الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
النَّوْعُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ فِي الْإِيجَازِ وَالْإِطْنَابِ . اعْلَمْ أَنَّهُمَا مِنْ أَعْظَمَ أَنْوَاعِ الْبَلَاغَةِ ، حَتَّى نَقَلَ صَاحِبُ سِرِّ الْفَصَاحَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ : اللُّغَةُ هِيَ الْإِيجَازُ وَالْإِطْنَابُ . قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ : كَمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْبَلِيغِ فِي مَظَانِّ الْإِجْمَالِ أَنْ يُجْمِلَ وَيُوجِزَ ، فَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِي مَوَارِدِ التَّفْصِيلِ أَنْ يُفَصِّلَ وَيُشْبِعَ ، أَنْشَدَ الْجَاحِظُ : 206 يَرْمُونَ بِالْخُطَبِ الطِّوَالِ وَتَارَةً وَحْيَ الْمُلَاحِظِ خِيفَةَ الرُّقَبَاءِ وَاخْتُلِفَ : هَلْ بَيْنَ الْإِيجَازِ وَالْإِطْنَابِ وَاسِطَةٌ ، وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ أَوْ لَا وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي قِسْمِ الْإِيجَازِ ؟ فَالسَّكَّاكِيُّ وَجَمَاعَةٌ عَلَى الْأَوَّلِ ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوا الْمُسَاوَاةَ غَيْرَ مَحْمُودَةٍ وَلَا مَذْمُومَةٍ ؛ لِأَنَّهُمْ فَسَّرُوهَا بِالْمُتَعَارَفِ مِنْ كَلَامِ أَوْسَاطِ النَّاسِ الَّذِينَ لَيْسُوا فِي رُتْبَةِ الْبَلَاغَةِ ، وَفَسَّرُوا الْإِيجَازَ بِأَدَاءِ الْمَقْصُودِ بِأَقَلِّ مِنْ عِبَارَةِ الْمُتَعَارَفِ ، وَالْإِطْنَابُ أَدَاؤُهُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا ؛ لِكَوْنِ الْمَقَامِ خَلِيقًا بِالْبَسْطِ . وَابْنُ الْأَثِيرِ وَجَمَاعَةٌ عَلَى الثَّانِي ، فَقَالُوا : الْإِيجَازُ التَّعْبِيرُ عَنِ الْمُرَادِ بِلَفْظٍ غَيْرِ زَائِدٍ ، وَالْإِطْنَابُ بِلَفْظٍ أَزْيَدَ . وَقَالَ الْقَزْوِينِيُّ : الْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ الْمَنْقُولَ مِنْ طُرُقِ التَّعْبِيرِ عَنِ الْمُرَادِ تَأْدِيَةُ أَصْلِهِ ، إِمَّا بِلَفْظٍ مُسَاوٍ لِلْأَصْلِ الْمُرَادِ ، أَوْ نَاقِصٍ عَنْهُ وَافٍ ، أَوْ زَائِدٍ عَلَيْهِ لِفَائِدَةٍ . وَالْأَوَّلُ الْمُسَاوَاةُ ، وَالثَّانِي الْإِيجَازُ ، وَالثَّالِثُ الْإِطْنَابُ . وَاحْتَرَزَ بِوَافٍ عَنِ الْإِخْلَالِ ، وَبِقَوْلِنَا لِفَائِدَةٍ عَنِ الْحَشْوِ وَالتَّطْوِيلِ ، فَعِنْدَهُ ثُبُوتُ الْمُسَاوَاةِ وَاسِطَةٌ ، وَأَنَّهَا مِنْ قِسْمِ الْمَقْبُولِ . فَإِنْ قُلْتَ : عَدَمُ ذِكْرِكَ الْمُسَاوَاةَ فِي التَّرْجَمَةِ لِمَاذَا ؟ هَلْ هُوَ لِرُجْحَانِ نَفْيِهَا أَوْ عَدَمِ قَبُولِهَا أَوْ لِأَمْرٍ غَيْرِ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ : لَهُمَا وَلِأَمْرٍ ثَالِثٍ ؛ وَهُوَ أَنَّ الْمُسَاوَاةَ لَا تَكَادُ تُوجَدُ خُصُوصًا فِي الْقُرْآنِ ، وَقَدْ مَثَّلَ لَهَا فِي التَّلْخِيصِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [ فَاطِرٍ : 43 ] ، وَفِي الْإِيضَاحِ بِقَوْلِهِ : وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ [ الْأَنْعَامِ : 68 ] ، وَتُعُقِّبَ : بِأَنَّ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ حَذْفَ مَوْصُوفِ ( الَّذِينَ ) ، وَفِي الْأَوْلَى إِطْنَابٌ بِلَفْظِ السَّيِّئِ ؛ لِأَنَّ الْمَكْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا سَيِّئًا ، وَإِيجَازٌ بِالْحَذْفِ إِنْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ غَيْرَ مُفَرَّغٍ ؛ أَيْ : بِأَحَدٍ ، وَبِالْقَصْرِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ ، وَبِكَوْنِهَا حَاثَّةً عَلَى كَفِّ الْأَذَى عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ ، مُحَذِّرَةً عَنْ جَمِيعِ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ ، وَبِأَنَّ تَقْدِيرَهَا يَضُرُّ بِصَاحِبِهِ مَضَرَّةً بَلِيغَةً ، فَأَخْرَجَ الْكَلَامَ مَخْرَجَ الِاسْتِعَارَةِ التَّبَعِيَّةِ الْوَاقِعَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ ؛ لِأَنَّ ( يَحِيقُ ) بِمَعْنَى ( يُحِيطُ ) ، فَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الْأَجْسَامِ . تَنْبِيهٌ . الْإِيجَازُ وَالِاخْتِصَارُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَمَا يُؤْخَذُ مِنَ " الْمِفْتَاحِ " ، وَصَرَّحَ بِهِ الطِّيبِيُّ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الِاخْتِصَارُ خَاصٌّ بِحَذْفِ الْجُمَلِ فَقَطْ بِخِلَافِ الْإِيجَازِ . قَالَ الشَّيْخُ بَهَاءُ الدِّينِ : وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . وَالْإِطْنَابُ قِيلَ : بِمَعْنَى الْإِسْهَابِ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ أَخَصُّ مِنْهُ ، فَإِنَّ الْإِسْهَابَ التَّطْوِيلُ لِفَائِدَةٍ أَوْ لَا لِفَائِدَةٍ ، ذَكَرَهُ التَّنُوخِيُّ وَغَيْرُهُ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية