الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

مرتضى الزبيدي - محمد بن محمد الحسيني الزبيدي

جزء صفحة
إحياء علوم الدين وَأَمَارَةُ انْتِشَارِ الطَّبْعِ وَرُكُونِ النَّفْسِ إِلَى الشَّيْطَانِ أَنَّهُ لَوْ أَخْطَأَ فَرَدَّ عَلَيْهِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلْقِ غَضِبَ فَإِذَا أَنْكَرَ عَلَى نَفْسِهِ مَا وَجَدَهُ مِنَ الْغَضَبِ بَادَرَ الشَّيْطَانُ ، فَخَيَّلَ إِلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ غَضَبٌ لِلَّهِ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُحْسِنِ اعْتِقَادَ الْمُرِيدِينَ فِيهِ انْقَطَعُوا عَنْ طَرِيقِ اللَّهِ ، فَوَقَعَ فِي الْغُرُورِ فَرُبَّمَا أَخْرَجَهُ ذَلِكَ إِلَى الْوَقِيعَةِ فِيمَنْ رَدَّ عَلَيْهِ فَوَقَعَ فِي الْغِيبَةِ الْمَحْظُورَةِ بَعْدَ تَرْكِهِ الْحَلَالَ الْمُتَّسِعِ ، وَوَقَعَ فِي الْكِبْرِ الَّذِي هُوَ تَمَرُّدٌ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَالشُّكْرِ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ يَحْذَرُ مِنْ طَوَارِقِ الْخَطَرَاتِ وَكَذَلِكَ إِذَا سَبَقَهُ الضَّحِكُ أَوْ فَتَرَ عَنْ بَعْضِ الْأَوْرَادِ جَزِعَتِ النَّفْسُ أَنْ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ فَيَسْقُطَ قَبُولُهُ فَأَتْبَعَ ذَلِكَ بِالِاسْتِغْفَارِ ، وَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ . وَرُبَّمَا زَادَ فِي الْأَعْمَالِ وَالْأَوْرَادِ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَالشَّيْطَانُ يُخَيِّلُ إِلَيْهِ إِنَّكَ إِنَّمَا تَفْعَلُ ذَلِكَ كَيْلَا يَفْتُرَ رَأْيُهُمْ عَنْ طَرِيقِ اللَّهِ ، فَيَتْرُكُونَ الطَّرِيقَ بِتَرْكِهِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ خُدْعَةٌ وَغُرُورٌ ، بَلْ هُوَ جَزَعٌ مِنَ النَّفْسِ خِيفَةَ فَوْتِ الرِّيَاسَةِ وَلِذَلِكَ لَا تَجْزَعُ نَفْسُهُ مِنِ اطِّلَاعِ النَّاسِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ أَقْرَانِهِ بَلْ رُبَّمَا يُحِبُّ ذَلِكَ ، وَيُسْتَبْشَرُ بِهِ ، وَلَوْ ظَهَرَ مِنْ أَقْرَانِهِ مَنْ مَالَتِ الْقُلُوبُ إِلَى قَبُولِهِ ، وَزَادَ أَثَرُ كَلَامِهِ فِي الْقَبُولِ عَلَى كَلَامِهِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَلَوْلَا أَنَّ النَّفْسَ قَدِ اسْتَبْشَرَتْ وَاسْتَلَذَّتِ الرِّيَاسَةَ ، لَكَانَ يَغْتَنِمُ ذَلِكَ ; إِذْ مِثَالُهُ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ جَمَاعَةً مِنْ إِخْوَانِهِ قَدْ وَقَعُوا فِي بِئْرٍ وَتُغَطَّى . ، رَأْسُ الْبِئْرِ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ فَعَجَزُوا عَنِ الرُّقِيِّ مِنَ الْبِئْرِ بِسَبَبِهِ فَرَقَّ قَلْبُهُ لِإِخْوَانِهِ ، فَجَاءَ لِيَرْفَعَ الْحَجَرَ مِنْ رَأْسِ الْبِئْرِ فَشَقَّ عَلَيْهِ فَجَاءَهُ مَنْ أَعَانَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَيَسَّرَ عَلَيْهِ أَوْ كَفَاهُ ذَلِكَ وَنَحَّاهُ ، بِنَفْسِهِ فَيَعْظُمُ بِذَلِكَ فَرَحُهُ لَا مَحَالَةَ ، إِذْ غَرَضُهُ خَلَاصُ إِخْوَانِهِ مِنَ الْبِئْرِ ، فَإِنْ كَانَ غَرَضُ النَّاصِحِ خَلَاصَ إِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ النَّارِ ، فَإِذَا ظَهَرَ مَنْ أَعَانَهُ أَوْ كَفَاهُ ذَلِكَ لَمْ يَثْقُلْ عَلَيْهِ أَرَأَيْتَ لَوِ اهْتَدَوْا جَمِيعُهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَكَانَ يَنْبَغِي أَنَّهُ يَثْقُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ غَرَضُهُ هِدَايَتَهُمْ ، فَإِذَا اهْتَدَوْا بِغَيْرِهِ فَلَمْ يَثْقُلْ عَلَيْهِ ، وَمَهْمَا وَجَدَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ دَعَاهُ الشَّيْطَانُ إِلَى جَمِيعِ كَبَائِرِ الْقُلُوبِ وَفَوَاحِشِ الْجَوَارِحِ وَأَهْلَكَهُ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ زَيْغِ الْقُلُوبِ بَعْدَ الْهُدَى ، وَمِنِ اعْوِجَاجِ النَّفْسِ بَعْدَ الِاسْتِوَاءِ . إتحاف السادة المتقين (وَأَمَارَةُ انْتِشَارِ الطَّبْعِ وَرُكُونِ النَّفْسِ إِلَى الدُّنْيَا) ، وَفِي نُسْخَةٍ: إِلَى الشَّيْطَانِ (أَنَّهُ لَوْ أَخْطَأَ) مَثَلًا فِي إِلْقَائِهِ، (فَرَدَّ عَلَيْهِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَلْقِ غَضِبَ) عَلَى الرَّادِّ، (فَإِذَا أَنْكَرَ عَلَى نَفْسِهِ مَا وَجَدَهُ مِنْ غَضَبٍ بَادَرَ الشَّيْطَانُ، فَخَيَّلَ إِلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ غَضَبٌ لِلَّهِ) تَعَالَى; (لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُحْسِنِ اعْتِقَادَ الْمُرِيدِينَ فِيهِ انْقَطَعُوا عَنْ طَرِيقِ اللَّهِ، فَوَقَعَ) بِهَذَا التَّخَيُّلِ (فِي الْغُرُورِ) إِنِ اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ، (فَرُبَّمَا) إِذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ (أَخْرَجَهُ ذَلِكَ إِلَى الْوَقِيعَةِ فِيمَنْ رَدَّ عَلَيْهِ) فِي الْمَجْلِسِ، (فَوَقَعَ فِي الْغِيبَةِ الْمَحْظُورَةِ) شَرْعًا (بَعْدَ تَرْكِهِ لِلْحَلَالِ الْمُتَّسِعِ، وَوَقَعَ) أَيْضًا (فِي الْكِبْرِ الَّذِي هُوَ التَّمَرُّدُ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَالشُّكْرِ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَحْذَرُ مِنْ طَوَارِقِ الْخَطَرَاتِ) أَنْ تَطْرُقَ قَلْبَهُ (وَكَذَلِكَ إِذَا سَبَقَهُ الضَّحِكُ) فِي الْمَجْلِسِ (أَوْ فَتَرَ عَنْ بَعْضِ الْأَوْرَادِ) الَّذِي كَانَ وَظَّفَهُ عَلَى نَفْسِهِ، (جَزِعَتِ النَّفْسُ أَنْ يَطَّلِعُوا عَلَيْهِ فَيَسْقُطَ قَبُولُهُ) عِنْدَهُمْ، (فَأَتْبَعَ ذَلِكَ بِاسْتِغْفَارٍ، وَتَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ) كَأَنَّهُ يَتَحَسَّرُ عَلَى مَا فَاتَهُ أَوْ صَدَرَ مِنْهُ، (وَرُبَّمَا زَادَ فِي الْأَعْمَالِ وَالْأَوْرَادِ لِأَجْلِهِمْ) لِيُرِيَهُمْ جِدَّهُ وَاجْتِهَادَهُ، (وَالشَّيْطَانُ يُخَيِّلُ إِلَيْهِ أَنَّكَ إِنَّمَا تَفْعَلُ ذَلِكَ كَيْلَا يَفْتُرَ رَأْيُهُمْ عَنْ) سُلُوكِ (طَرِيقِ اللَّهِ، فَيَتْرُكُونَ الطَّرِيقَ بِتَرْكِهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ خُدْعَةٌ وَغُرُورٌ، بَلْ هُوَ جَزَعٌ مِنَ النَّفْسِ خِيفَةَ فَوَاتِ الرِّيَاسَةِ) وَالْحِشْمَةِ، (وَلِذَلِكَ لَا تَجْزَعُ نَفْسُهُ مِنِ اطِّلَاعِ النَّاسِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ أَقْرَانِهِ) وَنُظَرَائِهِ، (بَلْ رُبَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ، وَيُسْتَبْشَرُ بِهِ، وَلَوْ ظَهَرَ مِنْ أَقْرَانِهِ مَنْ مَالَتِ الْقُلُوبُ إِلَى قَبُولِهِ، وَزَادَ أَثَرُ كَلَامِهِ فِي الْقَبُولِ عَلَى كَلَامِهِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلَوْلَا أَنَّ النَّفْسَ قَدِ اسْتَبْشَرَتْ وَاسْتَلَذَّتِ الرِّيَاسَةَ، لَكَانَ يَغْتَمُّ لِذَلِكَ; إِذْ مِثَالُهُ أَنْ يَرَى الرَّجُلُ جَمَاعَةً مِنْ إِخْوَانِهِ قَدْ وَقَعُوا فِي بِئْرٍ، وَغُطِّيَ رَأْسُ الْبِئْرِ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ فَعَجَزُوا عَنِ الرُّقِيِّ) أَيِ الصُّعُودِ (مِنَ الْبِئْرِ بِسَبَبِهِ فَرَقَّ قَلْبُهُ لِإِخْوَانِهِ، فَجَاءَ لِيَرْفَعَ الْحَجَرَ مِنْ رَأْسِ الْبِئْرِ فَشَقَّ عَلَيْهِ) رَفْعُهُ، (فَجَاءَهُ مَنْ أَعَانَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى تَيَسَّرَ عَلَيْهِ) رَفْعُهُ، (أَوْ كَفَاهُ ذَلِكَ، وَنَجَّاهُ بِنَفْسِهِ) مِنْ غَيْرِ مُسَاعَدَةِ أَحَدٍ، (فَيَعْظُمُ بِذَلِكَ فَرَحُهُ لَا مَحَالَةَ، إِذْ غَرَضُهُ خَلَاصُ إِخْوَانِهِ مِنَ الْبِئْرِ، فَإِنْ كَانَ غَرَضُ النَّاصِحِ) الذَّكِيِّ (خَلَاصَ إِخْوَانِهِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ النَّارِ، فَإِذَا ظَهَرَ مَنْ أَعَانَهُ أَوْ كَفَاهُ ذَلِكَ لَمْ يَثْقُلْ عَلَيْهِ) بَاطِنًا وَظَاهِرًا. (أَرَأَيْتَ لَوِ اهْتَدَوْا جَمِيعُهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ إِنْ كَانَ غَرَضُهُ هِدَايَتَهُمْ، فَإِذَا اهْتَدَوْا بِغَيْرِهِ فَلَمْ يَثْقُلْ عَلَيْهِ، وَمَهْمَا وَجَدَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ دَعَاهُ الشَّيْطَانُ إِلَى) ارْتِكَابِ (جَمِيعِ كَبَائِرِ الْقُلُوبِ وَفَوَاحِشِ الْجَوَارِحِ) وَسَوَّلَ لَهُ وَأَمْلَى لَهُ (وَأَهْلَكَهُ) ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ (فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ زَيْغِ الْقُلُوبِ بَعْدَ الْهُدَى، وَمِنِ اعْوِجَاجِ النَّفْسِ بَعْدَ الِاسْتِوَاءِ) أَيِ الِاسْتِقَامَةِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية