الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ اسْتُهِلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَالنَّاسُ مُتَوَاقِفُونَ لِقِتَالِ الْحَجَّاجِ وَأَصْحَابِهِ بِدَيْرِ قُرَّةَ ، وَابْنُ الْأَشْعَثِ وَأَصْحَابُهُ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ ، وَالْمُبَارَزَةُ فِي كُلِّ يَوْمٍ بَيْنَهُمْ وَاقِعَةٌ ، وَفِي غَالِبِ الْأَيَّامِ تَكُونُ النُّصْرَةُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ ، حَتَّى قِيلَ : إِنَّ أَصْحَابَ ابْنِ الْأَشْعَثِ - وَهُمْ أَهْلُ الْعِرَاقِ - كَسَرُوا أَهْلَ الشَّامِ - وَهُمْ أَصْحَابُ الْحَجَّاجِ - بِضْعًا وَثَمَانِينَ مَرَّةً يَنْتَصِرُونَ عَلَيْهِمْ . وَمَعَ هَذَا فَالْحَجَّاجُ ثَابِتٌ فِي مَكَانِهِ صَابِرٌ وَمُصَابِرٌ ، لَا يَتَزَحْزَحُ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ، بَلْ إِذَا حَصَلَ لَهُ ظَفَرٌ فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ يَتَقَدَّمُ بِجَيْشِهِ إِلَى نَحْرِ عَدُّوِهِ ، وَكَانَ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْحَرْبِ ، وَمَا زَالَ ذَلِكَ دَأْبَهُ وَدَأْبَهُمْ حَتَّى أَمَرَ بِالْحَمْلَةِ عَلَى كَتِيبَةِ الْقُرَّاءِ; لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا تَبَعًا لَهُمْ ، وَهُمُ الَّذِينَ يُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ ، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِهِمْ ، فَصَبَرَ الْقُرَّاءُ لِحَمْلَةِ جَيْشِهِ ، ثُمَّ جَمَعَ الرُّمَاةَ مِنْ جَيْشِهِ وَحَمَلَ بِهِمْ ، وَمَا انْفَكَّ حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَى جَيْشِ ابْنِ الْأَشْعَثِ ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ الْأَشْعَثِ وَذَهَبُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ ، وَهَرَبَ ابْنُ الْأَشْعَثِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ، وَمَعَهُ فَلٌّ قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ ، فَأَتْبَعُهُ الْحَجَّاجُ جَيْشًا كَثِيفًا مَعَ عِمَارَةَ بْنِ تَمِيمٍ اللَّخْمِيِّ ، وَمَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ ، وَالْإِمْرَةُ لِعِمَارَةَ ، فَسَاقُوا وَرَاءَهُمْ يَطْرُدُونَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَظْفَرُونَ بِهِ قَتْلًا أَوْ أَسْرًا ، فَمَا زَالَ يَسُوقُ وَيَخْتَرِقُ الْأَقَالِيمَ وَالْكُورَ وَالرَّسَاتِيقَ ، وَهُمْ فِي أَثَرِهِ ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى كَرْمَانَ وَاتَّبَعَهُ الشَّامِيُّونَ ، فَنَزَلُوا فِي قَصْرٍ كَانَ فِيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ قَبْلَهُمْ ، فَإِذَا فِيهِ كِتَابٌ قَدْ كَتَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ الَّذِينَ فَرُّوا مَعَهُ ، مَنْ شِعْرِ أَبِي جِلْدَةَ الْيَشْكُرِيِّ ، يَقُولُ : أَيَا لَهَفَا وَيَا حُزْنَا جَمِيعًا وَيَا حَرَّ الْفُؤَادِ لِمَا لَقِينَا تَرَكْنَا الدِّينَ وَالدُّنْيَا جَمِيعًا وَأَسْلَمْنَا الْحَلَائِلَ وَالْبَنِينَا فَمَا كُنَّا أُنَاسًا أَهْلَ دُنْيَا فَنَمْنَعُهَا وَلَوْ لَمْ نَرْجُ دِينًا تَرَكْنَا دَوْرَنَا لِطَغَامِ عَكٍّ وَأَنْبَاطِ الْقُرَى وَالْأَشْعَرِينَا ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الْأَشْعَثِ دَخَلَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْفَلِّ إِلَى بِلَادِ رُتْبِيلَ مَلِكِ التُّرْكِ ، فَأَكْرَمَهُ رُتْبِيلُ ، وَأَنْزَلَهُ عِنْدَهُ ، وَأَمَّنَهُ وَعَظَّمَهُ . قَالَ الْوَاقِدِيُّ : وَمَرَّ ابْنُ الْأَشْعَثِ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى بِلَادِ رُتْبِيلَ عَلَى عَامِلٍ لَهُ فِي بَعْضِ الْمُدُنِ ، كَانَ ابْنُ الْأَشْعَثِ قَدِ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ رُجُوعِهِ إِلَى الْعِرَاقِ ، فَأَكْرَمَهُ ذَلِكَ الْعَامِلُ ، وَأَهْدَى إِلَيْهِ هَدَايَا وَأَنْزَلَهُ; فَعَلَ ذَلِكَ خَدِيعَةً بِهِ وَمَكْرًا ، وَقَالَ لَهُ : ادْخُلْ إِلَى عِنْدِي إِلَى الْبَلَدِ لِتَتَحَصَّنَ بِهَا مِنْ عَدُوِّكَ ، وَلَكِنْ لَا تَدَعْ أَحَدًا مِمَّنْ مَعَكَ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ . فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الْمَكْرَ بِهِ ، فَمَنْعَهُ أَصْحَابُهُ ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ ، فَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَثَبَ عَلَيْهِ الْعَامِلُ فَمَسَكَهُ وَأَوْثَقَهُ بِالْحَدِيدِ ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَّخِذَ بِهِ يَدًا عِنْدَ الْحَجَّاجِ ، وَقَدْ كَانَ الْمَلِكُ رُتْبِيلَ سُرَّ بِقُدُومِ ابْنِ الْأَشْعَثِ ، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَا حَدَثَ لَهُ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ الْعَامِلِ بِمَدِينَةِ بُسْتَ ، سَارَ حَتَّى أَحَاطَ بِبُسْتَ ، وَأَرْسَلَ إِلَى عَامِلِهَا يَقُولُ لَهُ : وَاللَّهِ لَئِنْ آذَيْتَ ابْنَ الْأَشْعَثِ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَسَتَنْزِلُكَ ، وَأَقْتُلُ جَمِيعَ مَنْ فِي بَلَدِكَ . فَخَافَهُ ذَلِكَ الْعَامِلُ ، وَسَيَّرَ إِلَيْهِ ابْنَ الْأَشْعَثِ ، فَأَكْرَمَهُ رُتْبِيلُ ، فَقَالَ ابْنُ الْأَشْعَثِ لرُتْبِيلَ : إِنَّ هَذَا الْعَامِلَ كَانَ عَامِلِي وَمِنْ جِهَتِي ، فَغَدَرَ بِي ، وَفَعَلَ مَا رَأَيْتَ فَأْذَنْ لِي فِي قَتْلِهِ . فَقَالَ : قَدْ أَمَّنْتُهُ . وَكَانَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَكَانَ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ هُنَالِكَ فِي بِلَادِ رُتْبِيلَ ، ثُمَّ إِنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْفَلِّ الَّذِينَ هَرَبُوا مِنَ الْحَجَّاجِ اجْتَمَعُوا وَسَارُوا وَرَاءَ ابْنِ الْأَشْعَثِ; لِيُدْرِكُوهُ فَيَكُونُوا مَعَهُ ، وَهُمْ قَرِيبٌ مِنْ سِتِّينَ أَلْفًا ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى سِجِسْتَانَ وَجَدُوا ابْنَ الْأَشْعَثِ قَدْ دَخَلَ إِلَى عِنْدِ رُتْبِيلَ فَتَغَلَّبُوا عَلَى سِجِسْتَانَ ، وَعَذَّبُوا عَامِلَهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ الْبِعَارَ وَإِخْوَتَهُ وَقَرَائِبَهُ ، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ ، وَانْتَشَرُوا فِي تِلْكَ الْبِلَادِ وَأَخَذُوهَا ، ثُمَّ كَتَبُوا إِلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ : أَنِ اخْرُجْ إِلَيْنَا حَتَّى نَكُونَ مَعَكَ; نَنْصُرُكَ عَلَى مَنْ يُخَالِفُكَ ، وَنَأْخُذُ بِلَادَ خُرَاسَانَ ، فَإِنَّ بِهَا جُنْدًا عَظِيمًا مِنَّا ، فَنَكُونُ بِهَا حَتَّى يُهْلِكَ اللَّهُ الْحَجَّاجَ أَوْ عَبْدَ الْمَلِكِ ، فَنَرَى بَعْدَ ذَلِكَ رَأَيْنَا ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ ابْنُ الْأَشْعَثِ ، وَسَارَ بِهِمْ قَلِيلًا إِلَى نَحْوِ خُرَاسَانَ ، فَاعْتَزَلَهُ شِرْذِمَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ، فَقَامَ فِيهِمُ ابْنُ الْأَشْعَثِ خَطِيبًا ، فَذَكَرَ غَدْرَهُمْ وَنُكُولَهُمْ عَنِ الْحَرْبِ ، وَقَالَ : لَا حَاجَةَ لِي بِكُمْ ، وَأَنَا ذَاهِبٌ إِلَى صَاحِبِي رُتْبِيلَ فَأَكُونُ عِنْدَهُ ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُمْ ، وَتَبِعَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ ، وَبَقِيَ مُعْظَمُ الْجَيْشِ ، فَلَمَّا انْفَصَلَ عَنْهُمُ ابْنُ الْأَشْعَثِ بَايَعُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ الْهَاشِمِيَّ ، وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى خُرَاسَانَ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَمِيرُهَا يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنِ أَبِي صُفْرَةَ ; لِيَمْنَعَهُمْ مِنْ دُخُولِ بِلَادِهِ ، وَكَتَبَ يَزِيدُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبَّاسٍ يَقُولُ لَهُ : إِنَّ فِي الْبِلَادِ مُتَّسَعًا ، فَاذْهَبْ إِلَى أَرْضٍ لَيْسَ بِهَا سُلْطَانٌ ، فَإِنِّي أَكْرَهُ قِتَالَكَ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ مَالًا بَعَثْتُ إِلَيْكَ . فَقَالَ لَهُ : إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ ، وَإِنَّمَا جِئْنَا نَسْتَرِيحُ وَنُرِيحُ خَيْلَنَا ، ثُمَّ نَذْهَبُ ، وَلَيْسَتْ بِنَا حَاجَةٌ إِلَى حَاجَةٍ مِمَّا عَرَضْتَ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى أَخْذِ الْخَرَاجِ مِمَّا حَوْلُهُ مِنَ الْبِلَادِ مِنْ كُورِ خُرَاسَانَ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ وَمَعَهُ أَخُوهُ الْمُفَضَّلُ فِي جُيُوشٍ كَثِيفَةٍ ، فَلَمَّا صَادَفُوهُمُ اقْتَتَلُوا غَيْرَ كَثِيرٍ ، ثُمَّ انْهَزَمَ أَصْحَابُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَتَلَ يَزِيدُ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً ، وَأَسَرَ مِنْهُمْ أَسْرَى كَثِيرَةً ، وَاحْتَازَ مَا فِي مُعَسْكَرِهِمْ ، وَبَعَثَ بِالْأُسَارَى - وَفِيهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ - إِلَى الْحَجَّاجِ ، وَيُقَالُ : إِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ لِيَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ : أَسْأَلُكَ بِدَعْوَةِ أَبِي لِأَبِيكَ لَمَا أَطْلَقْتَنِي . فَأَطْلَقَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ : وَلِهَذَا الْكَلَامِ خَبَرٌ فِيهِ طُولٌ . وَلَمَّا قَدِمَتِ الْأُسَارَى عَلَى الْحَجَّاجِ قَتَلَ أَكْثَرَهُمْ ، وَعَفَا عَنْ بَعْضِهِمْ ، وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ يَوْمَ ظَهَرَ عَلَى ابْنِ الْأَشْعَثِ بِدَيْرِ الْجَمَاجِمِ نَادَى مُنَادِيهِ فِي النَّاسِ : مَنْ رَجَعَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ لَحِقَ بِقُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ بِالرَّيِّ فَهُوَ آمِنٌ ، فَلَحِقَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ ، فَأَمَّنَهُمُ الْحَجَّاجُ ، وَمَنْ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ شَرَعَ الْحَجَّاجُ فِي تَتَبُّعِهِمْ ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا ، حَتَّى كَانَ آخِرَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ . وَكَانَ الشَّعْبِيُّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ صَارَ إِلَى قُتَيْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ ، فَذَكَرَهُ يَوْمًا الْحَجَّاجُ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ سَارَ إِلَى قُتَيْبَةَ . فَكَتَبَ إِلَيْهِ : أَنِ ابْعَثْ إِلَيَّ بِالشَّعْبِيِّ . قَالَ الشَّعْبِيُّ : فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ ، ثُمَّ قُلْتُ : أَيُّهَا الْأَمِيرُ ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَمَرُونِي أَنْ أَعْتَذِرَ إِلَيْكَ بِغَيْرِ مَا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ الْحَقُّ ، وَايْمُ اللَّهِ لَا أَقُولُ فِي هَذَا الْمَقَامِ إِلَّا الْحَقَّ ، قَدْ وَاللَّهِ تَمَرَّدْنَا عَلَيْكَ ، وَحَرَّضْنَا وَجَهَدْنَا كُلَّ الْجَهْدِ ، فَمَا آلَوْنَا ، فَمَا كُنَّا بِالْأَقْوِيَاءِ الْفَجَرَةِ ، وَلَا بِالْأَتْقِيَاءِ الْبَرَرَةِ ، وَلَقَدْ نَصَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا ، وَأَظْفَرَكَ بِنَا ، فَإِنْ سَطَوْتَ فَبِذُنُوبِنَا ، وَمَا جَرَّتْ إِلَيْكَ أَيْدِينَا ، وَإِنْ عَفَوْتَ عَنَّا فَبِحِلْمِكَ ، وَبَعْدُ فَالْحُجَّةُ لَكَ عَلَيْنَا . فَقَالَ الْحَجَّاجُ : أَنْتَ وَاللَّهِ يَا شَعْبِيُّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّنْ يَدْخُلُ عَلَيْنَا يَقْطُرُ سَيْفُهُ مِنْ دِمَائِنَا ، ثُمَّ يَقُولُ : مَا فَعَلْتُ وَلَا شَهِدْتُ . قَدْ أَمِنْتَ عِنْدَنَا يَا شَعْبِيُّ . قَالَ : فَانْصَرَفْتُ ، فَلَمَّا مَشَيْتُ قَلِيلًا قَالَ : هَلُمَّ يَا شَعْبِيُّ . قَالَ : فَوَجَلَ لِذَلِكَ قَلْبِي ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ : قَدْ أَمِنْتَ يَا شَعْبِيُّ ، فَاطْمَأَنَّتْ نَفْسِي . فَقَالَ : كَيْفَ وَجَدْتَ النَّاسَ بَعْدَنَا يَا شَعْبِيُّ؟ قَالَ : - وَكَانَ لِي مُكْرِمًا - فَقُلْتُ : أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ ، قَدِ اكْتَحَلْتُ بَعْدَكَ السَّهَرَ ، وَاسْتَوْعَرْتُ السُّهُولَةَ ، وَاسْتَوْخَمْتُ الْجَنَابَ ، وَاسْتَحْلَسْتُ الْخَوْفَ ، وَاسْتَحْلَيْتُ الْهَمَّ ، وَفَقَدْتُ صَالِحَ الْإِخْوَانِ ، وَلَمْ أَجِدْ مِنَ الْأَمِيرِ خَلَفًا . قَالَ : انْصَرِفْ يَا شَعْبِيُّ . فَانْصَرَفْتُ . وَرَوَاهُ أَبُو مِخْنَفٍ ، عَنِ السِّرِّيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ الْخَرْقَاءِ فِي الْفَرَائِضِ ، وَهِيَ : أُمٌّ وَزَوْجٌ وَأُخْتٌ ، وَمَا كَانَ يَقُولُهُ فِيهَا الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَكَانَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ قَوْلٌ فِيهَا ، فَنَقَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ الشَّعْبِيُّ فِي سَاعَتِهِ ، فَاسْتَحْسَنَ قَوْلَ عَلِيٍّ ، وَحَكَمَ بِقَوْلِ عُثْمَانَ ، وَأُطْلِقَ الشَّعْبِيُّ بِسَبَبِ ذَلِكَ . وَقِيلَ : إِنَّ الْحَجَّاجَ قَتَلَ خَمْسَةَ آلَافِ أَسِيرٍ ، مِمَّنْ سَيَّرَهُمْ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ الْمُهَلَّبِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ ، ثُمَّ سَارَ إِلَى الْكُوفَةِ فَدَخَلَهَا ، فَجَعَلَ لَا يُبَايِعُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهَا إِلَّا قَالَ : أَتَشْهَدُ عَلَى نَفْسِكَ أَنَّكَ قَدْ كَفَرْتَ . فَإِذَا قَالَ : نَعَمْ . بَايَعَهُ ، وَإِنْ أَبَى قَتَلَهُ ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا ، مِمَّنْ أَبَى أَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ . قَالَ : فَأُتِيَ بِرَجُلٍ ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ : مَا أَظُنُّ هَذَا يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْكُفْرِ; لِصَلَاحِهِ وَدِينِهِ ، وَأَرَادَ الْحَجَّاجُ مُخَادَعَتَهُ ، فَقَالَ : أَخَادِعِي أَنْتَ عَنْ نَفْسِي ، أَنَا أَكْفَرُ أَهْلِ الْأَرْضِ ، وَأَكْفَرُ مِنْ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَنَمْرَودَ . قَالَ : فَضَحِكَ الْحَجَّاجُ وَخَلَّى سَبِيلَهُ . وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مِخْنَفٍ ، أَنَّ أَعْشَى هَمْدَانَ أُتِيَ بِهِ إِلَى الْحَجَّاجِ ، وَكَانَ قَدْ عَمِلَ قَصِيدَةً هَجَا فِيهَا الْحَجَّاجَ وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ ، وَيَمْدَحُ فِيهَا ابْنَ الْأَشْعَثِ وَأَصْحَابُهُ ، فَاسْتَنْشَدَهُ إِيَّاهَا فَأَنْشُدَهُ قَصِيدَةً طَوِيلَةً دَالِيَّةً ، فِيهَا مَدْحٌ كَثِيرٌ لِعَبْدِ الْمَلِكِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ، فَجَعَلَ أَهْلُ الشَّامِ يَقُولُونَ : قَدْ أَحْسَنَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ ، فَقَالَ الْحَجَّاجُ : إِنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ ، إِنَّمَا يَقُولُ هَذَا مُصَانَعَةٌ . ثُمَّ أَلَحَّ عَلَيْهِ حَتَّى أَنْشُدَهُ قَصِيدَتَهُ الْأُخْرَى ، فَلَمَّا أَنْشَدَهَا غَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَجَّاجُ ، وَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْهِ . وَاسْمُ الْأَعْشَى هَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، أَبُو الْمُصْبِحِ الْهَمْدَانِيُّ ، الْكُوفِيُّ ، الشَّاعِرُ ، أَحَدُ الْفُصَحَاءِ الْبُلَغَاءِ الْمَشْهُورِينَ ، وَقَدْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ وَعِبَادَةٌ فِي مُبْتَدَئِهِ ، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ ، وَأَقْبَلَ عَلَى الشِّعْرِ فَعُرِفَ بِهِ ، وَقَدْ وَفَدَ عَلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ - وَهُوَ أَمِيرٌ بِحِمْصَ - فَامْتَدَحَهُ ، وَكَانَ مَحْصُولُهُ فِي رِحْلَتِهِ إِلَيْهِ مِنْهُ وَمِنْ جُنْدِ حِمْصَ أَرْبَعِينَ أَلْفَ دِينَارٍ ، وَكَانَ زَوْجَ أُخْتِ الشَّعْبِيِّ ، كَمَا أَنَّ الشَّعْبِيَّ كَانَ زَوْجَ أُخْتِهِ أَيْضًا ، وَكَانَ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ ابْنِ الْأَشْعَثِ ، فَقَتَلَهُ الْحَجَّاجُ كَمَا ذَكَرْنَا ، رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقَدْ كَانَ الْحَجَّاجُ وَهُوَ مُوَاقِفٌ لِابْنِ الْأَشْعَثِ بَعَثَ كَمِينًا يَأْتُونَ جَيْشَ ابْنِ الْأَشْعَثِ مِنْ وَرَائِهِ ، ثُمَّ تَوَاقَفَ الْحَجَّاجُ وَابْنُ الْأَشْعَثِ ، وَهَرَبَ الْحَجَّاجُ بِمَنْ مَعَهُ ، وَتَرَكَ مُعَسْكَرَهُ ، فَجَاءَ ابْنُ الْأَشْعَثِ فَاحْتَازَ مَا فِي الْمُعَسْكَرِ ، وَبَاتَ فِيهِ ، فَجَاءَتِ السَّرِيَّةُ إِلَيْهِمْ لَيْلًا ، وَقَدْ وَضَعُوا أَسْلِحَتَهُمْ ، فَمَالُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً ، وَرَجَعَ الْحَجَّاجُ بِأَصْحَابِهِ فَأَحَاطُوا بِهِمْ ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ خَلْقٌ كَثِيرٌ ، وَغَرِقَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي دِجْلَةَ وَدُجَيْلٍ ، وَجَاءَ الْحَجَّاجُ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ فَقَتَلَ مَنْ وَجَدَهُ فِيهِ ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ ، مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّؤَسَاءِ وَالْأَعْيَانِ ، وَاحْتَازُوهُ بِكَمَالِهِ ، وَانْطَلَقَ ابْنُ الْأَشْعَثِ هَارِبًا فِي ثَلَاثمِائَةٍ ، فَرَكِبُوا دُجَيْلًا فِي السُّفُنِ ، وَعَقَرُوا دَوَابَّهُمْ ، وَجَازَوْا إِلَى الْبَصْرَةِ ، ثُمَّ سَارُوا مِنْ هُنَالِكَ ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ مِنْ دُخُولِهِمْ بِلَادَ رُتْبِيلَ مَا كَانَ ، ثُمَّ شَرَعَ الْحَجَّاجُ فِي تَتَبُّعِ أَصْحَابِ ابْنِ الْأَشْعَثِ ، فَقَتَلَهُمْ مَثْنَى وَفُرَادَى ، حَتَّى قِيلَ : إِنَّهُ قَتَلَ مِنْهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَبْرًا مِائَةَ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا . قَالَهُ النَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ . مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ ، وَجَمَاعَاتٌ مِنَ السَّادَاتِ ، حَتَّى كَانَ آخِرُهُمْ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُمْ ، كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية