الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
سُورَةُ الْعَلَقِ مَكِّيَّةٌ، عَدَدُهَا تِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً كُوفِيٌّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ قَوْلُهُ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ يَعْنِي بِالْوَاحِدِ الَّذِي خَلَقَ يَعْنِي الْإِنْسَانَ، وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ خَمْسَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ وَهِيَ النُّطْفَةُ الَّتِي تَكُونُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ تَصِيرُ مَاءً وَدَمًا، فَذَلِكَ الْعَلَقُ، قَوْلُهُ: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، فَإِذَا أَبُو جَهْلٍ يُقَلِّدُ إِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ طَوْقًا مِنْ ذَهَبٍ، وَقَدْ طَيَّبَهُ بِالْمِسْكِ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا هُبَلُ لِكُلِّ شَيْءٍ سَكَنٌ، وَلَكَ خَيْرُ جَزَاءٍ، أَمَا وَعِزَّتِكَ لَأَسُرَّنَّكَ الْقَابِلَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ وُلِدَ لَهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ أَلْفٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَجَاءَهُ عِيرٌ مِنَ الشَّامِ فَرَبِحَ عَشْرَةَ آلَافِ مِثْقَالٍ مِنَ الذَّهَبِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ الشُّكْرَ لِهُبَلَ، وَهُوَ صَنَمٌ كَانَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ طُولُهُ ثَمَانِيَةَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَيَحَكَ، أَعْطَاكَ إِلَهُكَ وَشَكَرْتَ غَيْرَهُ، أَمَا وَاللَّهِ لِلَّهِ فِيكَ نِقْمَةٌ، فَانْظُرْ مَتَى تَكُونُ ؟ وَيَحَكَ، يَا عَمِّ، أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، فَإِنَّهُ رَبُّكَ وَرَبُّ آبَائِكَ الْأَوَّلِينَ، وَهُوَ خَلَقَكَ وَرَزَقَكَ، فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي أَصَبْتَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ "، قَالَ لَهُ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ عَنْ مَقَالَتِكَ هَذِهِ، فَإِنْ وَجَدْتُكَ هَاهُنَا، وَأَنْتَ تَعْبُدُ غَيْرَ آلِهَتِنَا لَأَسْفَعَنَّكَ عَلَى نَاصِيَتِكَ يَقُولُ: لَأُخْرِجَنَّكَ عَلَى وَجْهِكَ، أَلَيْسَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِهِ، قَالَ: وَأَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ ؟ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ بِالْأَرَاكِ ضُحًى، ثُمَّ بَيَّنَ، فَقَالَ: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ يَعْنِي مِنْ دَمٍ حَتَّى تَحَوَّلَتِ النُّطْفَةُ دَمًا، اقْرَأْ يَا مُحَمَّدُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقَالَ: وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ الْكِتَابَةَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مِنَ الْقُرْآنِ مَا لَمْ يَعْلَمْ . ثُمَّ قَالَ: كُلًّا لَا يَعْلَمُ إِنْ عَمِلْتَهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ، فَقَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى فِي نِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، يَعْنِي أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ ، وَكَانَ إِذَا أَصَابَ مَالًا أَشِرَ يَعْنِي بِطَرَفَيْ ثِيَابِهِ، وَفِي مَرَاكِبِهِ، وَفِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، فَذَلِكَ طُغْيَانُهُ، إِذَا رَأَى نَفْسَهُ اسْتَغْنَى، وَكَانَ مُوسِرًا طَغَى، فَخَوَّفَهُ اللَّهُ الرَّجْعَةَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى خَوَّفَهُ فِي الْقِيَامَةِ فِي التَّقْدِيمِ بَعْدَ أَنْ قَالَ: وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ، ثُمَّ هَدَّدَهُ فِيمَا بَعْدُ بِقَوْلِهِ: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّاصِيَةَ، فَقَالَ: نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ . ثُمَّ قَالَ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، فَقَالَ اللَّهُ، عَزَّ وَجَلَّ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ ، يَعْنِي مُحَمَّدًا عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى يَعْنِي بِالْإِخْلَاصِ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ أَبُو جَهْلٍ بِالْقُرْآنِ وَتَوَلَّى ، يَعْنِي وَأَعْرَضَ أَلَمْ يَعْلَمْ أَبُو جَهْلٍ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ، وَيَرَى جَمْعَ أَبِي جَهْلٍ. ثُمَّ قَالَ: كُلًّا لَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَرَى ذَلِكَ كُلَّهُ، ثُمَّ خَوَّفَهُ، فَقَالَ: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ عَنْ مُحَمَّدٍ، بِالتَّكْذِيبِ وَالتَّوَلِّي 32 لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ يَقُولُ: لَنَأْخُذَنَّ بِالنَّاصِيَةِ أَخْذًا شَدِيدًا، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ فَاجِرٌ، فَقَالَ: نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ يَقُولُ: إِنَّمَا يَجُرُّهُ الْمَلَكُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ مِنْ خَطِيئَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ يَعْنِي بِنِي مَخْزُومٍ، يَعْنِي نَاصِرَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ فَهُمْ أَشَدُّ غَضَبًا عَلَيْهِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لِأَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ وَرَأَيْتُكَ هَاهُنَا فَأَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ يُذِلَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنْزَلَ فِيهِ يُذِلُّهُ، فَقَالَ: لَئِنْ لَمَّ يَنْتَهِ عَنْكَ، وَعَنْ مَقَالَتِهِ الشِّرْكِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رَأَيْتُ أَبَا جَهْلٍ فِي طَمْطَامٍ مِنْ نَارٍ يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ عَلَى جِبَالٍ مِنْ جَمْرٍ فَيُطْرَحُ فِي أَوْدِيَتِهَا، فَيَقُولُ: بِأَبِي مُحَمَّدٌ وَأُمِّي لَقَدْ كَانَ نَاصِحًا لِي، وَأَرَادَ بِي خَيْرًا، وَلَكِنِّي كُنْتُ مُسِيئًا إِلَى نَفْسِي، وَأَرَدْتُ بِهِ شَرًّا، رَبِّ رُدَّنِي إِلَى قَوْمِي، فَأُؤْمِنُ بِهِ، وَآمُرُ بَنِي مَخْزُومٍ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ. قَالَ: كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَبْدَؤُونَ بِالسُّجُودِ، ثُمَّ بَعْدَ السُّجُودِ بِالرُّكُوعِ، ثُمَّ بَعْدَ الرُّكُوعِ بِالْقِيَامِ، فَكَانُوا يَقُومُونَ، وَيَطْلُبُونَ الْمَسْأَلَةَ مِنْ آلِهَتِهِمْ فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَسْجُدُوا وَيَقْتَرِبُوا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُومُ، فَيَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى وَيَحْمَدُ فَخَالَفَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَمَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْقِيَامِ، ثُمَّ بِالرُّكُوعِ، ثُمَّ السُّجُودِ. قَالَ: فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ يَعْنِي نَاصِرَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ يَعْنِي خَزَنَةَ جَهَنَّمَ أَرْجُلُهُمْ فِي الْأَرَضِينَ السُّفْلَى وَرُءُوسُهُمْ فِي السَّمَاءِ كَلَّا لَا تُطِعْهُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تُطِعْ أَبَا جَهْلٍ فِي أَنْ تَتْرُكَ الصَّلَاةَ، وَاسْجُدْ يَقُولُ: وَصَلِّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاقْتَرَبَ إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو جَهْلٍ ذِكْرَ الزَّبَانِيَةِ، قَالَ: قَدْ جَاءَ وَعْدُ اللَّهِ وَانْصَرَفَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ كَانَ هَمَّ بِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالُوا لَهُ: يَا أَبَا الْحَكَمِ خِفْتَهُ ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي خِفْتُ الزَّبَانِيَةَ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية