الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الْأَعْرَافِ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ الْآيَةَ . قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ : حَرَجٌ أَيْ شَكٌّ ، أَيْ لَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ شَكٌّ فِي كَوْنِ هَذَا الْقُرْآنِ حَقًّا ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْآيَةُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ 2 \ 147 ] وَقَوْلِهِ : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ 3 \ 60 ] ، وَقَوْلِهِ : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ 10 \ 49 ] . وَالْمُمْتَرِي : هُوَ الشَّاكُّ ; لِأَنَّهُ مُفْتَعِلٌ مِنَ الْمِرْيَةِ وَهِيَ الشَّكُّ ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَالْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْمُرَادُ نَهْيُ غَيْرِهِ عَنِ الشَّكِّ فِي الْقُرْآنِ ، كَقَوْلِ الرَّاجِزِ : [ الرَّجَزُ ] إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةُ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا [ 76 \ 24 ] ، وَقَوْلِهِ : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ 39 \ 65 ] ، وَقَوْلِهِ : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ الْآيَةَ [ 2 \ 120 و 145 ] وَ [ 13 \ 137 ] . وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُخَاطِبُهُ لِيُوَجِّهَ الْخِطَابَ إِلَى غَيْرِهِ فِي ضِمْنِ خِطَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ : عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَرَجِ فِي الْآيَةِ الضِّيقُ . أَيْ لَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ ضِيقٌ عَنْ تَبْلِيغِ مَا أُمِرْتَ بِهِ لِشِدَّةِ تَكْذِيبِهِمْ لَكَ ، لِأَنَّ تَحَمُّلَ عَدَاوَةِ الْكُفَّارِ ، وَالتَّعَرُّضَ لِبَطْشِهِمْ مِمَّا يَضِيقُ بِهِ الصَّدْرُ ، وَكَذَلِكَ تَكْذِيبُهُمْ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ وُضُوحِ صِدْقِهِ بِالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ مِمَّا يَضِيقُ بِهِ الصَّدْرُ . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً " ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَالثَّلْغُ : الشَّدْخُ ، وَقِيلَ ضَرْبُ الرَّطْبِ بِالْيَابِسِ حَتَّى يَنْشَدِخَ ، وَهَذَا الْبَطْشُ مِمَّا يَضِيقُ بِهِ الصَّدْرُ . وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ الْأَخِيرِ فِي الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [ 11 \ 12 ] ، وَقَوْلُهُ : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ [ 15 \ 97 ] ، وَقَوْلُهُ : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا [ 181 \ 6 ] وَقَوْلُهُ : لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ 26 \ 3 ] . وَيُؤَيِّدُ الْوَجْهَ الْأَخِيرَ فِي الْآيَةِ أَنَّ الْحَرَجَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ : الضِّيقُ . وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِهِمْ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ [ 24 \ 61 ] ، وَقَوْلُهُ : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ 22 \ 78 ] ، وَقَوْلُهُ : يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا [ 6 \ 125 ] ، أَيْ : شَدِيدَ الضِّيقِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ ، أَوْ جَمِيلٍ : [ الْكَامِلُ ] فَخَرَجْتُ خَوْفَ يَمِينِهَا فَتَبَسَّمَتْ فَعَلِمْتُ أَنَّ يَمِينَهَا لَمْ تُحْرَجِ وَقَوْلُ الْعَرْجِيِّ [ السَّرِيعُ ] : عُوجِي عَلَيْنَا رَبَّةَ الْهَوْدَجِ إِنَّكِ إِلَّا تَفْعَلِي تَحْرُجِي وَالْمُرَادُ بِالْإِحْرَاجِ فِي الْبَيْتَيْنِ : الْإِدْخَالُ فِي الْحَرَجِ . بِمَعْنَى الضِّيقِ كَمَا ذَكَرْنَا .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية