الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
سُورَةُ أَلَمْ نَشْرَحْ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ . وَهِيَ ثَمَانِي آيَاتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ شَرْحُ الصَّدْرِ : فَتْحُهُ أَيْ أَلَمْ نَفْتَحْ صَدْرَكَ لِلْإِسْلَامِ . وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : أَلَمْ نُلَيِّنْ لَكَ قَلْبَكَ . وَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيَنْشَرِحُ الصَّدْرُ ؟ قَالَ : " نَعَمْ وَيَنْفَسِحُ " . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَهَلْ لِذَلِكَ عَلَامَةٌ ؟ قَالَ : " نَعَمُ التَّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ ، وَالْإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ ، وَالِاعْتِدَادُ لِلْمَوْتِ ، قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ " . وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي ( الزُّمَرِ ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ قَالَ : مُلِئَ حُكْمًا وَعِلْمًا . وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ - رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقِظَانِ إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ : أَحَدُ الثَّلَاثَةِ فَأُتِيَتْ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ ، فِيهَا مَاءُ زَمْزَمَ ، فَشَرَحَ صَدْرِي إِلَى كَذَا وَكَذَا " قَالَ قَتَادَةُ قُلْتُ : مَا يَعْنِي ؟ قَالَ : إِلَى أَسْفَلِ بَطْنِي ، قَالَ : " فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي ، فَغَسَلَ قَلْبِي بِمَاءِ زَمْزَمَ ، ثُمَّ أُعِيدَ مَكَانَهُ ، ثُمَّ حُشِيَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً " . وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( جَاءَنِي مَلَكَانِ فِي صُورَةِ طَائِرٍ ، مَعَهُمَا مَاءٌ وَثَلْجٌ ، فَشَرَحَ أَحَدُهُمَا صَدْرِي ، وَفَتَحَ الْآخَرُ بِمِنْقَارِهِ فِيهِ فَغَسَلَهُ ) . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ قَالَ : " جَاءَنِي مَلَكٌ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِي ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عُذْرَةً ، وَقَالَ : قَلْبُكَ وَكِيعٌ ، وَعَيْنَاكَ بَصِيرَتَانِ ، وَأُذُنَاكَ سَمِيعَتَانِ ، أَنْتَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ، لِسَانكَ صَادِقٌ ، وَنَفْسُكَ مُطْمَئِنَّةٌ ، وَخُلُقُكَ قُثَمٌ ، وَأَنْتَ قَيِّمٌ " . قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : قَوْلُهُ " وَكِيعٌ " أَيْ يَحْفَظُ مَا يُوضَعُ فِيهِ . يُقَالُ : سِقَاءٌ وَكِيعٌ أَيْ قَوِيٌّ يَحْفَظُ مَا يُوضَعُ فِيهِ . وَاسْتَوْكَعَتْ مَعِدَتُهُ ، أَيْ قَوِيَتْ وَقَوْلُهُ : " قُثَمٌ " أَيْ جَامِعٌ . يُقَالُ : رَجُلٌ قَثُومٌ لِلْخَيْرِ أَيْ جَامِعٌ لَهُ . وَمَعْنَى أَلَمْ نَشْرَحْ قَدْ شَرَحْنَا الدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي النَّسَقِ عَلَيْهِ : وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ، فَهَذَا عَطْفٌ عَلَى التَّأْوِيلِ ، لَا عَلَى التَّنْزِيلِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى التَّنْزِيلِ لَقَالَ : وَنَضَعْ عَنْكَ وِزْرَكَ . فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى أَلَمْ نَشْرَحْ : قَدْ شَرَحْنَا . وَ ( لَمْ ) جَحْدٌ ، وَفِي الِاسْتِفْهَامِ طَرَفٌ مِنَ الْجَحْدِ ، وَإِذَا وَقَعَ جَحْدٌ ، رَجَعَ إِلَى التَّحْقِيقِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ . وَمَعْنَاهُ : اللَّهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ . وَكَذَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ . وَمِثْلُهُ قَوْلُ جَرِيرٍ يَمْدَحُ عَبْدَ الْمَلِكَ بْنِ مَرْوَانَ : أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحٍ الْمَعْنَى : أَنْتُمْ كَذَا .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية