الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                جزء صفحة
                                                                                                                ( كِتَابُ اللَّقِيطِ ) وَهُوَ مِنَ اللَّقْطِ فَقِيلَ : بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ، مِثْلُ جَرِيحٍ وَمَجْرُوحٍ ، وَقَتِيلٍ بِمَعْنَى مَقْتُولٍ . لَا بِمَعْنَى رَحِيمٍ بِمَعْنَى رَاحِمٍ ، وَعَلِيمٍ بِمَعْنَى عَالَمٍ ، وَشَأْنُ فَعِيلٍ أَبَدًا أَنْ يَرِدَ بَيْنَ فَاعِلٍ وَمَفْعُولٍ ، وَإِنَّمَا يُعَيِّنُ أَحَدُهُمَا خُصُوصَ الْمَادَّةِ الَّتِي فِيهَا السِّيَاقُ . وَاللَّقِيطُ وَالْمَلْقُوطُ وَالْمَنْبُوذُ اسْمٌ لِلطِّفْلِ الَّذِي يُوجَدُ مَطْرُوحًا ، وَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا يَئُولُ فِيهِ مَجَازًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَسَيِّدًا وَحَصُورًا ) وَ ( إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ) وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ ، وَفِيهِ بَابَانِ : ( الْبَابُ الْأَوَّلُ ) ( فِي الِالْتِقَاطِ وَحُكْمِهِ ) وَأَصْلُهُ : قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَايَ هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ) وَيُرْوَى أَنَّ عُنَيَنًا - بِضَمِّ الْعَيْنِ بِلَا نَقْطٍ وَفَتْحِ النُّونِ وَالْيَاءِ وَالنُّونِ - قَالَ : أَخَذْتُ مَنْبُوذًا عَلَى عَهْدِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَذَكَرَهُ عَرِيفِي لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَرْسَلَ إِلَيَّ فَدَعَانِي - وَالْعَرِيفُ عِنْدَهُ - فَلَمَّا رَآنِي قَالَ : عَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا . الْغُوَيْرُ تَصْغِيرُ غَارٍ ، وَأَبْؤُسًا - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ فِي الْوَاوِ - وَالْأَبْؤُسُ جَمْعُ الْبَأْسِ ، قَالَ عَرِيفِي : أَنَّهُ لَا يَهْتَمُّ ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ ؟ قُلْتُ : وَجَدْتُ نَفْسًا بِمَضْيَعَةٍ فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَأْجُرَنِيَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ . فَقَالَ : هُوَ حُرٌّ ، وَوَلَاؤُهُ لَكَ . وَعَلَيْنَا إِرْضَاعُهُ . فَائِدَةٌ : أَصْلُ هَذَا الْمَثَلِ : غَارٌ فِيهِ نَاسٌ فَانْهَارَ عَلَيْهِمْ ، وَقِيلَ : جَاءَهُمْ فِيهِ عَدُوٌّ فَقَتَلَهُمْ فَصَارَ مَثَلًا لِكُلِّ شَيْءٍ يُخَافُ أَنْ يَأْتِيَ مِنْهُ شَيْنٌ ، وَقِيلَ : الْغُوَيْرُ مَاءٌ لِكَلْبٍ ، وَهَذَا الْمَثَلُ تَكَلَّمَتْ بِهِ الزَّبَّاءُ - بِالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ بِوَاحِدَةٍ مِنْ تَحْتِهَا . مَقْصُورٌ - فِي قِصَّتِهَا مَعَ قَصِيرِ اللَّخْمِيِّ حِينَ أَخَذَ فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ فَأَتَى عَلَى الْغُوَيْرِ . وَمَقْصُودُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِهَذَا الْمَثَلِ أَنْ يَقُولَ لِلرَّجُلِ : لَعَلَّكَ صَاحِبُ هَذَا الْمَنْبُوذِ . حَتَّى أَثْنَى عَلَيْهِ عَرِيفُهُ جَيِّدًا ، وَنَصَبَ أَبْؤُسًا عَلَى أَصْلِ خَبَرِ عَسَى ، فَإِنَّ أَصْلَ خَبَرِهَا أَنْ يَكُونَ مِثْلَ خَبَرِ كَانَ ، فَلَمَّا جَعَلُوهُ فِعْلًا بِمَعْنَى الِاسْمِ رَاجَعُوا الْأَصْلَ فِي قَوْلِهِمْ : كَذَبَ أُبَيًّا ، وَعَسَى الْغُوَيْرُ أَبْؤُسًا ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : الْتِقَاطُ الْمَنْبُوذِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ ، وَقَالَ الْأَئِمَّةُ قِيَاسًا عَلَى إِنْقَاذِ الْغَرِيقِ وَالطَّعَامِ وَالْمُضْطَرِّ ، وَهُوَ مُنْدَرِجٌ فِي قَاعِدَةِ حِفْظِ النُّفُوسِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فِي سَائِرِ الْمِلَلِ وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ ، فَمَتَى خِفْتَ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ وَجَبَ عَلَيْكَ الْأَخْذُ ، وَإِنْ أَخَذْتَهُ بِنِيَّةِ تَرْبِيَتِهِ حَرُمَ عَلَيْكَ رَدُّهُ ، وَإِنْ أَخَذْتَهُ لِتَرْفَعَهُ لِلْإِمَامِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْكَ جَازَ رَدُّهُ لِمَوْضِعِ أَخْذِهِ ، قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ : وَمَعْنَى ذَلِكَ - عِنْدِي - أَنْ يُؤْمَنَ عَلَيْهِ إِهْلَاكٌ بِمُسَارَعَةِ النَّاسِ لِأَخْذِهِ بَعْدَ رَدِّهِ ، وَمَنْ أَخَذَ لَقِيطًا فَلْيُشْهِدْ عَلَيْهِ خَوْفَ الِاسْتِرْقَاقِ ، وَوَلَاءُ اللَّقِيطِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، لَا يَخْتَصُّ بِهَا اللَّقِيطُ إِلَّا بِتَخْصِيصِ الْإِمَامِ ، وَمَا فِي أَثَرِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - النَّاسُ عَلَى خِلَافِ عُمُومِهِ ، بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى وِلَايَةِ الْإِرْضَاعِ وَالتَّرْبِيَةِ دُونَ الْمِيرَاثِ وَالنِّكَاحِ ، أَوْ يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّصَرُّفِ فَالْإِمَامَةُ ، فَعَلَى هَذَا مَتَى خَصَّصَ الْإِمَامُ مُلْتَقَطًا بِذَلِكَ ثَبَتَ لَهُ ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ وَلَا لِلْمُكَاتَبِ الْتِقَاطٌ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الِاشْتِغَالِ عَنْ مَصَالِحِ السَّيِّدِ ، وَلِأَنَّ الْحَضَانَةَ تَبَرُّعٌ ، فَإِنْ فَعَلَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ذَلِكَ ، وَيُنْزَعُ اللَّقِيطُ مِنَ الذِّمِّيِّ لِئَلَّا يُنَصِّرَهُ ، قَالَ سَحْنُونٌ : فَإِنْ رَبَّتْ نَصْرَانِيَّةٌ صَبِيَّةً حَتَّى بَلَغَتْ عَلَى دِينِهَا إِنْ ثَبَتَتْ لُقَطَةٌ رُدَّتْ لِلْإِسْلَامِ وَهِيَ حُرَّةٌ ، وَوَافَقْنَا ( ش ) فِي الْعَبْدِ وَالْكَافِرِ ، وَنَصَّ عَلَى الْفَاسِقِ لَا يُقِرُّ اللَّقِيطُ بِيَدِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَرِقَهُ ، وَأُلْحِقَ بِالْفَاسِقِ الْغَرِيبُ الْمَجْهُولُ الْأَمَانَةِ ، وَلَهُمْ فِي الْفَقِيرِ وَجْهَانِ ، لَا يَلْتَقِطُ لِئَلَّا يَضُرَّ بِاللَّقِيطِ فَقْرُهُ ، وَيُلْتَقَطُ اعْتِمَادًا عَلَى لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَوَافَقَ ابْنُ حَنْبَلٍ فِي الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ وَالْعَبْدِ ، وَإِذَا ازْدَحَمَ اثْنَانِ كِلَاهُمَا أَهْلٌ قُدِّمَ السَّابِقُ ، وَإِلَّا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ ( ش ) : يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ فَيُقِرُّهُ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا وَفِي يَدِ غَيْرِهِمَا ، وَيُلْزِمُ الْمُلْتَقِطُ الْحَضَانَةَ ، وَلَا يُلْزِمُهُ النَّفَقَةَ إِنْ وَجَدَ مَا يُنْفِقُ عَلَى الصَّبِيِّ ، لِابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الْحَضَانَةِ سَلَّمَهُ لِلْقَاضِي ، وَإِنْ تَبَرَّمَ مَعَ الْقُدْرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَرْكُهُ إِنْ أَخَذَهُ لِيَحْضُنَهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَنَفَقَةُ اللَّقِيطِ فِي مَالِهِ ، وَهُوَ مَا وَقَفَ عَلَى اللَّقْطِ ، أَوْ رَتَّبَ لَهُمْ ، أَوْ أَوْصَى لَهُمْ بِهِ ، أَوْ وُجِدَ تَحْتَ يَدِ اللَّقِيطِ عِنْدَ الْتِقَاطِهِ مَلْفُوفًا عَلَيْهِ ، أَوْ فِي النُّسْخَةِ : مَوْضُوعًا عَلَيْهِ ، أَوْ تَحْتَهُ ، أَوْ فِرَاشٌ أَوْ ثَوْبٌ أَوْ دَابَّةٌ ، أَوْ مَعَهُ كِيسٌ ، أَوْ مَا هُوَ مَدْفُونٌ فِي الْأَرْضِ تَحْتَهُ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا أَنْ يُؤْخَذَ مَعَهُ رُقْعَةٌ فَإِنَّهُ لَهُ ، وَمَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ مَوْضُوعٌ ، أَوْ دَابَّةٌ مَشْدُودَةٌ فَهُوَ لُقَطَةٌ ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ ، فَمَا فِي يَدِهِ فَهُوَ لَهُ ، وَمَا خَرَجَ عَنْ يَدِهِ فَلَيْسَ مِلْكَهُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَالِغِ الْقَرِيبِ مِنْهُ فِي يَدِهِ وَمِلْكِهِ وَبَيْنَهُ : أَنَّ الْبَالِغَ يَدَّعِي مَتَاعَهُ بِالْقُرْبِ بِخِلَافِ الطِّفْلِ ، وَوَافَقْنَا الْأَئِمَّةَ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِيمَا يُنْسَبُ لِلطِّفْلِ ، فَإِنْ عُدِمَتْ هَذِهِ الْجِهَاتُ وَلَمْ يَتَبَرَّعْ أَحَدٌ بِالنَّفَقَةِ فَفِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَقَالَهُ الْأَئِمَّةُ ، لِأَنَّ أَخْذَ أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ بَيْتُ الْمَالِ فَرُوِيَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ : عَلَى الْمُلْتَقِطِ نَفَقَتُهُ حَتَّى يَبْلُغَ وَيَسْتَغْنِيَ ، وَلَيْسَ لَهُ طَرْحُهُ ، لِأَنَّهُ بِالِالْتِقَاطِ لَزِمَهُ أَمْرُهُ كُلُّهُ ، ثُمَّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَأَنْفَقَ أَحَدٌ عَلَيْهِ فَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ إِشْغَالَ ذِمَّتِهِ بِالدَّيْنِ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ ، إِلَّا أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ ابْنُ زَيْدٍ فَيُتْبِعُ زَيْدًا لِأَنَّهُ قَامَ عَنْهُ بِوَاجِبٍ إِنْ كَانَ طَرْحُهُ مُتَعَمِّدًا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ حِسْبَةً فَلَا رُجُوعَ لَهُ بِحَالٍ ، وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا رُجُوعَ عَلَى الْأَبِ بِحَالٍ ، لِأَنَّ الْمُنْفِقَ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْأَبِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ ، وَقَالَ سَحْنُونٌ : إِنْ أَنْفَقَ لِيَتْبَعَهُ فَطَرَأَ لَهُ أَبٌ تَعَمَّدَ طَرْحَهُ اتَّبَعَهُ ، أَوْ حِسْبَةً لَمْ يَرْجِعْ وَلَوْ ضِدَّ صَبِيٍّ فَأَنْفَقْتَ عَلَيْهِ لَمْ تَتْبَعْ أَبَاهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاحْتِسَابِ ، وَحَيْثُ أُشْكِلَ الْأَمْرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْفِقِ مَعَ يَمِينِهِ فِي أَنَّهُ أَنْفَقَ لِيُرْجِعَ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ : عَدَمُ التَّبَرُّعِ وَعِصْمَةُ الْأَمْوَالِ عَنِ الضَّيَاعِ ، وَعِنْدَ ( ش ) : مَتَى أَخَذَهُ اللَّقِيطُ وَغَلَبَ ظَنُّهُ أَنَّ ثَمَّ مَنْ يَحْفَظُهُ جَازَ لَهُ رَدُّهُ ، لَنَا : قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ) وَهَذَا عَمَلٌ ، وَلِظَاهِرِ قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَيْكَ إِرْضَاعُهُ . وَصِيغَةُ ( عَلَيْكَ ) لِلْوُجُوبِ وَاللُّزُومِ .

                                                                                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                الخدمات العلمية