الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
سُورَةُ الْإِنْسَانِ مَكِّيَّةٌ، عَدَدُهَا إِحْدَى وَثَلَاثُونَ آيَةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا قَوْلُهُ: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ يَعْنِي قَدْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا يَعْنِي بِهِ آدَمَ لَا يُذْكَرُ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَأَهْلَهَا، وَالْأَرْضَ وَمَا فِيهَا مِنَ الْجِنِّ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ آدَمُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِوَاحِدٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعٍ، فَكَانُوا لَا يَعْرِفُونَ آدَمَ ، وَلَا يَذْكُرُونَهُ، وَكَانَ سُكَّانُ الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ زَمَانًا وَدَهْرًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ عَصَوُا اللَّهَ تَعَالَى وَضَرَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَبِيلَةً مِنَ الْمَلَائِكَةِ، يُقَالُ لَهُمُ: الْجِنُّ وَإِبْلِيسُ فِيهِمْ، وَكَانَ اسْمُ إِبْلِيسَ الْحَارِثَ، أَرْسَلَهُمُ اللَّهُ عَلَى الْجِنِّ، فَطَرَدُوهُمْ حَتَّى أَخْرَجُوهُمْ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى الظُّلْمَةِ خَلْفَ الْحِجَابِ، وَهُوَ جَبَلٌ تَغِيبُ الشَّمْسُ خَلْفَهُ، وَفِي أَصْلِهِ، وَفِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ الْجَبَلِ وَبَيْنَ جَبَلِ قَافٍ مَسِيرَةُ سَنَةٍ كُلُّهَا ظُلْمَةٌ وَمَاءٌ قَائِمٌ، ثُمَّ إِنَّ إِبْلِيسَ وَجُنْدَهُ طَهَّرُوا الْأَرْضَ وَعَبَدُوهُ زَمَانًا، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، أَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً يَعْبُدُونَنِي، وَيُطَهِّرُونَ الْأَرْضَ، فَرَدُّوا إِلَى اللَّهِ قَوْلَهُ، وَإِبْلِيسُ مِنْهُمْ: فَقَالُوا: رَبَّنَا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا، يَعْنِي مَنْ يَعْصِي فِيهَا، وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، كَفِعْلِ الْجِنِّ، لَا أَنَّهُمْ عَلِمُوا الْغَيْبَ، وَلَكِنْ قَالُوا مَا عَرَفُوا عَنِ الْجِنِّ الَّذِينَ عَصَوْا رَبَّهُمْ، وَقَالُوا: نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، يَعْنِي وَنُطَهِّرُ لَكَ الْأَرْضَ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ أَنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْمَلُونَ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَالَ: يَا جِبْرِيلُ ائْتِنِي بِطِينٍ فَهَبَطَ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى الْأَرْضِ فَأَخَذَ تُرَابًا مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ أَدِيمُ الْأَرْضِ وَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ، فَتَرَكَهُ زَمَانًا، حَتَّى أَنْتَنَ الطِّينُ فَصَارَ فَوْقَهَا طِينٌ حُرٌّ، وَأَسْفَلَهَا حَمْأَةٌ. حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْهُذَيْلُ ، عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: " مَا كَانَ مِنَ الْحُرِّ مِنْهَا فَهُمْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْحَمْأَةِ فَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الشِّمَالِ "، وَذَلِكَ أَنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ بْنَ عَابِسٍ الْكَتْمِيَّ ، وَمَالِكَ بْنَ الضَّيْفِ الْيَهُودِيَّ اخْتَصَمَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَخَلْقِهِ، فَقَالَ مَالِكُ بْنُ الضَّيْفِ: إِنَّمَا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ حِينَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُكَذِّبُ مَالِكَ بْنَ الضَّيْفِ الْيَهُودِيَّ: فَقَالَ: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ يَعْنِي وَاحِدًا وَعِشْرِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعٍ، بَعْدَ خَلْقِ السُّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا يُذْكَرُ، ثُمَّ خَلَقَ ذُرِّيَّتَهُ، فَقَالَ: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ يَعْنِي مَاءً مُخْتَلِطًا، وَهُوَ مَاءُ الرَّجُلِ، وَمَاءُ الْمَرْأَةِ، فَإِذَا اخْتَلَطَا، فَذَلِكَ الْمَشْجُ، فَمَاءُ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، فَمِنْهُ الْعَصَبُ، وَالْعَظْمُ، وَالْقُوَّةُ، وَنُطْفَةُ الْمَرْأَةِ صَفْرَاءُ رَقِيقَةٌ، فَمِنْهَا اللَّحْمُ، وَالدَّمُ، وَالشَّعْرُ، وَالظُّفْرُ، فَيَخْتَلِطَانِ فَذَلِكَ الْأَمْشَاجُ، فِيهَا تَقْدِيمٌ، يَقُولُ: جَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا لِنَبْتَلِيَهُ. ثُمَّ قَالَ: فَجَعَلْنَاهُ بَعْدَ النُّطْفَةِ سَمِيعًا بَصِيرًا لِنَبْتَلِيَهُ، أَيْ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً، عَلَقَةً، مُضْغَةً، ثُمَّ صَارَ إِنْسَانًا بَعْدَ مَاءٍ وَدَمٍ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا مِنْ بَعْدِ مَا كَانَ نُطْفَةً مَيِّتَةً، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ يَعْنِي سَبِيلَ الضَّلَالَةِ وَالْهُدَى إِمَّا شَاكِرًا أَنْ يَكُونَ شَاكِرًا يَعْنِي مُوَحِّدًا فِي حُسْنِ خُلُقِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَإِمَّا كَفُورًا فَلَا يُوَحِّدُهُ، وَأَيْضًا إِمَّا شَاكِرًا لِلَّهِ فِي حُسْنِ خُلُقِهِ وَإِمَّا كَفُورًا، يَجْعَلُ هَذِهِ النِّعَمَ لِغَيْرِ اللَّهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مُسْتَقَرَّ مَنْ أَحْسَنَ مِنْ خَلْقِهِ، ثُمَّ كَفَرَ بِهِ وَعَبَدَ غَيْرَهُ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية