغَالِ بِعِلَاجِهِمْ فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمُخْلِصُ بَعْدَ أَنِ اهْتَدَى إِلَى الطَّرِيقِ ، وَشُفِيَ مِنْ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ شَاهِدُ الْخَلْقِ وَقَدْ مَرِضَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَأَعْضَلَ دَاؤُهُمْ وَقَرُبَ هَلَاكُهُمْ وَإِشْفَاؤُهُمْ ، وَسَهُلَ عَلَيْهِ دَوَاؤُهُمْ ، فَانْبَعَثَ مِنْ ذَاتِ نَفْسِهِ عَزْمٌ جَازِمٌ فِي الِاشْتِغَالِ بِنُصْحِهِمْ وَحَرَّضَهُ الشَّيْطَانُ عَلَى ذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَجِدَ مَجَالًا لِلْفِتْنَةِ فَلَمَّا اشْتَغَلَ بِذَلِكَ ، وَجَدَ الشَّيْطَانُ مَجَالًا لِلْفِتْنَةِ فَدَعَاهُ إِلَى الرِّيَاسَةِ دُعَاءً خَفِيًّا أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ لَا يَشْعُرُ بِهِ الْمُرِيدُ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الدَّبِيبُ فِي قَلْبِهِ حَتَّى دَعَاهُ إِلَى التَّصَنُّعِ وَالتَّزَيُّنِ لِلْخَلْقِ بِتَحْسِينِ الْأَلْفَاظِ وَالنَّغَمَاتِ وَالْحَرَكَاتِ وَالتَّصَنُّعِ فِي الزِّيِّ وَالْهَيْئَةِ ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ يُعَظِّمُونَهُ ، وَيُبَجِّلُونَهُ ، وَيُوَقِّرُونَهُ تَوْقِيرًا يَزِيدُ عَلَى تَوْقِيرِ الْمُلُوكِ إِذَا ; رَأَوْهُ شَافِيًا لِأَدْوَائِهِمْ بِمَحْضِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ مِنْ غَيْرِ طَمَعٍ فَصَارَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَأَقَارِبِهِمْ ، فَآثَرُوهُ بِأَبْدَانِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، وَصَارُوا لَهُ خَوَلًا كَالْعَبِيدِ وَالْخَدَمِ فَخَدَمُوهُ وَقَدَّمُوهُ فِي الْمَحَافِلِ وَحَكَّمُوهُ عَلَى الْمُلُوكِ وَالسَّلَاطِينِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ انْتَشَرَ الطَّبْعُ ، وَارْتَاحَتِ النَّفْسُ ، وَذَاقَتْ لَذَّةً يَا لَهَا مِنْ لَذَّةٍ أَصَابَتْ مِنَ الدُّنْيَا شَهْوَةً يُسْتَحْقَرُ مَعَهَا كُلُّ شَهْوَةٍ فَكَانَ ، قَدْ تَرَكَ الدُّنْيَا فَوَقَعَ فِي أَعْظَمِ لَذَّاتِهَا فَعِنْدَ ، ذَلِكَ وَجَدَ الشَّيْطَانُ فُرْصَةً وَامْتَدَّتْ إِلَى قَلْبِهِ يَدُهُ فَهُوَ يَسْتَعْمِلُهُ فِي كُلِّ مَا يَحْفَظُ عَلَيْهِ تِلْكَ اللَّذَّةَ . إتحاف السادة المتقين (فَالذَّكَاءُ وَصِحَّةُ غَرِيزَةِ الْعَقْلِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى) فِي أَصْلِ الْفِطْرَةِ، (فَإِنْ فَاتَتْ بِبَلَادَةٍ وَحَمَاقَةٍ فَلَا تَدَارُكَ لَهَا، الثَّانِي الْمَعْرِفَةُ، وَأَعْنِي بِهِ أَنْ يَعْرِفَ أَرْبَعَةَ أُمُورٍ: يَعْرِفُ نَفْسَهُ، وَيَعْرِفُ رَبَّهُ، وَيَعْرِفُ الدُّنْيَا، وَيَعْرِفُ الْآخِرَةَ، فَيَعْرِفُ نَفْسَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالذُّلِّ) وَالِافْتِقَارِ، وَيَعْرِفُ رَبَّهُ بِالسِّيَادَةِ وَالْعَظَمَةِ وَالِاقْتِدَارِ، (وَ) يَعْرِفُ نَفْسَهُ أَيْضًا (بِكَوْنِهِ غَرِيبًا فِي هَذَا الْعَالَمِ) ، مُسَافِرًا مِنْهُ إِلَى دَارِ الْآخِرَةِ، (وَأَجْنَبِيًّا مِنْ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ الْبَهِيمِيَّةِ، وَإِنَّمَا الْمُوَافِقُ لَهُ طَبْعًا هُوَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالنَّظَرُ إِلَى وَجْهِهِ فَقَطْ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَعْرِفَ هَذَا مَا لَمْ يَعْرِفْ نَفْسَهُ، وَ) مَا (لَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ، فَلْيَسْتَعِنْ عَلَى هَذَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمَحَبَّةِ، وَفِي كِتَابِ شَرْحِ عَجَائِبِ الْقَلْبِ، وَكِتَابِ التَّفَكُّرِ، وَكِتَابِ الشُّكْرِ; إِذْ فِيهَا إِشَارَاتٌ) وَرُمُوزٌ (إِلَى وَصْفِ النَّفْسِ، وَإِلَى وَصْفِ جَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى) وَعَظَمَتِهِ، (وَيَحْصُلُ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلَى الْجُمْلَةِ وَكَمَالِ الْمَعْرِفَةِ وَرَاءَهُ; فَإِنَّ هَذَا مِنْ عُلُومِ الْمُكَاشَفَةِ، وَلَمْ نُطْنِبْ فِي هَذَا الْكِتَابِ إِلَّا فِي عُلُومِ الْمُعَامَلَةِ) ، وَأَمَّا عُلُومُ الْمُكَاشَفَةِ فَإِنَّمَا نُشِيرُ إِلَيْهَا بِنُتَفٍ مِنَ الْعِبَارَاتِ عَلَى حَسَبِ اقْتِضَاءِ الْمَقَامِ . (وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَيَسْتَعِينُ عَلَيْهِمَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَابِ ذَمِّ الدُّنْيَا وَكِتَابِ ذَمِّ الْمَوْتِ لِيَتَبَيَّنَ لَهُ أَنْ لَا نِسْبَةَ لِلدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ، فَإِذَا عَرَفَ نَفْسَهُ وَرَبَّهُ، وَعَرَفَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ثَارَ مِنْ قَلْبِهِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ حُبُّ الدُّنْيَا، وَبِمَعْرِفَةِ الْآخِرَةِ شِدَّةُ الرَّغْبَةِ فِيهَا، وَبِمَعْرِفَةِ الدُّنْيَا الرَّغْبَةُ عَنْهَا، فَيَصِيرُ أَهَمُّ أُمُورِهِ مَا يُوصِلُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَنَفْعِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَإِذَا غَلَبَتْ هَذِهِ الْإِرَادَةُ عَلَى قَلْبِهِ صَحَّتْ نِيَّتُهُ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، فَإِنْ أَكَلَ مَثَلًا أَوِ اشْتَغَلَ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ كَانَ قَصْدُهُ مِنْهَا الِاسْتِعَانَةَ عَلَى سُلُوكِ الطَّرِيقِ الْآخِرَةِ، وَصَحَّتْ نِيَّتُهُ وَانْدَفَعَ عَنْهُ كُلُّ غَرُورٍ مَنْشَؤُهُ تَجَاذُبُ الْأَغْرَاضِ، وَالنُّزُوعُ إِلَى الدُّنْيَا وَالْجَاهِ وَالْمَالِ) وَالتَّطَلُّعِ إِلَيْهَا، (فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمُفْسِدُ لِلنِّيَّةِ، وَمَا دَامَتِ الدُّنْيَا أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْآخِرَةِ، وَهَوَى نَفْسِهِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ رِضَا اللَّهِ فَلَا يُمْكِنُهُ الْخَلَاصُ مِنَ الْغُرُورِ) أَصْلًا، (فَإِذَا غَلَبَ حُبُّ اللَّهِ عَلَى قَلْبِهِ بِمَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ وَنَفْسِهِ الصَّادِرَةِ عَنْ كَمَالِ عَقْلِهِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى الْمَعْنَى الثَّالِثِ وَهُوَ الْعِلْمُ - أَعْنِي الْعِلْمَ - بِمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ سُلُوكِ الطَّرِيقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْعِلْمِ بِمَا يُقَرِّبُهُ مِنَ اللَّهِ وَبِمَا يُبْعِدُهُ عَنْهُ، وَالْعِلْمِ بِآفَاتِ الطَّرِيقِ وَعَقَبَاتِهِ وَغَوَائِلِهِ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ قَدْ أَوْدَعْنَاهُ كُتُبَ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ، فَيُعْلَمُ مِنْ رُبْعِ الْعِبَادَاتِ شُرُوطُهَا فَيُرَاعِيهَا، وَآفَاتُهَا فَيَتَّقِيهَا، وَمِنْ رُبْعِ الْعَادَاتِ أَسْرَارُ الْمَعَايِشِ، وَمَا هُوَ مُضْطَرٌّ إِلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ بِأَدَبِ الشَّرْعِ، وَمَا هُوَ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ فَيُعْرِضُ عَنْهُ) وَيَتْرُكُهُ، (وَمِنْ رُبْعِ الْمُهْلِكَاتِ يُعْلَمُ جَمِيعُ الْعَقَبَاتِ الْمَانِعَةِ فِي طَرِيقِ اللَّهِ) وَهِيَ الصِّفَاتُ الَّتِي كَالْعَقَبَاتِ; (فَإِنَّ الْمَانِعَ مِنَ اللَّهِ) هِيَ (الصِّفَاتُ الْمَذْمُومَةُ فِي الْخَلْقِ) ، وَهِيَ الَّتِي تَصُدُّ عَنِ اللَّهِ (فَيُعْلَمُ الْمَذْمُومُ) مِنْهَا، (وَيُعْرَفُ طَرِيقُ عِلَاجِهَا، وَيُعْرَفُ مِنْ رُبْعِ الْمُنْجِيَاتِ الصِّفَاتُ الْمَحْمُودَةُ الَّتِي لَا بُدَّ وَأَنْ تُوضَعَ خَلَفًا عَنْهُ) الصِّفَاتُ (الْمَذْمُومَةُ بَعْدَ مَحْوِهَا) وَإِزَالَةِ (أَثَرِهَا، فَإِذَا أَحَاطَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ أَمْكَنَهُ الْحَذَرُ مِنَ الْأَنْوَاعِ الَّتِي أَشَرْنَا إِلَيْهَا مِنَ الْغُرُورِ، وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ يَغْلِبَ حُبُّ اللَّهِ عَلَى الْقَلْبِ وَيَسْقُطَ حَبُّ الدُّنْيَا مِنْهُ حَتَّى تَقْوَى بِهِ الْإِرَادَةُ، وَتَصِحَّ بِهِ النِّيَّةُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْمَعْرِفَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا . فَإِنْ قُلْتَ: فَإِذَا فَعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ، فَمَا الَّذِي يُخَافُ عَلَيْهِ؟ فَأَقُولُ: يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدَعَهُ الشَّيْطَانُ وَيَدْعُوَهُ إِلَى نُصْحِ الْخَلْقِ) بِالْوَعْظِ وَالتَّذْكِيرِ (وَنَشْرِ الْعِلْمِ) وَبِالْإِفَادَةِ وَالتَّدْرِيسِ (وَدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى مَا عَرَفَهُ مِنْ دِينِ اللَّهِ; فَإِنَّ الْمُرِيدَ الْمُخْلِصَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَهْذِيبِ نَفْسِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَرَاقَبَ الْقَلْبَ) بِالْأَذْكَارِ السِّرِّيَّةِ (حَتَّى صَفَّاهُ مِنْ جَمِيعِ الْمُكَدِّرَاتِ وَاسْتَوَى عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ) الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ وَلَا مَيْلَ إِلَى حَدَّيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، (وَصَغُرَتِ الدُّنْيَا) مَعَ ضَخَامَتِهَا فِي (عَيْنَيْهِ فَتَرَكَهَا) لِحَقَارَتِهَا، (وَانْقَطَعَ طَمَعُهُ عَنِ الْخَلْقِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا هَمٌّ وَاحِدٌ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالتَّلَذُّذُ بِذِكْرِهِ وَمُنَاجَاتِهِ، وَالشَّوْقُ إِلَى لِقَائِهِ، وَقَدْ عَجَزَ الشَّيْطَانُ عَنْ إِغْوَائِهِ) وَإِضْلَالِهِ; (إِذْ يَأْتِيهِ مِنْ جِهَةِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتِ النَّفْسِ فَلَا يُطِيعُهُ) ، إِذْ هُوَ قَدْ تَرَكَهَا وَاسْتَحْقَرَهَا، (وَيَأْتِيهِ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ وَيَدْعُوهُ إِلَى الرَّحْمَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى دِينِهِمْ بِالنُّصْحِ لَهُمْ وَالدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ، فَيَنْظُرُ الْعَبْدُ) حِينَئِذٍ (بِرَحْمَتِهِ) وَعَاطِفَتِهِ (عَلَى الْعَبِيدِ فَيَرَاهُمْ حَيَارَى فِي أَمْرِهِمْ، سُكَارَى فِي دِينِهِمْ، صُمًّا) آذَانُهُمْ، (عُمْيًا) عُيُونُهُمْ، (قَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهِمُ الْمَرَضُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ، وَفَقَدُوا الطَّبِيبَ، وَأَشْرَفُوا عَلَى الْعَطَبِ) أَيِ: الْهَلَاكِ، (فَغَلَبَ عَلَى قَلْبِهِ الرَّحْمَةُ لَهُمْ، وَقَدْ كَانَ عِنْدَهُ حَقِيقَةُ الْمَعْرِفَةِ بِمَا يَهْدِيهِمْ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ ضَلَالَهُمْ، وَيُرْشِدُهُمْ إِلَى سَعَادَتِهِمْ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذِكْرِهَا مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ وَمُؤْنَةٍ وَلُزُومِ غَرَامَةٍ) وَثِقَلٍ، (وَكَانَ مَثَلُهُ كَرَجُلٍ كَانَ بِهِ دَاءٌ عَظِيمٌ لَا يُطَاقُ أَلَمُهُ، وَقَدْ كَانَ لِذَلِكَ يَسْهَرُ لَيْلَهُ، وَيَقْلَقُ نَهَارَهُ، لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَتَصَرَّفُ لِشِدَّةِ ضَرَبَاتِ الْأَلَمِ، فَوَجَدَ لَهُ دَوَاءً عَفْوًا صَفْوًا) بِسُهُولَةٍ (مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ) ، وَلَا مَشَقَّةٍ، (وَلَا ثَمَنٍ) يُدْفَعُ فِي عِوَضِهِ، (وَلَا مَرَارَةٍ فِي تَنَاوُلِهِ، فَاسْتَعْمَلَهُ فَبَرِئَ) فِي الْحَالِ، (وَصَحَّ) مِنْ مَرَضِهِ، (فَطَابَ نَوْمُهُ بِاللَّيْلِ بَعْدَ سَهَرِهِ، وَهَدَأَ) أَيْ: سَكَنَ (بِالنَّهَارِ بَعْدَ شِدَّةِ الْقَلَقِ) وَالِانْزِعَاجِ، (وَطَابَ عَيْشُهُ بَعْدَ نِهَايَةِ الْكَدَرِ، وَأَصَابَ لَذَّةَ الْعَافِيَةِ بَعْدَ طُولِ السَّقَمِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا بِهِمْ تِلْكَ الْعِلَّةُ بِعَيْنِهَا، وَقَدْ طَالَ) لِذَلِكَ (سَهَرُهُمْ، وَاشْتَدَّ قَلَقُهُمْ، وَارْتَفَعَ إِلَى السَّمَاءِ أَنِينُهُمْ، فَتَذَكَّرَ أَنَّ دَوَاءَهُمْ هُوَ الَّذِي يَعْرِفُهُ وَيَقْدِرُ عَلَى شِفَائِهِمْ بِأَسْهَلِ مَا يَكُونُ، وَفِي أَدْنَى زَمَانٍ) أَيْ: أَسْرَعِهِ (فَأَخَذَتْهُ الرَّحْمَةُ وَالرِّقَّةُ) ، وَفِي نُسْخَةٍ: الرَّأْفَةُ، (وَلَمْ يَجِدْ فُسْحَةً مِنْ نَفْسِهِ فِي التَّرَاخِي عَنِ الِاشْتِغَالِ بِعِلَاجِهِمْ) إِلَى مُعَالَجَتِهِمْ، (فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْمُخْلِصُ بَعْدَ أَنِ اهْتَدَى إِلَى الطَّرِيقِ، وَشُفِيَ مِنْ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ شَهِدَ الْخَلْقَ وَقَدْ مَرِضَتْ قُلُوبُهُمْ، وَأَعْضَلَ دَاؤُهُمْ) أَيْ: صَعُبَ حَتَّى أَيِسَ مِنْ دَوَائِهِ، (وَقَرُبَ هَلَاكُهُمْ وَإِشْفَاؤُهُمْ، وَسَهُلَ عَلَيْهِ دَوَاؤُهُمْ، فَانْبَعَثَ مِنْ ذَاتِ نَفْسِهِ عَزْمٌ جَازِمٌ فِي الِاشْتِغَالِ بِنُصْحِهِمْ) وَوَعْظِهِمْ، (وَحَرَّضَهُ الشَّيْطَانُ عَلَى ذَلِكَ) بِتَحْسِينِهِ إِيَّاهُ (رَجَاءَ أَنْ يَجِدَ مَجَالًا لِلْفِتْنَةِ) أَيْ: سَبِيلًا لِإِيقَاعِهَا (فَكُلَّمَا اشْتَغَلَ بِذَلِكَ، وَجَدَ الشَّيْطَانُ مَجَالًا لِلْفِتْنَةِ فَدَعَاهُ إِلَى الرِّيَاسَةِ دُعَاءً خَفِيًّا أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ) عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ (لَا يَشْعُرُ بِهِ الْمُرِيدُ) لِخَفَائِهِ، (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الدَّبِيبُ فِي قَلْبِهِ حَتَّى دَعَاهُ إِلَى التَّصَنُّعِ وَالتَّزَيُّنِ لِلْخَلْقِ) ، وَذَلِكَ (بِتَحْسِينِ الْأَلْفَاظِ) فِي وَعْظِهِ، (وَالنَّغَمَاتِ) الْمُعْجِبَةِ، (وَالْحَرَكَاتِ) الْمَوْزُونَةِ، (وَالتَّصَنُّعِ فِي الزِّيِّ وَالْهَيْئَاتِ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ يُعَظِّمُونَهُ، وَيُبَجِّلُونَهُ، وَيُوَقِّرُونَهُ تَوْقِيرًا يَزِيدُ عَلَى تَوْقِيرِ الْمُلُوكِ; إِذْ رَأَوْهُ شَافِيًا لِأَدْوَائِهِمْ) أَيْ: أَمْرَاضِهِمْ (بِمَحْضِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ مِنْ غَيْرِ طَمَعٍ) فِي عِوَضٍ، (فَصَارَ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَأَقَارِبِهِمْ، فَآثَرُوهُ بِأَبْدَانِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَصَارُوا لَهُ خَوَلًا) أَيِ: أَتْبَاعًا (كَالْخَدَمِ وَالْعَبِيدِ) وَالْأُجَرَاءِ، (فَخَدَمُوهُ وَقَدَّمُوهُ إِلَى الْمَحَافِلِ) أَيِ الْمَجَالِسِ الْحَافِلَةِ، (وَحَكَّمُوهُ عَلَى الْمُلُوكِ وَالسَّلَاطِينِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ انْتَشَرَ الطَّبْعُ، وَارْتَاحَتِ النَّفْسُ، وَذَاقَتْ لَذَّةً يَا لَهَا مِنْ لَذَّةٍ) لَا تُوصَفُ، (وَأَصَابَتْ مِنَ الدُّنْيَا شَهْوَةً يُسْتَحْقَرُ مَعَهَا كُلُّ شَهْوَةٍ، وَكَانَ) مِنْ قَبْلُ (قَدْ تَرَكَ الدُّنْيَا) وَلَذَّاتَهَا، (فَوَقَعَ فِي أَعْظَمِ لَذَّاتِهَا، وَعِنْدَ ذَلِكَ وَجَدَ الشَّيْطَانُ غَرَضَهُ) وَمَكَّنَهُ، (وَامْتَدَّ إِلَى قَلْبِهِ بِيَدِهِ فَهُوَ يَسْتَعْمِلُهُ فِي كُلِّ مَا يَحْفَظُ عَلَيْهِ تِلْكَ اللَّذَّةَ) وَيَصُونُهَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية