الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 1557 - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أُمَيَّةَ : أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ، وَعَنْ قَوْلِهِ : مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ " ، فَقَالَتْ : مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ : " هَذِهِ مُعَاتَبَةُ اللَّهِ الْعَبْدَ بِمَا يُصِيبُهُ مِنَ الْحُمَّى وَالنَّكْبَةِ ، حَتَّى الْبِضَاعَةِ يَضَعُهَا فِي يَدِ قَمِيصِهِ ، فَيَفْقِدُهَا ، فَيَفْزَعُ لَهَا ، حَتَّى إِنَّ الْعَبْدَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ ، كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الْأَحْمَرُ مِنَ الْكِيرِ " . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ . مرقاة المفاتيح 1557 - ( وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أُمَيَّةَ ) : بِالتَّصْغِيرِ قَالَ السَّيِّدُ : اسْمُ امْرَأَةِ وَالِدِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، وَلَيْسَ بِأُمِّهِ ، قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ ، فَمَا وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أُمِّهِ خَطَأٌ إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمُسَامَحَةِ أَوِ الْمَجَازِ . ( أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : إِنْ تُبْدُوا : كَذَا بِلَا وَاوٍ قَبْلَ إِنْ أَيْ : إِنْ تُظْهِرُوا : مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ) أَيْ : فِي قُلُوبِكُمْ مِنَ السُّوءِ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ . ( أَوْ تُخْفُوهُ ) أَيْ : تُضْمِرُوهُ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَيْهِ إِذْ لَا عِبْرَةَ بِخُطُورِ الْخَوَاطِرِ . ( يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ) أَيْ : يِجَازِيكُمْ بِسِرِّكُمْ وَعَلَنِكُمْ ، أَوْ يُخْبِرُكُمْ بِمَا أَسْرَرْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ . ( وَعَنْ قَوْلِهِ ) أَيْ : تَعَالَى : ( مَنْ يَعْمَلُ ) أَيْ : ظَاهِرًا وَبَاطِنًا . ( سُوءً ) أَيْ : صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا . ( يُجْزَ بِهِ ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا أَوِ الْعُقْبَى إِلَّا مَا شَاءَ مَنْ شَاءَ . ( فَقَالَتْ ) أَيْ : عَائِشَةُ . ( مَا سَأَلَنِي عَنْهَا ) أَيْ : عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . ( أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ : عَنْهَا . ( فَقَالَ : " هَذِهِ ) إِشَارَةٌ إِلَى مَفْهُومِ الْآيَتَيْنِ الْمَسْئُولِ عَنْهُمَا أَيْ : مُحَاسَبَةِ الْعِبَادِ أَوْ مُجَازَاتِهِمْ بِمَا يُبْدُونَ وَمَا يَخَافُونَ مِنَ الْأَعْمَالِ . ( مُعَاتَبَةُ اللَّهِ الْعَبْدَ ) أَيْ : مُؤَاخَذَتُهُ الْعَبْدَ بِمَا اقْتَرَفَ مِنَ الذَّنْبِ . ( بِمَا يُصِيبُهُ ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا ، وَهُوَ صِلَةُ مُعَاتَبَةٍ ، وَيَصِحُّ كَوْنُ الْبَاءِ سَبَبِيَّةً . ( مِنَ الْحُمَّى ) : وَغَيْرُهَا مُؤَاخَذَةُ الْمُعَاتِبِ ، وَإِنَّمَا خُصَّتِ الْحُمَّى بِالذِّكْرِ ; لِأَنَّهَا مِنْ أَشَدِّ الْأَمْرَاضِ وَأَخْطَرِهَا . قَالَ فِي الْمَفَاتِيحِ : الْعِتَابُ أَنْ يُظْهِرَ أَحَدُ الْخَلِيلَيْنِ مِنْ نَفْسِهِ الْغَضَبَ عَلَى خَلِيلِهِ لِسُوءِ أَدَبٍ ظَهَرَ مِنْهُ ، مَعَ أَنَّ فِي قَلْبِهِ مَحَبَّتَهُ ، يَعْنِي : لَيْسَ مَعْنَى الْآيَةِ أَنْ يُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، بَلْ مَعْنَاهَا أَنَّهُ يُلْحِقُهُمْ بِالْجُوعِ ، وَالْعَطَشِ ، وَالْمَرَضِ ، وَالْحَزَنِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَكَارِهِ ، حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا صَارُوا مُطَهَّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ . قَالَ الطِّيبـِيُّ : كَأَنَّهَا فُهِمَتْ أَنَّ هَذِهِ مُؤَاخَذَةُ عِقَابٍ أُخْرَوِيٍّ ; فَأَجَابَهَا بِأَنَّهَا مُؤَاخَذَةُ عِتَابٍ فِي الدُّنْيَا عِنَايَةً وَرَحْمَةً اهـ . وَلِذَلِكَ لَمَّا شَقَّتِ الْآيَةُ الْأُولَى عَلَى الصَّحَابَةِ وَأَزْعَجَتْهُمْ نَزَلَ عَقِبَهَا : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا كَمَا أَنَّهُ لَمَّا شَقَّ عَلَيْهِمْ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَتَفْسِيرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَهَا بِأَنْ يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى ، وَيُطَاعَ فَلَا يُعْصَى ، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ ; نَزَلَ : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَوَقَعَ فِي الْمَصَابِيحِ : هَذِهِ مُعَاقَبَةُ اللَّهِ بِالْقَافِ . قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ : إِشَارَةٌ إِلَى مَفْهُومِ الْآيَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا . وَيُرْوَى : مُعَاتَبَةُ اللَّهِ مِنَ الْعِتَابِ أَيْ : يُؤَاخِذُ اللَّهُ مَعَهُ أَخْذَ الْعَاتِبِ . قَالَ شَارِحُ الرِّوَايَةِ : الْأُولَى فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ ، وَهِيَ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ فِي الْحَدِيثِ وَلَا مَعْنَى لَهَا . وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ : وَرُوِيَ : مُتَابَعَةُ اللَّهِ ، وَمَعْنَاهَا صَحِيحٌ خِلَافًا لِمَنْ نَازَعَ فِيهِ ، وَأَطَالَ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ تَصْحِيفٌ وتَحْرِيفٌ لِعَدَمِ اسْتِنَادِهِ إِلَى أَصْلٍ أَصْلًا ، ثُمَّ جَعَلَهُ بِمَعْنَى تَبِعَهُ أَيْ : طَالَبَهُ تَبِعَتَهُ غَايَةً مِنَ الْبُعْدِ ، وَأَعْرَبَ حَيْثُ قَالَ : وَمِنْ ذَلِكَ خَبَرٌ : اتَّبَعُوا الْقُرْآنَ ، أَيِ : اقْتَدَوْا بِهِ . ( وَالنَّكْبَةُ ) : بِفَتْحِ النُّونِ أَيِ : الْمِحْنَةُ ، وَمَا يُصِيبُ الْإِنْسَانَ مِنْ حَوَادِثِ الدَّهْرِ . ( حَتَّى الْبِضَاعَةِ ) : بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، وَهِيَ بِالْكَسْرِ طَائِفَةٌ مِنْ مَالِ الرِّجَالِ . ( يَضَعُهَا فِي يَدِ قَمِيصِهِ ) أَيْ : كُمِّهِ ، سُمِّيَ بِاسْمِ مَا يُحْمَلُ فِيهِ . ( فَيَفْقِدُهَا ) أَيْ : يَتَفَقَّدُهَا وَيَطْلُبُهَا ، فَلَمْ يَجِدْهَا لِسُقُوطِهَا ، أَوْ أَخْذِ سَارِقٍ لَهَا مِنْهُ . ( فَيَفْزَعُ لَهَا ) أَيْ : يَحْزَنُ لِضَيَاعِ الْبِضَاعَةِ فَيَكُونُ كَفَّارَةً كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ . وَقَالَ الطِّيبـِيُّ : يَعْنِي إِذَا وَضَعَ بِضَاعَةً فِي كُمِّهِ ، وَوَهِمَ أَنَّهَا غَابَتْ فَطَلَبَهَا وَفَزِعَ كَفَّرَتْ عَنْهُ ذُنُوبَهُ ، وَفِيهِ مِنَ الْمُبَالَغَةِ مَا لَا يَخْفَى . ( حَتَّى ) أَيْ : وَلَا يَزَالُ يُكَرِّرُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحْوَالَ ، حَتَّى " ( إِنَّ الْعَبْدَ ) : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ ، وَأَظْهَرَ الْعَبْدَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ إِظْهَارًا لِكَمَالِ الْعُبُودِيَّةِ الْمُقْتَضِي لِلصَّبْرِ وَالرِّضَا بِأَحْكَامِ الرُّبُوبِيَّةِ . ( كَمَا يَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ ) : بِسَبَبِ الِابْتِلَاءِ بِالْبَلَاءِ . ( كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ ) بِالْكَسْرِ أَيِ : الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَا دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ ، فَإِذَا ضُرِبَا كَانَا عَيْنًا . ( الْأَحْمَرُ ) أَيِ : الذَّهَبُ يُشْوَى فِي النَّارِ تَشْوِيَةً بَالِغَةً . ( مِنَ الْكِيرِ ) : بِكَسْرِ الْكَافِ مُتَعَلِّقٌ بِيَخْرُجُ . ( رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية