الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى قَدْ ثَبَتَ فِي النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ عَلَيٍّ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "الصَّلَاةُ الْوُسْطَى هِيَ الْعَصْرُ" . وَالْعَصْرُ ثَبَتَ لَهَا خَصَائِصُ، كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : "مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ"، وَكَذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ : "الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ"، وَقَوْلُهُ : "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ". وَالشَّاهِدُ: النَّجْمُ. وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ: هِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي شُغِلَ عَنْهَا سُلَيْمَانُ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتْ وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا" . وَهِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا فِي الْقُرْآنِ: تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ كَاذِبًا لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ. وَرَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ يَمْنَعُهُ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ. وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا، إِنْ أَعْطَاهُ رَضِيَ، وَإِنْ مَنَعَهُ سَخِطَ". فَذَكَرَ الْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ. وَيُقَالُ: إِنَّ وَقْتَهَا وَقْتٌ تُعَظِّمُهُ الْأُمَمُ كُلُّهَا، وَلِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ بِالِاسْتِحْلَافِ فِيهِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ. وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ تُوجِبُ تَعْظِيمَهُ وَحِفْظَ وَقْتِهَا حَتَّى لَا يَضِيعَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، وَلَيْسَ فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَوَاتِ مَا لَا يَتَمَيَّزُ أَوَّلُهُ بِفَصْلٍ يُحَسُّ إِلَّا وَقْتَ الْعَصْرِ، فَإِنَّ الْفَجْرَ يَتَمَيَّزُ أَوَّلُ وَقْتِهَا وَآخِرُهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَالظُّهْرُ يَتَمَيَّزُ أَوَّلُ وَقْتِهَا بِالزَّوَالِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ لِلْعُذْرِ، فَلَا يَفُوتُ إِلَّا بِفَوَاتِ وَقْتِ الْعَصْرِ. وَالْمَغْرِبُ يَتَمَيَّزُ أَوَّلُ وَقْتِهَا وَآخِرُهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِ الشَّفَقِ. وَعِشَاءُ الْآخِرَةِ يَتَمَيَّزُ أَوَّلُ وَقْتِهَا بِمَغِيبِ الشَّفَقِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا وَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ تَمَيُّزًا فِي الْحِسِّ لَكِنَّهُ يُمَدُّ لِلْعُذْرِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ كَالظُّهْرِ. وَالصَّلَاةُ الَّتِي يُمْكِنُ تَأْخِيرُهَا إِلَى مَا بَعْدَ الْوَقْتِ الْخَاصِّ لِلْعُذْرِ، لَا يُخَافُ مِنْ فَوْتِهَا مَا يُخَافُ مِنْ فَوْتِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا يُمْكِنُ تَأْخِيرُهَا، فَالظُّهْرُ وَالْعِشَاءُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُمَا عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ، وَإِنْ جَازَ تَقْدِيمُ الْعِشَاءِ، بِخِلَافِ الْعَصْرِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَأَوَّلُ وَقْتِهَا لَيْسَ يُمَيَّزُ، مَعَ أَنَّهُ أَقْصَرُ مِنْ وَقْتِ الْعِشَاءِ وَالظُّهْرِ، وَوَقْتُهَا يَكُونُ النَّاسُ فِيهِ مُشْتَغِلِينَ بِالْأَعْمَالِ فِي الْعَادَةِ، لَا يَكُونُونَ فِي وَقْتِ صَلَاةٍ أَشْغَلَ مِنْهُمْ فِي وَقْتِهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْآحَادِ فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ، لَكِنَّ هَذَا هُوَ الْغَالِبُ. فَالْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا بِسَبَبِ الْوَقْتِ وَقِصَرِهِ وَوُجُودِ الشُّغْلِ فِيهِ. وَلِهَذَا لَمْ يَشْتَغِلْ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ حَتَّى نَسِيَهَا إِلَّا صَلَاةَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَنَمْ عَنْ صَلَاةٍ إِلَّا عَنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَقَالَ : "مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ"، وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ مَرَّةً وَنَسِيَهَا أُخْرَى. وَلِهَذَا قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ [إِلَّا] فِي بَنِي قُرَيْظَةَ"، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْعَصْرُ فِي الطَّرِيقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ صَلَّى فِي الْوَقْتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَّرَهَا حَتَّى صَلَّاهَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ هُنَاكَ، فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدَةً مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية