الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                جزء صفحة
                مختصر الروضة الْقِسْمُ الثَّالِثُ : إِثْبَاتُهَا بِالِاسْتِنْبَاطِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ : أَحَدُهَا : إِثْبَاتُهَا بِالْمُنَاسَبَةِ ، وَهِيَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِالْحُكْمِ وَصَفٌ مُنَاسِبٌ ، وَهُوَ مَا تُتَوَقَّعُ الْمَصْلَحَةُ عَقِيبَهُ لِرَابِطٍ مَا عَقْلِيٍّ وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهُ مَنْشَأً لِلْحِكْمَةِ ، كَالسَّفَرِ مَعَ الْمَشَقَّةِ ، فَيُفِيدُ التَّعْلِيلُ بِهِ لِإِلْفِنَا مِنَ الشَّارِعِ رِعَايَةَ الْمَصَالِحِ ، وَبِالْجُمْلَةِ مَتَى أَفْضَى الْحُكْمُ إِلَى مَصْلَحَةٍ عَلَّلَ بِالْوَصْفِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهَا; ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ تَأْثِيرُ عَيْنِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ ، أَوْ جِنْسِهِ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ ، فَهُوَ الْمُؤَثِّرُ كَقِيَاسِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ فِي سُقُوطِ الصَّلَاةِ بِالْحَيْضِ لِمَشَقَّةِ التَّكْرَارِ ، وَلَا يَضُرُّ ظُهُورُ مُؤَثِّرٍ آخَرَ مَعَهُ فِي الْأَصْلِ ، فَيُعَلَّلُ بِالْكُلِّ كَالْحَيْضِ وَالرِّدَّةِ وَالْعِدَّةِ ، يُعَلَّلُ مَنْعُ وَطْءِ الْمَرْأَةِ بِهَا ، وَكَقِيَاسِ تَقْدِيمِ الْأَخِ لِلْأَبَوَيْنِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ عَلَى تَقْدِيمِهِ فِي الْإِرْثِ ، فَالْأُخُوَّةُ مُتَّحِدَةٌ نَوْعًا ، وَإِنْ ظَهَرَ تَأْثِيرُ جِنْسِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ كَتَأْثِيرِ الْمَشَقَّةِ فِي إِسْقَاطِ الصَّلَاةِ عَنِ الْحَائِضِ ، كَالْمُسَافِرِ ، فَهُوَ الْمُلَائِمُ ، إِذْ جِنْسُ الْمَشَقَّةِ أَثَّرَ فِي عَيْنِ السُّقُوطِ; وَإِنْ ظَهَرَ تَأْثِيرُ جِنْسِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ كَتَأْثِيرِ جِنْسِ الْمَصَالِحِ فِي جِنْسِ الْأَحْكَامِ ، فَهُوَ الْغَرِيبُ . وَقِيلَ : هَذَا هُوَ الْمُلَائِمُ; وَمَا سِوَاهُ مُؤَثِّرٌ . أَمَّا الْأَلْفَاظُ الْمَذْكُورَةُ ، فَهِيَ الْمُنَاسِبُ ، وَالْمَنْشَأُ ، وَالْحِكْمَةُ . أَمَّا الْمُنَاسِبُ ، فَقَدْ سَبَقَ الْكَشْفُ عَنْ حَقِيقَتِهِ . وَأَمَّا الْإِنْشَاءُ فَهُوَ مَحَلُّ النَّشْءِ وَهُوَ الظُّهُورُ ، يُقَالُ : نَشَأَ يَنْشَأُ نَشْأً وَنُشُوءًا : إِذَا بَدَا ، وَظَهَرَ ، وَنَشَأَ الشَّيْءُ : مَظْهَرُهُ وَمَبْدَؤُهُ ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَظْهَرُ وَيَبْدُو مِنْهُ . وَالْحِكْمَةُ غَايَةُ الْحِكَمِ الْمَطْلُوبَةِ بِشَرْعِهِ ، كَحِفْظِ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ بِشَرْعِ الْقَوْدِ وَالْقَطْعِ . إِذَا عُرِفَ هَذَا ، فَيَكُونُ هَذَا الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ مَنْشَأً لِلْحِكْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ مِنَ الْحُكْمِ غَيْرَ مُشْتَرَطٍ خِلَافًا لِقَوْمٍ ، بَلِ الْمُعْتَبَرُ ثُبُوتُ الْمَصْلَحَةِ عَقِيبَهُ ، وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَنْشَأً لَهَا أَوْ لَا ، فَإِنَّ قَوْلَنَا : هَذَا الْوَصْفُ مُنَاسِبٌ يَصْدُقُ بِاعْتِبَارَاتٍ ثَلَاثٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ مَنْشَأً لِلْحِكْمَةِ ، كَقَوْلِنَا : السَّفَرُ مَنْشَأُ الْمَشَقَّةِ الْمُبِيحَةِ لِلتَّرَخُّصِ ، وَالْقَتْلُ مَنْشَأُ الْمَفْسَدَةِ; وَهِيَ تَفْوِيتُ النَّفْسِ ، وَالزِّنَى مَنْشَأُ الْمَفْسَدَةِ; وَهِيَ تَضْيِيعُ الْأَنْسَابِ وَإِلْحَاقُ الْعَارِ ، فَهَذِهِ الْأَوْصَافُ يَنْشَأُ عَنْهَا الْحِكْمَةُ الَّتِي ثَبَتَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ لِأَجْلِهَا ، وَأَصْلَحُ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ : إِيجَابُ الْقِصَاصِ مَنْشَأُ حِكْمَةِ الرَّدْعِ عَنِ الْقَتْلِ ، وَإِيجَابُ الْحَدِّ مَنْشَأُ حِكْمَةِ الرَّدْعِ عَنِ الزِّنَى وَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ وَنَحْوِهَا ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَحْصِيلَ مَصْلَحَةٍ وَدَرْءَ مَفْسَدَةٍ ، وَهِيَ الْحِكْمَةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْ إِثْبَاتِ الْحُكْمِ . الِاعْتِبَارُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ مُعَرِّفًا لِلْحِكْمَةِ وَدَلِيلًا عَلَيْهَا ، كَقَوْلِنَا : النِّكَاحُ أَوِ الْبَيْعُ الصَّادِرُ مِنَ الْأَهْلِ فِي الْمَحَلِّ يُنَاسِبُ الصِّحَّةَ ، أَيْ : يَدُلُّ عَلَى الْحَاجَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ جَعْلَ الْبَيْعِ سَبَبًا لِلصِّحَّةِ . قُلْتُ : التَّحْقِيقُ فِي هَذَا أَنَّ الْحِكْمَةَ هِيَ الِانْتِفَاعُ بِالْمَبِيعِ مَثَلًا ، وَالْحَاجَةُ اقْتَضَتْ جَعْلَ الْبَيْعِ سَبَبًا لِتَحْصِيلِ الِانْتِفَاعِ بِوَاسِطَةِ الصِّحَّةِ ، فَالْحَاجَةُ مُنَاسِبَةٌ لِتَحْصِيلِ الِانْتِفَاعِ بِوَاسِطَةِ الْبَيْعِ . الِاعْتِبَارُ الثَّالِثُ : أَنْ يَظْهَرَ عِنْدَ الْوَصْفِ ، وَلَمْ يَنْشَأْ عَنْهُ ، وَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ ، كَشُكْرِ النِّعْمَةِ الْمُنَاسِبِ لِلزِّيَادَةِ مِنْهَا ، فَالشُّكْرُ هُوَ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ ، وَزِيَادَةُ النِّعْمَةِ هِيَ الْحِكْمَةُ ، وَوُجُوبُ الشُّكْرِ هُوَ الْحُكْمُ ، لَكِنْ فِي كَوْنِ الشُّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ النِّعْمَةِ نَظَرٌ . وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ تَقْرِيبِيَّةٌ إِنْ لَمْ تَكُنْ تَحْقِيقِيَّةً . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُنَا : الْغِنَى مُنَاسِبٌ لِإِيجَابِ الزَّكَاةِ مُوَاسَاةً لِلْفُقَرَاءِ ، وَدَفْعًا لِضَرَرِ الْفَقْرِ عَنْهُمْ ، فَالْغِنَى هُوَ الْوَصْفُ ، وَإِيجَابُ الزَّكَاةِ هُوَ الْحُكْمُ ، وَمُوَاسَاةُ الْفُقَرَاءِ هِيَ الْحِكْمَةُ ، وَكُلُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ تَعْلِيلِيٍّ ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ مُنَاسِبٍ يَقْتَضِيهِ ، وَمِنْ حِكْمَةٍ هِيَ الْغَايَةُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْهُ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ . وَاعْتَبِرْ هَذَا بِالِاسْتِقْرَاءِ وَالِاسْتِئْنَاسِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَمْثِلَةِ تَجِدُهُ صَحِيحًا وَإِنَّمَا قَيِّدْنَا الْحُكْمَ بِأَنَّهُ تَعْلِيلِيٌّ ، لِأَنَّ الْحُكْمَ التَّعَبُّدِيَّ وَإِنِ اقْتَضَاهُ سَبَبٌ ، وَتَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ حِكْمَةٌ ، لَكِنَّ سَبَبَهُ تَارَةً يُنَاسِبُ ، وَتَارَةً لَا يُنَاسِبُ كَأَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ لِنَقْضِ الْوُضُوءِ . قَوْلُهُ : " فَيُفِيدُ التَّعْلِيلُ بِهِ " أَيْ : مَتَى كَانَ الْوَصْفُ مِمَّا يُتَوَقَّعُ عَقِيبَهُ مَصْلَحَةٌ لِرَابِطِ عَقْلِيٍّ ، فَهُوَ مُنَاسِبٌ ، فَيُفِيدُنَا تَعْلِيلُ الْحُكْمِ ، أَيْ : إِنَّ الْحُكْمَ مُعَلَّلٌ بِهِ ، " لِإِلْفِنَا مِنَ الشَّارِعِ رِعَايَةَ " مَصَالِحِ الْعِبَادِ تَفَضُّلًا لَا وُجُوبًا ، فَمَتَى رَأَيْنَا حُكْمًا ثَبَتَ عَقِيبَ وَصْفٍ مُنَاسِبٍ ، وَذَلِكَ الْحُكْمُ مُتَضَمِّنٌ مَصْلَحَةً; غَلَبَ عَلَى ظَنِّنَا أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ ثَبَتَ لِتَحْصِيلِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي أَفْضَى إِلَيْهَا ذَلِكَ الْوَصْفُ . " وَبِالْجُمْلَةِ مَتَى أَفْضَى الْحُكْمُ إِلَى مَصْلَحَةٍ عُلِّلَ بِالْوَصْفِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهَا " كَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ الْمُفْضِي إِلَى صِيَانَةِ الدِّينِ ، يُعَلَّلُ بِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ تَبْدِيلُ الدِّينِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي دَرْؤُهَا مِنْ أَكْبَرِ الْمَصَالِحِ . قَالَ الْآمِدِيُّ : الْحِكْمَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ نَاشِئَةً عَنْ ضَابِطِهَا ، أَوْ لَا ، فَالْأَوَّلُ كَمَشَقَّةِ السَّفَرِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي جَوَازِ التَّرَخُّصِ . وَالثَّانِي وَهُوَ الَّذِي لَا تَكُونُ الْحِكْمَةُ فِيهِ نَاشِئَةً عَنْ ضَابِطِهَا; إِمَّا أَنْ يَكُونَ الضَّابِطُ دَالًّا عَلَى الْحَاجَةِ إِلَيْهَا ، أَوْ لَا . فَالْأَوَّلُ : كَالِانْتِفَاعِ الْمُعْتَبَرِ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّصَرُّفِ مِنَ الْأَهْلِ . وَالثَّانِي : كَزِيَادَةِ النِّعْمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي إِيجَابِ الزَّكَاةِ بِالنَّظَرِ إِلَى مِلْكِ النِّصَّابِ . قُلْتُ : هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ بِأَبْسَطَ مِنْهُ ، وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ غُمُوضٌ عَلَى بَعْضِ النَّاظِرِينَ ، وَقَدْ سَبَقَ مَعْنَاهُ مُمَثَّلًا ، وَضَابِطُ الْحِكْمَةِ هُوَ الْوَصْفُ الَّذِي رَتَّبَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ الْحُكْمَ ، وَرَبَطَهُ بِهِ لِتَحْصِيلِهَا . ثُمَّ الْحِكْمَةُ قَدْ يُمْكِنُ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِهَا لِانْضِبَاطِهَا فِي نَفْسِهَا ، فَيُعْتَبَرُ حُصُولُهَا حَقِيقَةً ، كَصِيَانَةِ النُّفُوسِ الْحَاصِلِ مِنْ إِيجَابِ الْقِصَاصِ ، وَقَدْ لَا يُمْكِنُ فَيُعْتَبَرُ بِمَظِنَّتِهَا ، كَرَبْطِ جَوَازِ التَّرَخُّصِ بِالسَّفَرِ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ الْمَشَقَّةِ الْمُبِيحَةِ لِلتَّرَخُّصِ . وَهَذَا الْمِثَالُ إِنْ كَانَ مُطَابِقًا لِلْمُرَادِ ، فَذَاكَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُطَابِقًا ، فَالْقَاعِدَةُ الْمَذْكُورَةُ مُحَصِّلَةٌ لَهُ عِنْدَ الْفَطِنِ .

                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                الخدمات العلمية