الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسَبْعِمِائَةٍ اسْتَهَلَّتْ وَالْخَلِيفَةُ ، وَالسُّلْطَانُ ، وَالْحُكَّامُ ، وَالْمُبَاشِرُونَ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا . وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ ثَالِثِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ حَضَّرْتُ الدُّرُوسَ وَالْوَظَائِفَ الَّتِي أَنْشَأَهَا الْأَمِيرُ بَيْبَرْسُ الْجَاشْنَكِيرُ الْمَنْصُورِيُّ بِجَامِعِ الْحَاكِمِ ، بَعْدَ أَنْ جَدَّدَهُ مِنْ خَرَابِهِ بِالزَّلْزَلَةِ الَّتِي طَرَقَتْ دِيَارَ مِصْرَ فِي آخِرِ سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِمِائَةٍ ، وَجَعَلَ الْقُضَاةَ الْأَرْبَعَةَ هُمُ الْمُدَرِّسِينَ لِلْمَذَاهِبِ ، وَشَيْخَ الْحَدِيثِ سَعْدَ الدِّينِ الْحَارِثِيَّ ، وَشَيْخَ النَّحْوِ أَثِيرَ الدِّينِ أَبَا حَيَّانَ ، وَشَيْخَ الْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ نُورَ الدِّينِ الشَّطَّنَوْفِيَّ ، وَشَيْخَ إِفَادَةِ الْعُلُومِ عَلَاءَ الدِّينِ الْقُونَوِيَّ . وَفِي جُمَادَى الْآخِرَةِ بَاشَرَ الْأَمِيرُ رُكْنُ الدِّينِ بَيْبَرْسُ الْحُجُوبِيَّةَ مَعَ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ بَكْتَمُرَ ، وَصَارَا حَاجِبَيْنِ كَبِيرَيْنِ فِي دِمَشْقَ . وَفِي رَجَبٍ مِنْهَا أُحْضِرَ إِلَى الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ شَيْخٌ كَانَ يَلْبَسُ دِلْقًا كَبِيرًا مُتَّسِعًا جِدًّا ، يُسَمَّى الْمُجَاهِدَ إِبْرَاهِيمَ الْقَطَّانَ ، فَأَمَرَ الشَّيْخُ بِتَقْطِيعِ ذَلِكَ الدِّلْقِ ، فَتَنَاهَبَهُ النَّاسُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ، وَقَطَعُوهُ حَتَّى لَمْ يَدَعُوا مِنْهُ شَيْئًا ، وَأَمَرَ بِحَلْقِ رَأْسِهِ ، وَكَانَ ذَا شَعْرٍ ، وَقَلْمِ أَظْفَارِهِ ، وَكَانُوا طِوَالًا جِدًّا ، وَحَفِّ شَارِبِهِ الْمُسْبَلِ عَلَى فَمِهِ ، الْمُخَالِفِ لِلسُّنَّةِ ، وَاسْتَتَابَهُ مِنْ كَلَامِ الْفُحْشِ ، وَأَكْلِ مَا لَا يَجُوزُ أَكْلُهُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَمِمَّا يُغَيِّرُ الْعَقْلَ مِنَ الْحَشِيشَةِ وَغَيْرِهَا . وَبَعْدَهُ اسْتُحْضِرَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْخَبَّازُ الْبَلَاسِيُّ ، فَاسْتَتَابَهُ أَيْضًا عَنْ أَكْلِ الْمُحَرَّمَاتِ ، وَمُخَالَطَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَكَتَبَ عَلَيْهِ مَكْتُوبًا أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي تَعْبِيرِ الْمَنَامَاتِ وَلَا فِي غَيْرِهَا مِمَّا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ . وَفِي هَذَا الشَّهْرِ بِعَيْنِهِ رَاحَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ إِلَى مَسْجِدِ النَّارَنْجِ ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ وَمَعَهُمْ حَجَّارُونَ بِقَطْعِ صَخْرَةٍ كَانَتْ هُنَاكَ بِنَهْرِ قَلُوطٍ - تُزَارُ وَيُنْذَرُ لَهَا - فَقَطَعَهَا ، وَأَرَاحَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا وَمِنَ الشِّرْكِ بِهَا ، فَأَزَاحَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ شُبْهَةً كَانَ شَرُّهَا عَظِيمًا ، وَبِهَذَا وَأَمْثَالِهِ حَسَدُوهُ وَأَبْرَزُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ ، وَكَذَلِكَ بِكَلَامِهِ فِي ابْنِ عَرَبِيٍّ وَأَتْبَاعِهِ ، فَحُسِدَ عَلَى ذَلِكَ وَعُودِيَ ، وَمَعَ هَذَا لَمْ تَأْخُذْهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ ، وَلَا بَالَى ، وَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ بِمَكْرُوهٍ ، وَأَكْثَرُ مَا نَالُوا مِنْهُ الْحَبْسُ ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَنْقَطِعْ فِي بَحْثٍ لَا بِمِصْرَ وَلَا بِالشَّامِ ، وَلَمْ يَتَوَجَّهْ لَهُمْ عَلَيْهِ مَا يَشِينُ ، وَإِنَّمَا أَخَذُوهُ ، وَحَبَسُوهُ بِالْجَاهِ كَمَا سَيَأْتِي ، وَإِلَى اللَّهِ إِيَابُ الْخَلْقِ ، وَعَلَيْهِ حِسَابُهُمْ . وَفِي رَجَبٍ جَلَسَ قَاضِي الْقُضَاةِ نَجْمُ الدِّينِ بْنُ صَصْرَى بِالْمَدْرَسَةِ الْعَادِلِيَّةِ الْكَبِيرَةِ ، وَعُمِلَتِ التُّخُوتُ بَعْدَمَا جُدِّدَتْ عِمَارَةُ الْمَدْرَسَةِ ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَحْكُمُ بِهَا بَعْدَ وَقْعَةِ قَازَانَ بِسَبَبِ خَرَابِهَا ، وَجَاءَ الْمَرْسُومُ لِلشَّيْخِ بُرْهَانِ الدِّينِ الْفَزَارِيِّ بِوَكَالَةِ بَيْتِ الْمَالِ ، فَلَمْ يَقْبَلْ ، وَلِلشَّيْخِ كَمَالِ الدِّينِ بْنِ الزَّمْلَكَانِيِّ بِنَظَرِ الْخِزَانَةِ ، فَقَبِلَ ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ بِطَرْحَةٍ ، وَحَضَرَ بِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَهَاتَانِ الْوَظِيفَتَانِ كَانَتَا مَعَ نَجْمِ الدِّينِ بْنِ أَبِي الطَّيِّبِ ، تُوُفِّيَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى . وَفِي شَعْبَانَ سَعَى جَمَاعَةٌ فِي تَبْطِيلِ الْوَقِيدِ لَيْلَةَ النِّصْفِ ، وَأَخَذُوا خُطُوطَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ، وَتَكَلَّمُوا مَعَ نَائِبِ السَّلْطَنَةِ ، فَلَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ ، بَلْ أَشْعَلُوا ، وَصُلِّيَتْ صَلَاةُ لَيْلَةِ النِّصْفِ أَيْضًا . وَفِي خَامِسِ رَمَضَانَ وَصَلَ الشَّيْخُ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الشَّرِيشِيِّ مِنْ مِصْرَ بِوَكَالَةِ بَيْتِ الْمَالِ ، وَلَبِسَ الْخِلْعَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَابِعِ رَمَضَانَ ، وَحَضَرَ عِنْدَهُ ابْنُ صَصْرَى بِالشُّبَّاكِ الْكَمَالِيِّ . وَفِي سَابِعِ شَوَّالٍ عُزِلَ وَزِيرُ مِصْرَ نَاصِرُ الدِّينِ بْنُ الشَّيْخِيِّ ، وَقُطِعَ إِقْطَاعُهُ ، وَرُسِمَ عَلَيْهِ ، وَعُوقِبَ إِلَى أَنْ مَاتَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ، وَتَوَلَّى الْوِزَارَةَ سَعْدُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَايَا ، وَخُلِعَ عَلَيْهِ . وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ ، حَكَمَ قَاضِي الْقُضَاةِ جَمَالُ الدِّينِ الزَّوَاوِيُّ بِقَتْلِ الشَّمْسِ مُحَمَّدِ بْنِ جَمَالِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَاجُرْبَقِيِّ ، وَإِرَاقَةِ دَمِهِ ، وَإِنْ تَابَ وَإِنْ أَسْلَمَ ، بَعْدَ إِثْبَاتِ مَحْضَرٍ عَلَيْهِ يَتَضَمَّنُ كُفْرَ الْبَاجُرْبَقِيِّ الْمَذْكُورِ ، وَمِمَّنْ شَهِدَ عَلَيْهِ فِيهِ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ التُّونِسِيُّ النَّحْوِيُّ الشَّافِعِيُّ ، فَهَرَبَ الْبَاجُرْبَقِيُّ إِلَى بِلَادِ الشَّرْقِ ، فَمَكَثَ بِهَا مُدَّةَ سِنِينَ ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ مَوْتِ الْحَاكِمِ الْمَذْكُورِ كَمَا سَيَأْتِي . وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ كَانَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ فِي الصَّيْدِ ، فَقَصَدَهُمْ فِي اللَّيْلِ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَعْرَابِ ، فَقَاتَلَهُمُ الْأُمَرَاءُ ، فَقَتَلُوا مِنَ الْعَرَبِ نَحْوَ النِّصْفِ ، وَتَوَغَّلَ فِي الْعَرَبِ أَمِيرٌ يُقَالُ لَهُ : سَيْفُ الدِّينِ بَهَادُرُ سَمِزِ احْتِقَارًا بِالْعَرَبِ ، فَضَرَبَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِرُمْحٍ فَقَتَلَهُ ، فَكَرَّتِ الْأُمَرَاءُ عَلَيْهِمْ ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا أَيْضًا ، وَأَخَذُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ ، فَصُلِبَ تَحْتَ الْقَلْعَةِ ، وَدُفِنَ الْأَمِيرُ الْمَذْكُورُ بِقَبْرِ السِّتِّ . وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ تَكَلَّمَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ النَّقِيبِ ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي الْفَتَاوَى الصَّادِرَةِ مِنَ الشَّيْخِ عَلَاءِ الدِّينِ بْنِ الْعَطَّارِ شَيْخِ دَارِ الْحَدِيثِ النُّورِيَّةِ وَالْقُوصِيَّةِ ، وَأَنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَفِيهَا تَخْبِيطٌ كَثِيرٌ ، فَتَوَهَّمَ مِنْ ذَلِكَ ، وَرَاحَ إِلَى الْحَنَفِيِّ ، فَحَقِنَ دَمَهُ ، وَأَبْقَاهُ عَلَى وَظَائِفِهِ ، ثُمَّ بَلَغَ ذَلِكَ نَائِبَ السَّلْطَنَةِ ، فَأَنْكَرَ عَلَى الْمُنْكِرِينَ عَلَيْهِ ، وَرَسَمَ عَلَيْهِمْ ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا ، وَرَسَمَ نَائِبُ السَّلْطَنَةِ أَنْ لَا تُثَارَ الْفِتَنُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ . وَفِي مُسْتَهَلِّ ذِي الْحِجَّةِ رَكِبَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى جَبَلِ الْجُرْدِ وَالْكَسْرَوَانِيِّينَ ، وَمَعَهُ نَقِيبُ الْأَشْرَافِ زَيْنُ الدِّينِ بْنُ عَدْنَانَ ، فَاسْتَتَابُوا خَلْقًا مِنْهُمْ ، وَأَلْزَمُوهُمْ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ ، وَرَجَعَ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية