الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              جزء صفحة
              الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ فَالْمَشَقَّاتُ الَّتِي هِيَ مَظَانُّ التَّخْفِيفَاتِ فِي نَظَرِ النَّاظِرِ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تَكُونَ حَقِيقِيَّةً ، وَهُوَ مُعْظَمُ مَا وَقَعَ فِيهِ التَّرَخُّصُ كَوُجُودِ الْمَشَقَّةِ الْمَرَضِيَّةِ وَالسَّفَرِيَّةِ ، وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ سَبَبٌ مُعَيَّنٌ وَاقِعٌ . وَالثَّانِي : أَنْ تَكُونَ تَوَهُّمِيَّةً مُجَرَّدَةً ، بِحَيْثُ لَمْ يُوجَدِ السَّبَبُ الْمُرَخَّصُ لِأَجْلِهِ ، وَلَا وُجِدَتْ حِكْمَتُهُ ، وَهِيَ الْمَشَقَّةُ ، وَإِنْ وُجِدَ مِنْهَا شَيْءٌ ، لَكِنْ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ مَجَارِي الْعَادَاتِ . فَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ ; فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَقَاؤُهُ عَلَى الْعَزِيمَةِ يُدْخِلُ عَلَيْهِ فَسَادًا لَا يُطِيقُهُ طَبْعًا أَوْ شَرْعًا ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مُحَقَّقًا لَا مَظْنُونًا وَلَا مُتَوَهَّمًا أَوْ لَا ; فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ ; فَرُجُوعُهُ إِلَى الرُّخْصَةِ مَطْلُوبٌ ، وَرَجَعَ إِلَى الْقِسْمِ الَّذِي لَمْ يَقَعِ الْكَلَامُ فِيهِ ; لِأَنَّ الرُّخْصَةَ هُنَا حَقٌّ لِلَّهِ ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي ـ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَظْنُونًا ـ ; فَالظُّنُونُ تَخْتَلِفُ ، وَالْأَصْلُ الْبَقَاءُ عَلَى أَصْلِ الْعَزِيمَةِ ، وَمَتَى قَوِيَ الظَّنُّ ضَعُفَ مُقْتَضَى الْعَزِيمَةِ ، وَمَتَى ضَعُفَ الظَّنُّ قَوِيَ ; كَالظَّانِّ أَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الصَّوْمِ مَعَ وُجُودِ الْمَرَضِ الَّذِي مِثْلُهُ يُفْطِرُ فِيهِ ، وَلَكِنْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الظَّنُّ مُسْتَنِدًا إِلَى سَبَبٍ مُعَيَّنٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّوْمِ مَثَلًا فَلَمْ يُطِقِ الْإِتْمَامَ أَوِ الصَّلَاةِ مَثَلًا فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ فَقَعَدَ فَهَذَا هُوَ الْأَوَّلُ ; إِذْ لَيْسَ عَلَيْهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا إِلَى سَبَبٍ مَأْخُوذٍ مِنَ الْكَثْرَةِ ، وَالسَّبَبُ مَوْجُودٌ عَيْنًا بِمَعْنَى أَنَّ الْمَرَضَ حَاضِرٌ ، وَمِثْلُهُ لَا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى الصِّيَامِ ، وَلَا عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا أَوْ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ عَادَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجَرِّبَ نَفْسَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَهَذَا قَدْ يَلْحَقُ بِمَا قَبْلَهُ ، وَلَا يَقْوَى قُوَّتَهُ ، أَمَّا لُحُوقُهُ بِهِ فَمِنْ جِهَةِ وُجُودِ السَّبَبِ ، وَأَمَّا مُفَارَقَتُهُ لَهُ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ عَدَمَ الْقُدْرَةِ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ التَّلَبُّسِ بِالْعِبَادَةِ ، وَهُوَ لَمْ يَتَلَبَّسْ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ فِي الْعَزِيمَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ قُدْرَتُهُ عَلَيْهَا وَعَدَمُ قُدْرَتِهِ ; فَيَكُونُ الْأَوْلَى هُنَا الْأَخْذَ بِالْعَزِيمَةِ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ بَعْدَ مَا يُبْتَنَى عَلَيْهِ . وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي ، وَهُوَ أَنْ تَكُونَ تَوَهُّمِيَّةً ، بِحَيْثُ لَمْ يُوجَدِ السَّبَبُ وَلَا الْحِكْمَةُ ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لِلسَّبَبِ عَادَةٌ مُطَّرِدَةٌ فِي أَنَّهُ يُوجَدُ بَعْدُ أَوْ لَا ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ ; فَلَا يَخْلُو أَنْ يُوجَدَ أَوْ لَا ; فَإِنْ وُجِدَ فَوَقَعَتِ الرُّخْصَةُ مَوْقِعَهَا فَفِيهِ خِلَافٌ ، أَعْنِي فِي إِجْزَاءِ الْعَمَلِ بِالرُّخْصَةِ لَا فِي جَوَازِ الْإِقْدَامِ ابْتِدَاءً ; إِذْ لَا يَصِحُّ أَنْ يُبْنَى حُكْمٌ عَلَى سَبَبٍ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ ، بَلْ لَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ عَلَى سَبَبٍ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُهُ ، وَإِنْ وُجِدَ السَّبَبُ ، وَهُوَ الْمُقْتَضِي لِلْحُكْمِ ; فَكَيْفَ إِذَا لَمْ يُوجَدْ نَفْسُ السَّبَبِ ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي نَحْوِ الظَّانِّ أَنَّهُ تَأْتِيهِ الْحُمَّى غَدًا بِنَاءً عَلَى عَادَتِهِ فِي أَدْوَارِهَا فَيُفْطِرُ قَبْلَ مَجِيئِهَا ، وَكَذَلِكَ الطَّاهِرُ إِذَا بَنَتْ عَلَى الْفِطْرِ ظَنًّا أَنَّ حَيْضَتَهَا سَتَأْتِي ذَلِكَ الْيَوْمَ ، وَهَذَا كُلُّهُ أَمْرٌ ضَعِيفٌ جِدًّا ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الِاعْتِبَارِ فِي إِسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [ الْأَنْفَالِ : 68 ] . فَإِنَّ هَذَا إِسْقَاطٌ لِلْعُقُوبَةِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ الْغَنَائِمَ سَتُبَاحُ لَهُمْ ، وَهَذَا غَيْرُ مَا نَحْنُ فِيهِ ; لِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَتَرَتُّبُ الْعَذَابِ هُنَا لَيْسَ بِرَاجِعٍ إِلَى تَرَتُّبٍ شَرْعِيٍّ ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ إِلَهِيٌّ كَسَائِرِ الْعُقُوبَاتِ اللَّاحِقَةِ لِلْإِنْسَانِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [ الشُّورَى : 30 ] . وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلسَّبَبِ عَادَةٌ مُطَّرِدَةٌ فَلَا إِشْكَالَ هُنَا . وَالْحَاصِلُ مِنْ هَذَا التَّقْسِيمِ أَنَّ الظُّنُونَ وَالتَّقْدِيرَاتِ غَيْرَ الْمُحَقَّقَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى قِسْمِ التَّوَهُّمَاتِ ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ ، وَكَذَلِكَ أَهْوَاءُ النُّفُوسِ ; فَإِنَّهَا تُقَدِّرُ أَشْيَاءَ لَا حَقِيقَةَ لَهَا ، فَالصَّوَابُ الْوُقُوفُ مَعَ أَصْلِ الْعَزِيمَةِ إِلَّا فِي الْمَشَقَّةِ الْمُخِلَّةِ الْفَادِحَةِ ; فَإِنَّ الصَّبْرَ أَوْلَى مَا لَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى دَخْلٍ فِي عَقْلِ الْإِنْسَانِ أَوْ دِينِهِ ، وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى الصَّبْرِ ; لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِالصَّبْرِ إِلَّا مَنْ يُطِيقُهُ ، فَأَنْتَ تَرَى بِالِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ الْمَشَقَّةَ الْفَادِحَةَ لَا يَلْحَقُ بِهَا تَوَهُّمُهَا ، بَلْ حُكْمُهَا أَضْعَفُ ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّوَهُّمَ غَيْرُ صَادِقٍ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، فَإِذًا لَيْسَتِ الْمَشَقَّةُ بِحَقِيقِيَّةٍ ، وَالْمَشَقَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ الْعِلَّةُ الْمَوْضُوعَةُ لِلرُّخْصَةِ ، فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ كَانَ الْحُكْمُ غَيْرَ لَازِمٍ إِلَّا إِذَا قَامَتِ الْمَظِنَّةُ ـ وَهِيَ السَّبَبُ ـ مَقَامَ الْحِكْمَةِ ; فَحِينَئِذٍ يَكُونُ السَّبَبُ مُنْتَهِضًا عَلَى الْجَوَازِ لَا عَلَى اللُّزُومِ ; لِأَنَّ الْمَظِنَّةَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْحِكْمَةَ الَّتِي هِيَ الْعِلَّةُ عَلَى كَمَالِهَا ، فَالْأَحْرَى الْبَقَاءُ مَعَ الْأَصْلِ ، وَأَيْضًا ; فَالْمَشَقَّةُ التَّوَهُّمِيَّةُ رَاجِعَةٌ إِلَى الِاحْتِيَاطِ عَلَى الْمَشَقَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ ، وَالْحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ فِي الْوُقُوعِ عَلَى وِزَانٍ وَاحِدٍ ، فَلَمْ يَكُنْ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا مُتَمَكِّنًا . وَأَمَّا الرَّاجِعَةُ إِلَى أَهْوَاءِ النُّفُوسِ خُصُوصًا ; فَإِنَّهَا ضِدُّ الْأُولَى ; إِذْ قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ قَصْدَ الشَّارِعِ مِنْ وَضْعِ الشَّرَائِعِ إِخْرَاجُ النُّفُوسِ عَنْ أَهْوَائِهَا وَعَوَائِدِهَا ، فَلَا تُعْتَبَرُ فِي شَرْعِيَّةِ الرُّخْصَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كُلِّ مَنْ هَوِيَتْ نَفْسُهُ أَمْرًا ، أَلَا تَرَى كَيْفَ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنِ اعْتَذَرَ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِأَهْوَاءِ النُّفُوسِ لِيَتَرَخَّصَ ؟ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي الْآيَةَ [ التَّوْبَةِ : 49 ] ; لِأَنَّ الْجَدَّ بْنَ قَيْسٍ قَالَ : ائْذَنْ لِي فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْغَزْوِ ، وَلَا تَفْتِنِّي بِبَنَاتِ الْأَصْفَرِ ; فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى الصَّبْرِ عَنْهُنَّ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا الْآيَةَ [ التَّوْبَةِ : 81 ] ، ثُمَّ بَيَّنَ الْعُذْرَ الصَّحِيحَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ الْآيَاتِ [ التَّوْبَةِ : 91 ] ; فَبَيَّنَ أَهْلَ الْأَعْذَارِ هُنَا وَهُمُ الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَ الْجِهَادَ ، وَهُمُ الزَّمْنَى ، وَالصِّبْيَانُ ، وَالشُّيُوخُ ، وَالْمَجَانِينُ ، وَالْعُمْيَانُ ، وَنَحْوُهُمْ ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَجِدْ نَفَقَةً أَصْلًا ، وَلَا وَجَدَ مَنْ يَحْمِلُهُ ، وَقَالَ فِيهِ : إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَمِنْ جُمْلَةِ النَّصِيحَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ لَا يُبْقُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ بَقِيَّةً فِي طَاعَةِ اللَّهِ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا [ التَّوْبَةِ : 41 ] ، وَقَالَ : إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ الْآيَةَ [ التَّوْبَةِ : 39 ] ; فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ كَانَ عُذْرُهُ هَوَى نَفْسِهِ ؟ ! نَعَمْ ، وَضْعُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنْ تَكُونَ أَهْوَاءُ النُّفُوسِ تَابِعَةً لِمَقْصُودِ الشَّارِعِ فِيهَا ، وَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ فِي شَهَوَاتِهِمْ ، وَأَحْوَالِهِمْ ، وَتَنَعُّمَاتِهِمْ عَلَى وَجْهٍ لَا يُفْضِي إِلَى مَفْسَدَةٍ ، وَلَا يَحْصُلُ بِهَا الْمُكَلَّفُ عَلَى مَشَقَّةٍ ، وَلَا يَنْقَطِعُ بِهَا عَنْهُ التَّمَتُّعُ إِذَا أَخَذَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَحْدُودِ لَهُ ; فَلِذَلِكَ شَرَعَ لَهُ ابْتِدَاءً رُخْصَةَ السَّلَمِ ، وَالْقِرَاضِ ، وَالْمُسَاقَاةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ تَوْسِعَةٌ عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَانِعٌ فِي قَاعِدَةٍ أُخْرَى ، وَأَحَلَّ لَهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً ، فَمَتَى جَمَحَتْ نَفْسُهُ إِلَى هَوًى قَدْ جَعَلَ الشَّرْعُ لَهُ مِنْهُ مَخْرَجًا ، وَإِلَيْهِ سَبِيلًا ، فَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ بَابِهِ ; كَانَ هَذَا هَوًى شَيْطَانِيًّا وَاجِبًا عَلَيْهِ الِانْفِكَاكُ عَنْهُ ; كَالْمُولَعِ بِمَعْصِيَةٍ مِنَ الْمَعَاصِي فَلَا رُخْصَةَ لَهُ أَلْبَتَّةَ ; لِأَنَّ الرُّخْصَةَ هُنَا هِيَ عَيْنُ مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ بِخِلَافِ الرُّخَصِ الْمُتَقَدِّمَةِ ; فَإِنَّ لَهَا فِي الشَّرْعِ مُوَافِقَةً إِذَا وُزِنَتْ بِمِيزَانِهَا . فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَشَقَّةَ مُخَالَفَةِ الْهَوَى لَا رُخْصَةَ فِيهَا أَلْبَتَّةَ ، وَالْمَشَقَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ فِيهَا الرُّخْصَةُ بِشَرْطِهَا ، وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ شَرْطُهَا ، فَالْأَحْرَى بِمَنْ يُرِيدُ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ وَخَلَاصَ نَفْسِهِ الرُّجُوعُ إِلَى أَصْلِ الْعَزِيمَةِ ، إِلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَحْرَوِيَّةَ تَارَةً تَكُونُ مِنْ بَابِ النَّدْبِ ، وَتَارَةً تَكُونُ مِنْ بَابِ الْوُجُوبِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .

              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


              الخدمات العلمية